سعيد گنيش - الإقرار بالبؤس النظري على صعيد الفكر والثقافة

في المبتدأ
الإقرار بالبؤس النظري على صعيد الفكر والثقافة التحرريين، الذي تعرفه معظم قوى وتيارات المعارضة السياسية الماركسية المغربية، خاصة الحزبية التي ظلت ناشطة؛ هو المبتدأ الذي يفسر أن القوى الماركسية المغربية، بقيت تشكل فقط معارضة سياسية للنظام القائم. أي أنها لم تتجاوز دائرة الرفض السياسي الجذري لما هو قائم، وبقيت مبتورة بدون المساهمة في بناء مشروع عروبي تحرري بأفق اشتراكي مرتبط المصير بحركات التحرر العربية، وموحد في الكفاح المقاوم داخل محيطه الطبيعي الأقرب المغرب العربي.
كما يفسر أيضا وهو مهم، عدم إنتاج مفاهيم ماركسية كشرط في حركة الوعي الاجتماعي -التاريخي المغربي؛ لأن شرط المفهوم الجدلي/ concept dialectique هو أن يكون جزءا من حركة الواقع الملموس.
لقد ظلت هذه القوى تستخدم الأيديولوجيا الماركسية كمجرد "دوغما"، والنصوص الماركسية كشعارات مرفوعة، للتستر على أخطائها وتنزيه انزلاقاتها عن أي نقد ماركسي، لتبرير عجزها وعزلتها.
المقصود بالبؤس النظري خلو ساحة المعارضة الماركسية المغربية من أي عمل منهجي نظري يساهم في التأسيس النظري لماركسية نقدية عربية تحقق التزام الوعي في حقل الممارسة النقدية والعملية.
وللحقيقة فإن هذه الوضعية هي متشابهة عند معظم اليسار في الأقطار العربية التي عرفت ظهور أحزاب شيوعية وماركسية مع بعض التباينات، مع التأكيد على الإسهامات الفردية، التي ظلت في الغالب غير ملتزمة حزبيا.
إن وضعية القوى الماركسية المغربية تشبه إلى حد بعيد هؤلاء المجندين من العامة الذين اختاروا الذهاب إلى الحروب بالاعتماد على حسن الطوية، و بدون أسلحة وعتاد وتدريب كافيين.
لذلك فإن النموذج النظري الغالب على اليسار المغربي العربي الشيوعي والماركسي النشط حزبيا، هو ظاهرة الكراريس الطلابية الحزبية الوافدة من مدارس اليسار الماركسي العالمي خاصة الغربي؛ وذلك في بداية تحول هذا اليسار نحو "ديمقراطية العالم الحر". و تنكره المتصاعد لحركات التحرر القومي في بلدان الجنوب وبالخصوص العربية، ووصمها بشتى النعوت القدحية: القومجية، الشوفينية ، الشعبوية، الفاشية، النزعة البورجوازية الصغيرة المغامرة، البلانكية . بدون تمييز كما حدث مع الناصرية، البعثية... إلخ. وبالتزامن مع بداية الاختراق الصهيوأمريكي لحركات اليسار العالمية في أعقاب الحرب الثانية.
أولا) إن ظاهرة "الكراريس الماركسية الطلابية" الوافدة بدأت مع الحليف السوفياتي، انطلاقا من المرحلة التي بدأ منها معارضو ستالين لقوميته / سوفياتيته، يشدون الرحال إلى "ديمقراطية العالم الحر البورجوازي"، ويكرسون خيار التعايش السلمي مع الامبريالية الامريكية و التسليم بهيمنتها على العالم. وصولا إلى تبرير النهج التصفوي لاشتراكية الاتحاد السوفياتي الذي سلكته الغورباتشفية الخائنة ، و قاد إلى الانهيار المدوي والهزيمة أمام الحلف الامبريالي بدون مواجهة تذكر.
ثانيا) من خلال "الكراريس الماركسية الطلابية" الوافدة من الحلفاء الشيوعيين الغربيين، والتيارات التروتسكية التي ظلت وفية للمركز الماركسي الغربي. وتختلف فقط فيما بينها في درجة تشددها وعدائها لحركات تحرر واستقلال بلدان الجنوب. وذلك أيضا انطلاقا من بداية الاختراق الصهيوني لحركات اليسار العالمية بعد الحرب العالمية الثانية.
النتيجة المباشرة الأولى لهذا الاختراق، هو تحول معظم قوى اليسار العالمي إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني المستجلب من مائة قومية للرجل الأبيض الاستعماري، وحق الكيان في الوجود على حساب أصحاب الأرض عرب فلسطين، واحتلاله فلسطين العربية ضمن مشروع امبريالي في التوسع والسيطرة على الوطن العربي، وتفكيك مجتمعاته وتتبيعها كملحقات وظيفية لخدمته.
النتيجة المباشرة الثانية لهذا الاختراق، هي التنكر الذي يصل إلى العداء لمشروع العروبة التحرري في الوحدة القومية وبناء الدولة المركزية والتنمية المستقلة.
إن انهيار الاتحاد السوفياتي كشف المستور عن هذه الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية العربية، وقد سبقته في الانهيار دول "مجموعة عدم الانحياز". وانكشف عريها بعد تغول قوى الرأسمالية، لتنتقل الحرب الباردة إلى حروب ساخنة وعدوان متواصل على شعوب الجنوب. ونال الوطن العربي وشعوبه الحصة الأوفر من العدوان المتواصل الصهيوأمريكي إلى اليوم. وتوسعت دائرة الاستهداف لتشمل تفتيت البلدان العربية وإلحاقها بالكيان الصهيوني كمركز إقليمي رئيسي وحليف استراتيجي للإمبريالية موثوق به، مع تقاسم المصالح الممكنة داخل فيما سمي زمنا بالوطن العربي الواحد.

مدينة بني ملال في 29 ماي 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى