في برلين،
لم يكن أهم ما عُرض… فيلم.
كان ما كُشف.
كلمة خرجت من فم مخرج،
لم تقف عند الميكروفون،
لم تبقَ بين جدران القاعة،
لم تُصفّق لها الأيدي وتنتهي.
خرجت…
ثم واصلت طريقها.
عبرت المدينة،
تجاوزت المهرجان،
وذهبت تبحث عن مكانٍ أوسع من منصة.
لأنها لم تكن جملة عابرة.
كانت جملة جاءت متأخرة… بعد زمن طويل من الصمت.
بعد صورٍ لم تعد تُحتمل.
بعد مشاهد لم تعد تقبل التأويل.
بعد أن انكشفت، أمام العالم،
حربٌ لم تعد تُخفى تحت العناوين،
ولا تُخفَّف بالمصطلحات.
غزة.
حيث لم يعد القتل خبرًا.
ولا الدمار مادة أرشيف.
بل بثٌّ حيّ…
يدخل البيوت،
ويجلس مع الناس على الطاولة،
ويفرض نفسه على الذاكرة.
هناك…
حيث سقط القناع.
وحيث لم يعد ممكنًا لأي فن،
أن يدّعي أنه “خارج”.
في تلك اللحظة،
في برلين،
قيلت الجملة التي حاولت أن تعيد كل شيء إلى مكانه القديم:
“كسينمائيين… علينا أن نبقى خارج السياسة.”
جملة نظيفة.
مرتبة.
قابلة للتصفيق.
لكنها جاءت… متأخرة.
لأن العالم كان قد تغيّر بالفعل.
لم تعد السياسة خارج القاعة.
كانت في الهواء.
في الأسئلة.
في الصمت.
وفي الارتباك الذي ملأ المكان.
والأهم…
كانت في الصور القادمة من غزة،
حيث حرب إبادة تُرتكب على مرأى العالم،
بقيادة حكومة يمينية متطرفة،
بخطاب عنصري،
بممارسات فاشية،
تحت غطاء سياسي دولي،
وبصمتٍ يحاول أن يبدو “حيادًا”.
لكن الحياد… لم يعد ممكناً.
لهذا،
لم تنتهِ الجملة في برلين.
وصلت إلى باريس.
هناك،
في قاعة السينماتك الفرنسية،
وقف كِن لوتش.
لم يكن في مهرجان.
لم يكن في لحظة احتفال.
كان في لحظة مواجهة.
عاد إلى برلين…
لكن ليس كذكرى،
بل كجرحٍ مفتوح.
قال بهدوء رجل يعرف ثمن الكلمة:
إنه حزين.
ليس لأن صديقه أخطأ،
بل لأن الجملة… لا يمكن أن تمر.
“البقاء خارج السياسة”…
توقّف عندها.
ثم قال ببساطة قاطعة:
أنا لا أوافق.
لم يناقش.
لم يجادل.
ذهب مباشرة إلى الجذر.
استدعى مارتن لوثر كينغ:
“أسوأ ما في الأمر ليس عنف الأشرار… بل صمت الأخيار.”
وترك الجملة في الهواء.
لكن الهواء هذه المرة… كان ممتلئًا بالصور.
صور أطفال.
صور مدن مدمّرة.
صور وجوهٍ لم تعد تملك ترف الانتظار.
ثم قالها لوتش بوضوح:
لا يمكننا أن نصمت
أمام الاستغلال،
وأمام الفوارق الفاحشة،
وأمام الجوع،
وأمام تدمير العالم.
ثم وصل إلى النقطة التي حاول البعض تجاوزها:
لا يمكننا أن نصمت…
أمام الحروب والمجازر.
ثم عاد… إلى غزة.
إلى ما شاهده الجميع،
ولم يعد أحد يستطيع أن يقول إنه لم يره.
قال:
لقد رأينا الأطفال…
في بيوتنا،
في غرفنا،
على الهواء.
عامين… وأكثر.
وما زال ذلك مستمرًا.
ثم حسمها:
“لا… لن نصمت.”
في تلك اللحظة،
انتهى النقاش.
لم يعد هناك رأيان.
أصبح هناك خط واضح:
إما أن تكون مع الصوت…
أو مع الصمت.
ولوتش لم يكن يقدم بيانًا سياسيًا.
كان يعيد تعريف الفنان.
حين استدعى بول روبسون،
لم يكن يزين الكلام.
كان يضع السقف:
“الفنانون هم حرّاس الحقيقة…
حماة الحضارة…
وصوتها الجذري.”
ثم قالها بهدوء من يعرف ما يقول:
نعم… نستطيع أن نكون كذلك.
وهنا،
تتضح الصورة كاملة.
الفنان ليس من يصنع فيلمًا فقط.
الفنان هو من يقرر:
هل يكون شاهدًا…
أم شاهد زور…
أم صامتًا؟
السينما ليست خارج السياسة.
لأنها ليست خارج الإنسان.
والإنسان…
حين يُقتل،
حين يُحاصر،
حين يُمحى —
لا يصبح موضوعًا للنقاش.
يصبح امتحانًا.
في برلين،
حاولت المنصة أن تبقى خارج هذا الامتحان.
لكن الكلمة خرجت.
وفي باريس،
جاء من يقول:
الخروج… لم يعد خيارًا.
اليوم،
ونحن على أبواب مهرجان كان،
لا نعود إلى برلين لنستذكرها،
بل لنفهم ما الذي تغيّر.
كان لم يعد مهرجانًا فقط.
أصبح اختبارًا.
ليس للأفلام.
بل لمن سيصعد المنصّة.
لمن سيحمل الجائزة.
لمن سيكتب خطابه.
ولمن سيختار… ماذا يقول.
إلى السينمائيين الذين سيقفون هناك:
أنتم لستم ضيوفًا.
أنتم لستم أسماءً في برنامج.
أنتم… ضمير.
والجمهور الذي سيصفّق لكم،
هو نفسه الذي يرى ما يحدث.
لا ينتظر منكم حيادًا.
ينتظر منكم صدقًا.
لا أحد يفرض عليكم خطابًا.
لكن هناك حقيقة لا يمكن الهروب منها:
الصمت… ليس غيابًا.
الصمت موقف.
برلين قالت ما لديها.
ولوتش قال ما يجب أن يُقال بعدها.
الآن…
الدور على كان.
ليس ليكون سياسيًا.
بل ليكون صادقًا.
لأن الفن،
حين يرى…
لا يصمت.
وإن صمت،
لا يعود فنًا.
بل يصبح صدى…
في قاعةٍ فارغة.
يحيى بركات
مخرج سينمائي فلسطيني
18 نيسان / أبريل 2026
لم يكن أهم ما عُرض… فيلم.
كان ما كُشف.
كلمة خرجت من فم مخرج،
لم تقف عند الميكروفون،
لم تبقَ بين جدران القاعة،
لم تُصفّق لها الأيدي وتنتهي.
خرجت…
ثم واصلت طريقها.
عبرت المدينة،
تجاوزت المهرجان،
وذهبت تبحث عن مكانٍ أوسع من منصة.
لأنها لم تكن جملة عابرة.
كانت جملة جاءت متأخرة… بعد زمن طويل من الصمت.
بعد صورٍ لم تعد تُحتمل.
بعد مشاهد لم تعد تقبل التأويل.
بعد أن انكشفت، أمام العالم،
حربٌ لم تعد تُخفى تحت العناوين،
ولا تُخفَّف بالمصطلحات.
غزة.
حيث لم يعد القتل خبرًا.
ولا الدمار مادة أرشيف.
بل بثٌّ حيّ…
يدخل البيوت،
ويجلس مع الناس على الطاولة،
ويفرض نفسه على الذاكرة.
هناك…
حيث سقط القناع.
وحيث لم يعد ممكنًا لأي فن،
أن يدّعي أنه “خارج”.
في تلك اللحظة،
في برلين،
قيلت الجملة التي حاولت أن تعيد كل شيء إلى مكانه القديم:
“كسينمائيين… علينا أن نبقى خارج السياسة.”
جملة نظيفة.
مرتبة.
قابلة للتصفيق.
لكنها جاءت… متأخرة.
لأن العالم كان قد تغيّر بالفعل.
لم تعد السياسة خارج القاعة.
كانت في الهواء.
في الأسئلة.
في الصمت.
وفي الارتباك الذي ملأ المكان.
والأهم…
كانت في الصور القادمة من غزة،
حيث حرب إبادة تُرتكب على مرأى العالم،
بقيادة حكومة يمينية متطرفة،
بخطاب عنصري،
بممارسات فاشية،
تحت غطاء سياسي دولي،
وبصمتٍ يحاول أن يبدو “حيادًا”.
لكن الحياد… لم يعد ممكناً.
لهذا،
لم تنتهِ الجملة في برلين.
وصلت إلى باريس.
هناك،
في قاعة السينماتك الفرنسية،
وقف كِن لوتش.
لم يكن في مهرجان.
لم يكن في لحظة احتفال.
كان في لحظة مواجهة.
عاد إلى برلين…
لكن ليس كذكرى،
بل كجرحٍ مفتوح.
قال بهدوء رجل يعرف ثمن الكلمة:
إنه حزين.
ليس لأن صديقه أخطأ،
بل لأن الجملة… لا يمكن أن تمر.
“البقاء خارج السياسة”…
توقّف عندها.
ثم قال ببساطة قاطعة:
أنا لا أوافق.
لم يناقش.
لم يجادل.
ذهب مباشرة إلى الجذر.
استدعى مارتن لوثر كينغ:
“أسوأ ما في الأمر ليس عنف الأشرار… بل صمت الأخيار.”
وترك الجملة في الهواء.
لكن الهواء هذه المرة… كان ممتلئًا بالصور.
صور أطفال.
صور مدن مدمّرة.
صور وجوهٍ لم تعد تملك ترف الانتظار.
ثم قالها لوتش بوضوح:
لا يمكننا أن نصمت
أمام الاستغلال،
وأمام الفوارق الفاحشة،
وأمام الجوع،
وأمام تدمير العالم.
ثم وصل إلى النقطة التي حاول البعض تجاوزها:
لا يمكننا أن نصمت…
أمام الحروب والمجازر.
ثم عاد… إلى غزة.
إلى ما شاهده الجميع،
ولم يعد أحد يستطيع أن يقول إنه لم يره.
قال:
لقد رأينا الأطفال…
في بيوتنا،
في غرفنا،
على الهواء.
عامين… وأكثر.
وما زال ذلك مستمرًا.
ثم حسمها:
“لا… لن نصمت.”
في تلك اللحظة،
انتهى النقاش.
لم يعد هناك رأيان.
أصبح هناك خط واضح:
إما أن تكون مع الصوت…
أو مع الصمت.
ولوتش لم يكن يقدم بيانًا سياسيًا.
كان يعيد تعريف الفنان.
حين استدعى بول روبسون،
لم يكن يزين الكلام.
كان يضع السقف:
“الفنانون هم حرّاس الحقيقة…
حماة الحضارة…
وصوتها الجذري.”
ثم قالها بهدوء من يعرف ما يقول:
نعم… نستطيع أن نكون كذلك.
وهنا،
تتضح الصورة كاملة.
الفنان ليس من يصنع فيلمًا فقط.
الفنان هو من يقرر:
هل يكون شاهدًا…
أم شاهد زور…
أم صامتًا؟
السينما ليست خارج السياسة.
لأنها ليست خارج الإنسان.
والإنسان…
حين يُقتل،
حين يُحاصر،
حين يُمحى —
لا يصبح موضوعًا للنقاش.
يصبح امتحانًا.
في برلين،
حاولت المنصة أن تبقى خارج هذا الامتحان.
لكن الكلمة خرجت.
وفي باريس،
جاء من يقول:
الخروج… لم يعد خيارًا.
اليوم،
ونحن على أبواب مهرجان كان،
لا نعود إلى برلين لنستذكرها،
بل لنفهم ما الذي تغيّر.
كان لم يعد مهرجانًا فقط.
أصبح اختبارًا.
ليس للأفلام.
بل لمن سيصعد المنصّة.
لمن سيحمل الجائزة.
لمن سيكتب خطابه.
ولمن سيختار… ماذا يقول.
إلى السينمائيين الذين سيقفون هناك:
أنتم لستم ضيوفًا.
أنتم لستم أسماءً في برنامج.
أنتم… ضمير.
والجمهور الذي سيصفّق لكم،
هو نفسه الذي يرى ما يحدث.
لا ينتظر منكم حيادًا.
ينتظر منكم صدقًا.
لا أحد يفرض عليكم خطابًا.
لكن هناك حقيقة لا يمكن الهروب منها:
الصمت… ليس غيابًا.
الصمت موقف.
برلين قالت ما لديها.
ولوتش قال ما يجب أن يُقال بعدها.
الآن…
الدور على كان.
ليس ليكون سياسيًا.
بل ليكون صادقًا.
لأن الفن،
حين يرى…
لا يصمت.
وإن صمت،
لا يعود فنًا.
بل يصبح صدى…
في قاعةٍ فارغة.
يحيى بركات
مخرج سينمائي فلسطيني
18 نيسان / أبريل 2026