عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في خضمّ أشغال اليوم الأخير من المعرض الدولي للكتاب، انسحبتُ قليلا من زحام الأروقة وضجيج التواقيع، أبحث عن استراحة قصيرة أحتسي فيها فنجان قهوة في الساحة الخارجية، وأستعيد شيئا من أنفاسي التي بعثرتها الأيام الطويلة للمعرض.
وبينما كنت غارقا في صمتي، تناهى إلى سمعي صوت عربي رخيم، دافئ وعميق، يهز الروح كما ترج القصائد القديمة وجدان العابرين.
كان صوتا يبعث على القشعريرة، لا يشبه الأصوات العابرة التي تملأ الأمكنة ثم تمضي، لسان يشبه نداء عتيقا قادما من جهة التاريخ.
تتبعتُ الصوت مأخوذا بدهشة غامضة، فإذا بي أمام مشهد بدا أقرب إلى ملحمة حيّة، أو مسرحية تاريخية تشق الزمن لتعيدك إلى قرون مضت، حيث اللغة العربية تُنطق بكامل جلالها، وكأنها خُلقت لتوِّها.
كان هناك حوار متخيَّل بين ابن رشد وابن بطوطة وفاطمة الفهرية ، والشريف الإدريسي، يقدمون نبذة موجزة عن حياتهم .
أربعة أسماء قرأناها طويلا فوق أغلفة الكتب، وحفظناها في الهوامش والسير، فإذا بها فجأة تقف أمامنا لحما ودما، تتحاور وتختلف وتبتسم، كأن التاريخ ضاق بالورق فخرج إلى الناس.
وقفتُ مشدوها لبعض الوقت، أستنشق عبق الحضارة، وأشعر أن الكتب التي بعناها طيلة أيام المعرض تحولت إلى أبواب سرية تُفضي إلى هذا الامتداد العجيب بين الماضي والحاضر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى