نمر سعدي - من يقظةِ بلزاك إلى أحلامِ بروست

قبل أيام شغلني بلزاك، غرقتُ في عوالمه المدهشة.. المعذبَّة والسرياليَّة. منحتُ عملاق الرواية الفرنسية عدَّة أيام، وعجبت لغزارة وزخم إنتاج هذا الكاتب الفذ. تمثلت غزارة الإنتاج الأدبي لدى الكاتب الفرنسي أونوريه دي بلزاك (1799-1850)، الذي كتب ما يزيد عن 90 رواية وقصة ضمن مشروعه الضخم "الكوميديا الإنسانية"، في مزيج من إدمان العمل الشديد، والحاجة الماديَّة الملحة، والمنهجية الواقعية الدقيقة.
كان بلزاك يكتب لمدة تصل إلى 18 ساعة يومياً، حيث كان يعتبر الكتابة "حياة" لا مجرد مهنة، وكان مدفوعاً بشغف غير عادي لتوثيق حياة المجتمع الفرنسي.
عاشَ بلزاك تحت ضغط مالي هائل بسبب استثمارات فاشلة، مما جعله يكتب بسرعة وبكثافة عجيبة لتسديد ديونه، وكان غالباً ما يكتب ليلاً ونهاراً ليفي بالتزاماته للناشرين، كما كان يشرب كميات هائلة من القهوة (قيل إنها وصلت لعشرات الفناجين يومياً) للبقاء مستيقظاً والعمل لساعات طويلة، وهو ما أثَّر سلباً على صحته وعجَّل بوفاته المبكِّرة في سن الـ51 وهو في أوج نشاطه الفكري والأدبي.
كانَ بلزاك يعتبر نفسه "باحثاً" في مختبر المجتمع الفرنسي، لا مجرَّد روائي، حيث كان ينزل إلى الشوارع ويراقب الناس بدقة متناهية، ويدوِّن تفاصيل دقيقة، تافهة أحياناً، ويعيد صياغتها في رواياته وقصصه، وقد ساعده نشر أعماله مسلسلةً في الصحف على الالتزام بجدول إنتاج سريع، مما زاد من سرعة إنجازه للروايات الطويلة.
خلقَ بلزاك إطاراً عاماً يربط الشخصيات والأحداث عبر عشرات الروايات المكتوبة بعمق وذكاء خارق، مما سمح له بتوسيع نتاجه الأدبي دون الحاجة للبدء من الصفر في كل عمل.
كان سرُّ بلزاك هو "العمل تحت الضغط"، حيث دمج بين العبقرية الأدبية والاحتياج المالي الملح، مما أثمر هذا الإنتاج الضخم.
هل كانَ بلزاك روائيَّاً في ثيابِ شاعر؟ ربَّما.. فاللغة المجنَّحة والصافية والمفردات المشذَّبة والمنتقاة والجُمَل الطويلة الحابسةُ للأنفاس وعذوبة اللغة وشاعريتها المفرطة معايير فنيَّة تجعلهُ بلا منازع شاعرَ الروايةِ الفرنسيَّة بامتياز.
وطالما كنتُ مشدوداً إلى لغةِ بروست وتحليلاته فائقة الذكاء لمشاعر شخصياته فلا شكَّ في أنه امتدادٌ أدبيٌّ طبيعيٌّ لبلزاك، مع اختلاف مدرستيهما النثريتين.
يعدُّ أونوريه دي بلزاك ومارسيل بروست من عمالقة الأدب الفرنسي، لكنهما يمثلان مدرستين مختلفتين تماماً في الرؤية، والأسلوب، والتركيز الأدبي. يمكن تلخيص الاختلافات الجوهرية بينهما في النقاط التالية:
1. التركيز الموضوعي (المجتمع مقابل الذاكرة):بلزاك روائيٌّ واقعيٌّ يركِّز على المجتمع، المال، الصراع الطبقي، والسياسة. يصوِّر "الكوميديا الإنسانية" كلوحة بانورامية واسعة، يهتم فيها بتفاصيل حياة الأفراد ومصيرهم داخل الطبقة البرجوازية الصاعدة. بروست روائي نفسي يركز على الذاكرة، الزمن، المشاعر الداخلية، والتحليل النفسي. في عمله "البحث عن الزمن الضائع"، لا يصوِّر المجتمع إلا من خلال وعي الراوي وذكرياته، فهو مهتم بما يحدث داخل النفس أكثر مما يحدث في الشارع.
2. أسلوب السرد والتحليل: بلزاك (روائيُّ الوصف الخارجي): يُعرف بدقته في وصف البيئة، الملابس، والأطعمة، وكأن شخصية البشر تتحدد بما يأكلون وأين يعيشون. أسلوبه مباشر، يميل إلى السرد الشامل والتاريخي.
بروست (روائيُّ التحليل الباطني): يعتمد على الذاكرة اللاإرادية والتحليل النفسي العميق، وينفذ إلى اللاوعي لدى الشخصيات. يركز على تفاصيل التفاصيل النفسية، مما يجعل سرده بطيئاً وعميقاً، وكما قيل، فإنَّ "ما تمثله التغذية (الماديات) لدى بلزاك، تمثله الكتب والثقافة لدى بروست".
3. النظرة للشخصيات والمجتمع: بلزاك ينظر للمجتمع كمنظومة تخضع الجميع لإرادتها، حيث الشخصيات مدفوعة بالطموح والمال. بروست ينتقد الفئات الاجتماعية (الأرستقراطية والبرجوازية) ويرى فيها تناقضاً بين الزيف والسطحية، ويركز على عزلة الفرد وصراعه مع الزمن.
4. الزمن والتجربة: بلزاك يؤرخ لمرحلة تاريخية محددة (فرنسا في القرن الـ19).بروست يجعل من الزمن موضوعاً فلسفياً، فالزمن ليس مجرَّد أحداث متتالية بل هو رحلة في الذات والذاكرة. باختصار، بلزاك هو سكرتير المجتمع الذي يوثق الخارج، بينما بروست هو رسَّام الذاكرة الذي يغوص في الداخل.
نستنتج من خلال سياحة سريعة في كتابات بلزاك أنه كاتب اليقظة في الرواية الفرنسيَّة بخلاف بروست الذي يمتح سرده بشغفٍ محموم من ذاكرة أحلام متغلغة وغارقة في بئر الزمن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى