الأحزاب السياسية شرٌّ لا بدَّ منه

لا يمكِن تصوُّر الحياة السياسية بدون أحزاب سياسية. كما لا يمكن تصوُّر الديمقراطية بدون أحزابٍ سياسية. ولا يمكن أيضا تصوُّر تمثيلية la représentativité الشعب في البرلمان وفي الحكومة بدون أحزاب سياسية. ولا يمكن، كذلك، تصوُّر شعبٍ يوجد في مرحلة الانتقال الديمقراطي la transition démocratique بدون أحزاب سياسية. ولا يمكن، بتاتاً، لشعبٍ تبنَّى دستوراً يُشير إلى التمثيلية الحزبية وإلى التنافس الحزبي النظيف للوصول إلى كراسي السلطة، بدون أحزاب سياسية.

إذن، الأحزاب السياسية، من المفروض، أن تكونَ هي حامِل الديمقراطية وناشِرها داخلَ المجتمعات. فهي إذن ضروريةٌ للبلدان التي ترغب في أن يكونَ نظام الحكمٍ فيها ديمقراطياً.

لكن، ما قد يُثيرُ فضولَ القارئ، هو لماذا عنونتُ هذه المقالة ب"الأحزاب السياسية شرٌّ لا بدَّ منه؟"، ما دامت هذه الأحزاب ضرورية. الجواب على هذا السؤال، هو : لأن الأحزابَ السياسيةَ تُعاني من عدة مشاكل تسيء لسُمعتِها ولأدوارِها الاجتماعية. من بين هذه المشاكل، أذكر على سبيل المثال ما يلي :

1.عادةً، أي حزب سياسي ليكونَ، فعلاً، حزبا سياسياً يعبِّر عن همومِ الناس وتطلُّعاتهم، لا بدَّ أن ينبعَ من صميم المجتمعات البشرية، وتكون له قضيةٌ une cause أو قضايا des causes يناضل milite من أجل تحقيقها أو الاعتراف بها. خارجَ هذا الإطار، فالحزب الذي يُنعتُ ب"السياسي"، هو، فقط، عبارة عن "كْمْشَة" من الأشخاص الانتهازيين.

2.الحسُّ النِّضالي le sens du militantisme هو الذي بدأ يضمحلّ عند جل الأحزاب السياسية، علماً أن أي حزب يدَّعي أنه سياسي، لا بدَّ أن يكونَ وجودُه مقترنا بالنِّضال. وأي حزبٍ سياسي، إن لم يكن وجودُه مقترنا بالنضال، فهو، كما سبق الذكرُ، عبارة عن "كْمْشَة" من الانتهازيين. ولا يخفى على أحدٍ أن النضالَ عبارة عن التزامٍ بقضيةٍ أو بقضايا يدافع عنها الحزبُ وينهض بها إلى أن يتم الاعترافُ بها وتصبح واقعا ملموسا في حياةٍ الناس. وقد تكون هذه القضية أو القضايا عبارة عن تغيير يريد الحزب أن يطالَ المجتمعِ برمَّتِه، مثلا كالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات les droits et les obligations. غير أن النضالَ من أجل قضيةٍ من القضايا يلزمُه وقتٌ طويلٌ قد يُحسَب بالسنوات. لماذا؟

أولاً، لأن الأمرَ يتعلَّق بتغيير العقليات les .mentalités وتغيير العقليات، كما سبق الذكرُ، يلزمُه وقتٌ طويلٌ. لأن البشرَ، إذا تعوَّدوا على شيء، في حياتِهم اليومية، فإنهم يواجهون التغيير الذي يطال مجرى حياتِِهم، بالمقاومة la résistance.

ثانياً، بحكم الرَّتابة la routine والعادة l'habitude، البشرُ لا يحبون تغييرَ طرُقِ تفكيرهم وتَصرُّفهم n'aiment pas changer les manières de penser et d'agir، علما أن العقليات مترسِّخة ancrées في الذاكرة وفي الثقافة وفي الوعي.

وبما أن جلَّ أحزابَنَا السياسية قياداتُها بشرٌ، مثلُهم، من الناحية النفسية، مثل عامة الناس، فإن هذه القيادات لا تحبُّ التغييرَ، لا في طرق التفكير ولا في التَّصرُّف. فعلاً، إن جلَّ أحزابِنا السياسية تعودت، منذ مدة، وخصوصا، أثناء وبعد الستينيات على التَّعايُش مع الفساد، بجميع أشكالِه. والدليل على هذا التَّعايش، هو أن هذه الأحزاب لم تُحارِب هذا الفساد. بل فضلت التَّعايشَ معه عوض محاربته. كما تعوَّدت جل هذه الأحزاب على التعايش مع الزبونية le clientélisme وعلى المحسوبية le népotisme وعلى عدم تطبيق مضامين الدستور عندما تتعارض مع مصالحها. وخير مثالٍ يمكن سياقُه، في هذا الصدد، عدم تطبيق مبدأ "ربط المسؤولية بالمُحاسبة" relier la responsabilité à la reddition des comptes.

وفي ختام هذه المقالة، أي حزبٍ سياسي فقد سرَّ وجودِه الذي هو النضال، فلا ضرورةَ لوجودِه في المشهد السياسي. في هذه الحالة، جلُّ أجزابِنا السياسية فقد هذا السرَّ، إذن، فهي عالة على المجتمع ومُضِرَّةٌ له وللصالح العام. إذن، جلُّ أحزابِنا السياسية شرٌّ لا بدَّ منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى