يحيى بركات - بعد أن أُغلقت الصناديق من التهنئة… إلى مساءلة التجربة… ثم إلى اختبار ما سيأتي

في نهاية اليوم…
تُطوى الأوراق،
تُغلق الصناديق،
تُعلن الأسماء،
وترتفع التهاني.
المدينة… تعود إلى إيقاعها.
كأن شيئًا انتهى.
لكن الحقيقة…
أن شيئًا بدأ.
التهنئة واجبة.
لكل من فاز…
ولكل من خسر…
ولكل من حاول أن يدخل هذا الباب الصعب.
لأن مجرد الوصول إلى لحظة الانتخابات،
في بلد مثقل بكل هذا التعقيد،
ليس تفصيلاً عابرًا.
هو جهد…
وإرادة…
وإصرار على أن تبقى الحياة العامة ممكنة.
لكن…
بين الأرقام…
يبقى ظل.
25%… 30%… 40%…
وأحيانًا أقل… وأحيانًا أكثر بقليل.
نصف الناس تقريبًا…
لم يأتوا.
لم يعترضوا…
لم يحتجوا…
لم يصوّتوا.
فقط…
لم يأتوا.
وهنا…
لا تكفي التهنئة.
نحتاج أن نقترب أكثر.
الثقة…
ليست تفويضًا مفتوحًا.
وهذا صحيح.
لكن الوجه الآخر للجملة…
أن عدم المشاركة ليس فراغًا.
هو موقف…
حتى لو لم يُكتب.
لذلك…
المطلوب الآن… ليس إعلان النجاح فقط،
بل فهم ما حدث.
ليس في العناوين…
بل في التفاصيل الصغيرة.
في كل مركز اقتراع.
في كل صندوق.
في كل ورقة لم تُستخدم.
هنا…
يأتي دور لجنة الانتخابات.
ليس كجهة أعلنت النتائج…
بل كعين يجب أن ترى ما لم يظهر.
دراسة… حقيقية.
استقصاء… بلا مجاملة.
ماذا حدث في الميدان؟
أين كانت نقاط الضعف؟
ماذا قيل من اعتراضات؟
ماذا شعر به الناس… ولم يقولوه؟
ثم…
الأهم:
أن تُعرض هذه الحقيقة على الناس… كما هي.
بلا تلميع.
بلا خوف.
وفي هذا…
الإعلام ليس ناقلًا… بل شريك.
ليس المطلوب احتفالًا دائمًا…
ولا جلدًا عبثيًا…
بل قراءة…
بجرأة… وصدق.
أن يُوضع الإصبع على الخلل…
دون أن يتحول ذلك إلى خصومة.
لأن الديمقراطية لا تتطور بالمجاملة…
ولا تعيش بالإنكار.
ثم…
نعود إلى النص نفسه.
إلى القانون.
هل كان كافيًا؟
هل كان عادلًا؟
هل كان محفّزًا للمشاركة… أم حياديًا إلى حدّ البرود؟
وهنا…
يظهر سؤال التزكية من جديد.
ليس كاتهام…
بل كفكرة تحتاج مراجعة.
هل يكفي غياب المنافس… لإعلان النتيجة؟
أم أن حضور المواطن… يجب أن يبقى شرطًا؟
في تجارب أخرى…
حين تنخفض المشاركة،
لا يُقال: “الناس قصّرت”.
يُقال:
“هناك شيء في النظام… لا يدعوهم”.
وفي بعض البلديات في إيطاليا،
إذا لم تصل المشاركة إلى حد أدنى… تُعاد الانتخابات.
وفي فرنسا،
تبقى المشاركة عنصرًا من عناصر الشرعية… لا مجرد رقم.
وفي المملكة المتحدة،
حين تنجح قائمة بلا منافسة،
يُنظر إلى ذلك كخلل… لا كإنجاز.
نحن…
لسنا أقل من هذه التجارب.
لكننا…
نحتاج أن نسأل.
وفي المشهد…
هناك من يراقب.
وفود دبلوماسية.
سفراء.
تصريحات عن الشفافية والمصداقية والشمول.
العالم حاضر…
يراقب…
ويكتب ملاحظاته.
لكن…
السؤال ليس هنا.
ليس المهم…
من يراقب الانتخابات من الخارج.
المهم…
من يراقبها من الداخل.
لأن الشرعية…
لا تُستورد.
لا تأتي في بيان.
ولا تُمنح في إحاطة دبلوماسية.
الشرعية…
تُبنى…
حين يشعر المواطن
أن ما جرى… يعنيه.
أن صوته مسموع.
أن مشاركته مؤثرة.
أن غيابه… خسارة.
أما حين يغيب الناس…
ثم نحضر المراقبين…
فنحن نُحسن الصورة…
لكننا لا نعالج الأصل.
وجود المراقب الدولي…
مهم.
لكن…
لا يمكن لأي عين خارجية
أن تعوّض غياب الداخل.
لأن الانتخابات…
ليست امتحانًا أمام العالم.
هي…
علاقة بين الناس… وصندوقهم.
وإذا لم يراقبها الناس…
ويحاسبوا نتائجها…
ويقرأوا ما جرى فيها…
ستبقى كل التقارير…
تقول إنها “جيدة”…
بينما السؤال الحقيقي…
يبقى معلقًا:
هل شعر الناس… أنها لهم؟
لأن القادم… أكبر.
انتخابات تشريعية.
انتخابات رئاسية.
مستقبل تمثيل كامل.
ولحظة أخطر… حين يُطرح الدستور.
وهذه الانتخابات البلدية…
ليست نهاية الطريق.
بل اختبار أولي.
إن نجحت المجالس…
في العمل، في الشفافية، في خدمة الناس…
قد يعود الناس.
وقد تمتلئ الصناديق… من جديد.
وإن لم يحدث ذلك…
لن تنفع أي دعوة.
الديمقراطية…
لا تُفرض.
تُستعاد.
ثم…
نصل إلى النقطة التي لا يمكن تجاوزها.
الشعب…
ليس خارج هذه المعادلة.
هو أساسها.
هو من يضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
ليس القانون.
ليس اللجنة.
ليس الإعلام.
الشعب.
لكن…
ماذا يحدث
حين يتحول الصوت إلى امتداد للعائلة؟
أو للعشيرة؟
أو للفصيل؟
أو للحزب… بلا سؤال؟
هنا…
لا نختار الأفضل.
نختار الأقرب.
وحين تُقدَّم القرابة على الكفاءة،
والانتماء الضيق على الخبرة،
والولاء على النزاهة…
نحن لا ننتج ديمقراطية.
نحن نُعيد إنتاج الخلل.
أما الامتناع…
فهو موقف… نعم.
لكن…
الامتناع لا يملأ الفراغ.
الامتناع يترك الساحة… لمن سيملؤها.
حين ينسحب الجيدون…
لا تختفي النتائج.
بل تتغير… لصالح من بقي.
وهنا يتحول الامتناع…
من موقف أخلاقي…
إلى أثر سياسي.
وقد يكون… أثرًا خطيرًا.
لأن ما حذرنا منه…
يجد طريقه بسهولة:
العشائرية.
العائلية.
المحسوبية.
الحزبية الضيقة.
كلها لا تنتصر لأنها قوية فقط…
بل لأنها تجد فراغًا.
والفراغ…
لا يبقى فارغًا.
وهنا…
لا يعود الامتناع حيادًا.
بل يصبح…
مساهمة غير مباشرة
في ترسيخ ما نرفضه.
ولهذا…
لا يكفي أن ننتقد.
ولا يكفي أن نمتنع.
المطلوب…
أن نرتقي بالفعل نفسه.
أن نفهم…
أن الصوت ليس رأيًا فقط…
بل مسؤولية.
أن نختار…
الكفاءة… قبل القرب.
الخبرة… قبل الانتماء الضيق.
النزاهة… قبل الولاء.
والالتزام الوطني… قبل أي حساب آخر.
لأننا…
إن لم نفعل ذلك…
نكون…
لا نشتكي من الواقع…
بل نُعيد إنتاجه.
وهنا…
تعود هذه التجربة إلى معناها الأوسع.
ما حدث هنا…
سيُعاد هناك.
في التشريعي.
في الرئاسي.
وفي لحظة كتابة الدستور.
فإما أن تكون هذه التجربة…
نقطة وعي…
أو…
بداية تكرار.
الديمقراطية لا تسقط فجأة.
هي…
تتآكل.
مرة حين لا نصوّت.
ومرة حين نصوّت بلا وعي.
ومرة حين نُسلّم بأن النتائج قدر.
وفي النهاية…
ليس السؤال: من فاز؟
بل:
هل استخدمنا نحن… حقنا كما يجب؟
وهل سنفعل ذلك…
حين يصبح القرار أكبر؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26/4/2026



1777240650148.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى