في مكانٍ آخر من هذا العالم…
حين تسقط الصواريخ، تُطفأ الأضواء.
تُغلق المسارح.
تُلغى المهرجانات.
ويهرب الناس من الصورة إلى النجاة.
أما في غزة…
فمن بين الركام خرجت شاشة.
ومن بين الخيام خرج مهرجان.
ومن قلب الإبادة، وقف فلسطيني يحمل كاميرا ويقول للعالم:
ما زلنا هنا.
ليس هذا مشهدًا من فيلم سريالي…
بل الحقيقة نفسها.
الحقيقة التي اسمها اليوم:
مهرجان العودة السينمائي الدولي.
مهرجانٌ لا يُقام فوق شاطئ هادئ، ولا داخل مدينة آمنة تلمع فيها السجادات الحمراء تحت عدسات المصورين، بل تحت السماء نفسها التي كانت الطائرات الإسرائيلية والأمريكية تمزقها فوق رؤوس الأطفال والخيام.
هناك…
في مواصي خان يونس…
وسط مخيمات التهجير القسري…
حيث الناس لا يبحثون عن “دور عرض” بل عن ماء وخبز ودواء وخيمة لا تغرق بالمطر…
قرر فلسطينيون أن يقيموا مهرجانًا للسينما.
أي شعب هذا؟
وأي علاقة هذه بين الفلسطيني والصورة؟
العالم كله تقريبًا كان يرى غزة باعتبارها “كارثة إنسانية”…
لكن غزة، تحت النار، كانت تُنتج شيئًا آخر أيضًا: ذاكرة.
ذاكرة بالصوت والصورة.
ولهذا لم يكن مهرجان العودة مجرد فعالية ثقافية، بل فعل مقاومة كامل.
أن تختار غزة، وهي تُدفن تحت الركام، اسم “العودة” تحديدًا… فهذه ليست مصادفة لغوية.
إنها رسالة سياسية وتاريخية ووجدانية في وجه مشروع التهجير كله.
فالذين خرجوا من يافا…
ومن حيفا…
ومن صفد…
ومن اللد والرملة…
ومن أشدود وطبريا والناصرة…
والذين اقتُلعوا من المسميّة والمجدل والبقعة ودير ياسين وكفر قاسم والسخنة وكفر ياسيف…
يعرفون جيدًا أن الفلسطيني قد يُهجّر من بيته…
لكنه لا يخرج من ذاكرته.
وهنا تحديدًا تصبح السينما أخطر من مجرد فن.
لأن الصورة تحفظ ما يريد الاحتلال دفنه.
ولأن الكاميرا، أحيانًا، تصبح أقوى من الجرافة.
لهذا بدا المشهد كله كأنه مفارقة تتحدى قوانين الواقع: مهرجان سينمائي يخرج من قلب الحرب…
ثم يمتد إلى سبع عشرة مدينة حول العالم…
من غزة إلى شيفيلد…
ومن الخيمة إلى دار الأوبرا المصرية في القاهرة.
هناك، في مركز الإبداع بدار الأوبرا، اختتمت الدورة العاشرة للمهرجان، الدورة التي حملت اسم محمد بكري، الفنان الذي دفع عمره ثمنًا للصورة الفلسطينية الحرة، منذ جنين جنين وحتى آخر مواجهة مع محاكم الاحتلال.
لم يكن اختيار اسمه تكريمًا لفنان فقط…
بل تكريمًا لفكرة كاملة: أن السينما الفلسطينية ليست ترفًا ثقافيًا…
بل شهادة بقاء.
وهكذا، بينما كان العالم منشغلًا بعدّ الضحايا…
كان فلسطينيون آخرون يعدّون الأفلام.
بين الخيام خرجت عروض “العودة”.
أفلام عن الصحافيين.
عن المزارعين.
عن التهجير.
عن الأمهات.
عن الأطفال.
عن البيوت التي اختفت.
وعن الإنسان الفلسطيني الذي يحاول أن يبقى إنسانًا وسط الجحيم.
فيلم “بلا جدران” للمخرج يوسف خطاب…
وأفلام عن إرهاب المستوطنين في الضفة…
وأخرى عن الصحافيين الذين صاروا أهدافًا مباشرة للحرب…
كلها لم تكن مجرد أعمال فنية.
بل أرشيفًا حيًا للحظة الفلسطينية.
ولهذا فإن ما فعله المخرج سعود مهنا وفريق المهرجان يتجاوز بكثير فكرة تنظيم حدث سينمائي.
لقد بسطوا سجادة حمراء فوق الركام.
وهذه ربما واحدة من أكثر الصور السينمائية والإنسانية قسوة وجمالًا في آنٍ واحد.
أن يصرّ شعب يُقتل يوميًا على إقامة مهرجان سينما…
فهذه ليست رومانسية ثقافية.
هذا إعلان وجود.
إعلان يقول: يمكنكم تدمير البيوت…
لكنكم لن تمنعوا الفلسطيني من رواية حكايته.
وما يجعل التجربة أكثر أهمية أن مهرجان العودة لا يقف وحده.
ففي غزة التي أرادها الاحتلال أرضًا للموت والصمت، خرج أيضًا: مهرجان أفلام المرأة، ومشاريع رشيد مشهراوي، وأفلام “من المسافة صفر”، وعشرات المحاولات السينمائية التي وُلدت من داخل الحرب نفسها.
وكأن غزة، تحت الإبادة، لم تنتج فقط الضحايا…
بل أنتجت تيارًا سينمائيًا جديدًا.
تيارًا لا يصنع الصورة من خارج الألم…
بل من قلبه مباشرة.
وهنا تكمن خطورة ما يحدث.
لأن الاحتلال كان يريد للفلسطيني أن يظهر دائمًا كرقم في نشرات الأخبار…
لكن الفلسطيني اليوم صار يملك كاميرته، وصوته، ومونتاجه، وسرده البصري الخاص.
وهذا بالضبط ما تخشاه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر:
أن يروي الفلسطيني حكايته بنفسه.
لهذا، حين نكتب عن مهرجان العودة، فنحن لا نكتب عن “مهرجان أفلام” فقط…
بل عن شعب،
كلما حاولوا دفنه تحت الركام،
خرج بصورة جديدة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
27/5/2026
حين تسقط الصواريخ، تُطفأ الأضواء.
تُغلق المسارح.
تُلغى المهرجانات.
ويهرب الناس من الصورة إلى النجاة.
أما في غزة…
فمن بين الركام خرجت شاشة.
ومن بين الخيام خرج مهرجان.
ومن قلب الإبادة، وقف فلسطيني يحمل كاميرا ويقول للعالم:
ما زلنا هنا.
ليس هذا مشهدًا من فيلم سريالي…
بل الحقيقة نفسها.
الحقيقة التي اسمها اليوم:
مهرجان العودة السينمائي الدولي.
مهرجانٌ لا يُقام فوق شاطئ هادئ، ولا داخل مدينة آمنة تلمع فيها السجادات الحمراء تحت عدسات المصورين، بل تحت السماء نفسها التي كانت الطائرات الإسرائيلية والأمريكية تمزقها فوق رؤوس الأطفال والخيام.
هناك…
في مواصي خان يونس…
وسط مخيمات التهجير القسري…
حيث الناس لا يبحثون عن “دور عرض” بل عن ماء وخبز ودواء وخيمة لا تغرق بالمطر…
قرر فلسطينيون أن يقيموا مهرجانًا للسينما.
أي شعب هذا؟
وأي علاقة هذه بين الفلسطيني والصورة؟
العالم كله تقريبًا كان يرى غزة باعتبارها “كارثة إنسانية”…
لكن غزة، تحت النار، كانت تُنتج شيئًا آخر أيضًا: ذاكرة.
ذاكرة بالصوت والصورة.
ولهذا لم يكن مهرجان العودة مجرد فعالية ثقافية، بل فعل مقاومة كامل.
أن تختار غزة، وهي تُدفن تحت الركام، اسم “العودة” تحديدًا… فهذه ليست مصادفة لغوية.
إنها رسالة سياسية وتاريخية ووجدانية في وجه مشروع التهجير كله.
فالذين خرجوا من يافا…
ومن حيفا…
ومن صفد…
ومن اللد والرملة…
ومن أشدود وطبريا والناصرة…
والذين اقتُلعوا من المسميّة والمجدل والبقعة ودير ياسين وكفر قاسم والسخنة وكفر ياسيف…
يعرفون جيدًا أن الفلسطيني قد يُهجّر من بيته…
لكنه لا يخرج من ذاكرته.
وهنا تحديدًا تصبح السينما أخطر من مجرد فن.
لأن الصورة تحفظ ما يريد الاحتلال دفنه.
ولأن الكاميرا، أحيانًا، تصبح أقوى من الجرافة.
لهذا بدا المشهد كله كأنه مفارقة تتحدى قوانين الواقع: مهرجان سينمائي يخرج من قلب الحرب…
ثم يمتد إلى سبع عشرة مدينة حول العالم…
من غزة إلى شيفيلد…
ومن الخيمة إلى دار الأوبرا المصرية في القاهرة.
هناك، في مركز الإبداع بدار الأوبرا، اختتمت الدورة العاشرة للمهرجان، الدورة التي حملت اسم محمد بكري، الفنان الذي دفع عمره ثمنًا للصورة الفلسطينية الحرة، منذ جنين جنين وحتى آخر مواجهة مع محاكم الاحتلال.
لم يكن اختيار اسمه تكريمًا لفنان فقط…
بل تكريمًا لفكرة كاملة: أن السينما الفلسطينية ليست ترفًا ثقافيًا…
بل شهادة بقاء.
وهكذا، بينما كان العالم منشغلًا بعدّ الضحايا…
كان فلسطينيون آخرون يعدّون الأفلام.
بين الخيام خرجت عروض “العودة”.
أفلام عن الصحافيين.
عن المزارعين.
عن التهجير.
عن الأمهات.
عن الأطفال.
عن البيوت التي اختفت.
وعن الإنسان الفلسطيني الذي يحاول أن يبقى إنسانًا وسط الجحيم.
فيلم “بلا جدران” للمخرج يوسف خطاب…
وأفلام عن إرهاب المستوطنين في الضفة…
وأخرى عن الصحافيين الذين صاروا أهدافًا مباشرة للحرب…
كلها لم تكن مجرد أعمال فنية.
بل أرشيفًا حيًا للحظة الفلسطينية.
ولهذا فإن ما فعله المخرج سعود مهنا وفريق المهرجان يتجاوز بكثير فكرة تنظيم حدث سينمائي.
لقد بسطوا سجادة حمراء فوق الركام.
وهذه ربما واحدة من أكثر الصور السينمائية والإنسانية قسوة وجمالًا في آنٍ واحد.
أن يصرّ شعب يُقتل يوميًا على إقامة مهرجان سينما…
فهذه ليست رومانسية ثقافية.
هذا إعلان وجود.
إعلان يقول: يمكنكم تدمير البيوت…
لكنكم لن تمنعوا الفلسطيني من رواية حكايته.
وما يجعل التجربة أكثر أهمية أن مهرجان العودة لا يقف وحده.
ففي غزة التي أرادها الاحتلال أرضًا للموت والصمت، خرج أيضًا: مهرجان أفلام المرأة، ومشاريع رشيد مشهراوي، وأفلام “من المسافة صفر”، وعشرات المحاولات السينمائية التي وُلدت من داخل الحرب نفسها.
وكأن غزة، تحت الإبادة، لم تنتج فقط الضحايا…
بل أنتجت تيارًا سينمائيًا جديدًا.
تيارًا لا يصنع الصورة من خارج الألم…
بل من قلبه مباشرة.
وهنا تكمن خطورة ما يحدث.
لأن الاحتلال كان يريد للفلسطيني أن يظهر دائمًا كرقم في نشرات الأخبار…
لكن الفلسطيني اليوم صار يملك كاميرته، وصوته، ومونتاجه، وسرده البصري الخاص.
وهذا بالضبط ما تخشاه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر:
أن يروي الفلسطيني حكايته بنفسه.
لهذا، حين نكتب عن مهرجان العودة، فنحن لا نكتب عن “مهرجان أفلام” فقط…
بل عن شعب،
كلما حاولوا دفنه تحت الركام،
خرج بصورة جديدة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
27/5/2026