ابتهال عبدالوهاب

لبنان ليس جغرافيا تقصف، بل ذاكرة تنتهك فأصبح الألم لغتها اليوميةالتي لا تحتاج إلى ترجمة في هذا الركن من العالم، حيث تختلط رائحة الياسمين برائحة البارود، لا يعود السؤال: لماذا يحدث هذا؟ بل: كيف تبقى الحياة ممكنة في أرض تعاد صياغتها كل يوم بلغة الألم؟ لبنان لا ينزف وحده… بل ينزف معه السؤال...
يولد الانسان نقيا، خفيفا، بلا تاريخ ولا اقنعة. لا يعرف عن العالم سوى الدهشة، ولا يعرف عن نفسه سوى ذلك النبض الصغير الذي يعلن حضوره في الوجود. ثم تبدأ الحياة في كتابة سطورها على صفحته البيضاء. شيئا فشيئا تتراكم التجارب، وتتسرب الاوهام، وتتشكل الاقنعة. فيتعلم الانسان ان يكون شيئا اخر غير نفسه...
ليس أخطر على العقل من تلك الطمأنينة الزائفة التي تمنحها العادة. فبعض الناس لا يدافعون عن الموروث لأنهم فهموه، بل لأنهم اعتادوه؛ ولا يتمسكون به لأنه ثبت لهم صدقه، بل لأنه وصلهم ممهوراً بختم الأسلاف. وهكذا يتحول التراث في أذهانهم من مادة للفهم إلى جدار يمنع الفهم، ومن تجربة إنسانية قابلة للنقد إلى...
ليست كل العلاقات في حياتنا تقاس بقرب المسافة أو بطول السنوات؛ فبعض البشر يدخلون حياتنا كما تدخل الفكرة العظيمة إلى العقل: فجأة… ثم لا يعود العالم بعدها كما كان. هؤلاء لا يمرون بنا مرور العابرين، بل يتركون في أرواحنا شقوقا يدخل منها الضوء. وحين أفتش في ذاكرة روحي عن أولئك الذين صنعوا في وعيي هذا...
هناك مدن لا تخاف الحرب ولا المجاعة بقدر ما تخاف الجمال. مدن ترتاب من الموسيقى، وتخشى الألوان الطبيعية كما لو كانت تهديدا لنظامها الرمادي الصارم. في تلك الأمكنة يصبح الفرح حدثا مشبوها، ويغدو الغناء نوعا من التمرد الصامت. كأن المدينة قررت، منذ زمن بعيد، أن الحياة ينبغي أن تعاش بلا دهشة، وبلا ضوء...
ليست المرأة كائنا يطلب من الحياة فتات العيش، ولا روحا يكفيها سقف يحميها ونفقة تسد حاجتها. إن المرأة، في جوهرها العميق، كائن يبحث عن المعنى قبل الاشياء، وعن الاعتراف قبل العطاء المادي. فهي لا تعيش بالخبز وحده، بل بالكلمة التي تضيء القلب، وبالاهتمام الذي يمنح الوجود دفئه، وبالاحترام الذي يجعلها...
نحن نحدق طويلا في تاريخ الصلاحية المطبوع على علبة طعام محفوظ، ونسال بقلق عن بلد المنشأ، كانما نخشى ان يتسرب الينا الفساد من طعام فاسد. نتحرى، ندقق، ونعيد العلبة الى الرف ان شككنا في يوم واحد زائد عن عمرها المسموح. لكننا، على نحو يثير الدهشة والقلق معا، نبتلع الافكار كما هي، بلا سؤال، بلا فحص،...
في هذا اليوم الذي يرفع فيه العالم راية الفلسفة اعترافا بقدرتها على تهذيب الروح وتهشيم الجهل وفتح نوافذ العقل..في هذا اليوم الذي ترفع فيه الإنسانية لافتة اليوم العالمي للفلسفه ، وتضع العقل في موضع السيادة، أرى العالم كله كأنه يقف على حافة نور كبير، يحدق في ذاته، يسائل مساره، ويعيد ترتيب معنى...
ما أثقل الذكرى حين تعود لا بوصفها حنينا، بل بوصفها محكمة تحاكم صمتنا، جبننا، ورضوخنا التاريخي بأن يدفن الضوء حيا في مثل هذا اليوم، لم يغتال رجل فحسب بل اغتيل العقل عندما بدأ يستفيق، واغتيل السؤال حين حاول أن يمد يده نحو الحقيقة واغتيل الأمل، لأن أمثاله لم يكونوا رجالا فقط، بل كانوا بدايات محتمله...

هذا الملف

نصوص
9
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى