ابتهال عبدالوهاب - الأضحى: من طقس الدم إلى خلاص الروح

العيد الأضحى ليس مناسبة للذبح فقط،
بل لحظة قديمة يعود فيها الإنسان إلى السؤال الأول:
ما الذي يستحق أن يقدم قربانا كي تستمر الحياة؟
فكل الحضارات عرفت معنى التضحية،
لكن القليل فقط فهم أن الأضحية الحقيقية لم تكن يوما في الدم،
بل في الشيء الذي نعجز عن التخلي عنه داخلنا.
في هذا العيد، لا تذبح الخراف وحدها
بل تستدعى المعركة الأقدم:
معركة الإنسان ضد جشعه، وخوفه، وأنانيته، ووهم امتلاك كل شيء.
ولعل مأساة البشر أنهم أتقنوا ذبح الكائنات،
لكنهم فشلوا طويلا في ذبح الوحش المختبئ في أرواحهم.
نحن نعيش في عالم يرفع شعارات الرحمة، ثم يذبح بعضه بعضا باسم العقيده والوطن والطائفة،، والعرق والمصلحة.
ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح…
الخروف
أم القسوة التي تسكن الإنسان؟
ما الذي يجب أن يموت في الإنسان… كي يصبح أكثر إنسانية؟
لقد تحول العالم إلى مذبح كبير، تذبح فيه العدالة باسم السياسة،
والحقيقة باسم الجماهير. والرحمة باسم المصالح،
ويذبح الإنسان نفسه ببطء تحت آلات الاستهلاك والركض والخوف
لقد نجح البشر في تقديم آلاف الأضاحي عبر التاريخ،
لكنهم فشلوا غالبا في التضحية بأنانيتهم،
فامتلأت الأرض بالقرابين… وبقي الشر حيا
وفي النهاية…
وربما لم يرد الله من الإنسان أن يتقن الذبح،
بل أن يتعلم كيف يهزم الوحش الكامن فيه
وربما ليذكر الإنسان بأن نجاته لا تبدأ من امتلاك العالم،
بل من القدرة على الانتصار على نفسه
وحده الإنسان الذي يعرف ماذا يجب أن يذبح داخله،
و يستحق أن يعبر نحو معنى أسمى للحياة.
فكل عيد لا يوقظ الرحمة فينا،
ولا يخفف شيئا من قسوة هذا العالم، يبقى مجرد طقس عابر لا أكثر
عيد أضحى مبارك…
أرجو أن يمر عليكم لا محملا بالذبائح وحدها،
بل بالسكينة، واتساع القلب، وخفة الروح،
وأن يمنحكم القدرة على التخلي عما يثقل أرواحكم،
والاقتراب أكثر من الإنسان النبيل الكامن في أعماقكم.
كل عام وأنتم أكثر سلاما مع أنفسكم،
أكثر قدرة على التخفف من أثقال الروح،
وأكثر اقترابا من المعنى الذي يجعل الحياة أعمق من مجرد عبور عابر فوق هذه الأرض.
أعاده الله عليكم بقلوب أقل تعبا
وأرواح تعرف متى تتمسك، ومتى تتخلى ومتى تنتصر على ذلك الوحش الصغير الذي يسكن دواخلنا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى