٠١
محمود درويش في الوعي الشعبي :
أمس أنفقت أربع ساعات أكتب عن محمود درويش في الوعي الشعبي .
كنت أردت أن أكتب صفحتين فقط فوجدتني استغرق في الكتابة وأكتب .
هل قلت كل ما أردت قوله ؟
الموضوع هو من د.فيصل دراج حيث اقترح علي أن أكتب دراسة لكتاب عنوانه "دفاتر محمود درويش " .
انا فضلت أن أكتب عن محمود درويش وقراءاته بنيويا وإشكالات هذه القراءات .
لقد اكتشفت كما هائلا من الأحكام الخاطئة التي أدت إليها القراءات النصية التي أغفلت اللحظة الزمنية - أي المناهج أفضل لقراءة درويش: المناهج النصية أم المناهج غير النصية ؟
د. فيصل دراج قدم ثلاثة مداخل لقراءة الشاعر . أنا سأكتب في الموضوع معتمدا على دراسات أنجزها أساتذة وأخرى أنجزها طلاب ماجستير ودكتوراه ناقشها أساتذة كبار .
لعلني أنجز هذه الدراسة في الأشهر القادمة ، علما بأنني أتبع الموضوع منذ زمن ..
صباح الخير يا عادل سمارة ويا زكريا محمد ويا بلسم أيضا .
٢٠١٣
٢
كلما التقيت يساريا سابقا و سألته عن أحواله وما آل إليه وجدتني أكرر :
"بعض يسار صار للسلطة طباخا" ، وربما تذكرت كتاب المرحوم ناهض حتر عن المرحوم الملك حسين " لماذا نحبه ؟ " - أظن - .
اليساريون يبررون تصالحهم مع الأنظمة ومنها السلطة الفلسطينية ، زاعمين أن البديل ليس أسوأ وحسب ، بل هو السوء بعينه .
غالبا ما تجد اليساريين القدامى في مناصب رفيعة أو عالية ، وغالبا ما يتحدثون عن الآخرين حديثا يتنافى وشعاراتهم القديمة ويرون في الإدارات التي يتعاملون معها إدارات أفضل بكثير من " الحثالة " .
طبعا أنا لا أصمت ، وغالبا ما أقول لهم :
- " إن الإدارات التي تمدحونها هي التي تحرك " الحثالة !!!؟ " .
أحيانا أجدني أترحم على مظفر النواب حيا وسأترحم عليه ميتا .
أكرر :
- " بعض يسار صار للسلطة طباخا " .
ومن السلطة السلطة الفلسطينية أيضا ، وليس الكلام مقتصرا على الأنظمة العربية .
منذ أربع خمس سنوات وأنا أتابع الرواية العربية وأرصد تحولات اليسار فيها .
" كأن اليمين أشد ذكاء "
كتب مظفر النواب أيضا .
5 / 8 / 2017
٣
يوميات غزة ( ٣٠٢ ) :
حرف الضاد لا يحميك
غالبا ما قرأت في الحرب الدائرة حاليا مناشدات من أهل غزة للعرب يطلبون منهم النجدة . المناشدات ما زالت تتواصل ، وأما أنا فمنذ بدء الحرب كتبت مقالة تحت عنوان " مناشدة الزعامة العربية وذاكرتنا العذراء " معلنا موقفي وهو :
- أيها الغزيون / الغزاويون ! إنكم ذوو ذاكرة عذراء . انفضوا أيديكم مما تأملون .
خيبت اليمن وحزب الله والعراق اعتقادي بنفض اليد .
- علام كنت أعتمد ؟
- على نصوص أدبية فلسطينية وأخرى عربية وعلى تجارب عشتها .
طبعا لا يخرج المرء من جلده العربي ، ولكن امرأة مصرية قالت في بداية الحرب ما أراد لها النظام العربي أكثره أن تقوله :
- هل استشرتمونا فيما ستقدمون عليه ؟
من المؤكد أن المقاومة الفلسطينية لو استسارت الأنظمة العربية بما ستقدم عليه لوجدت نظاما ما يتبرع بنقل تفكير حماس إلى ( جو بايدن ) الرئيس الأمريكي .
ما علينا !
ماذا كتب محمود درويش في رثاء ماجد أبو شرار الذي اغتيل في روما في غرفة الفندق في تشرين الأول من العام ١٩٨١ ؟
لنقرأ :
" يا لحم الفلسطيني فوق موائد الحكام ، يا حجر التوازن والتضامن بين جلاديك ، حرف الضاد لا يحميك ، فاختصر الطريق عليك يا لحم الفلسطيني ، يا شرعية البوليس والقديس إذ يتبادلان الاسم ، إذ يتناوبان عليك ، يمتزجان ، يتحدان ، ينقسمان مملكتين ، يقتتلان فيك ، وحين تنهض منهما يتوحدان عليك يا لحم الفلسطيني ، يا جغرافيا الفوضى ويا تاريخ هذا الشرق ، فاختصر الطريق عليك .. يا حقل التجارب للصناعات الخفيفة والثقيلة ، أيها اللحم الفلسطيني ، يا موسوعة البارود منذ المنجنيق إلى الصواريخ التي صنعت لأجلك في بلاد الغرب ، يا لحم الفلسطيني في دول القبائل والدويلات التي اختلفت على ثمن الشمندر والبطاطا وامتياز الغاز ، واتحدت على طرد الفلسطيني من دمه .
تجمع أيها اللحم الفلسطيني في واحد
تجمع واجمع الساعد
لتكتب سورة العائد ... "
( ملاحظة : من يقرأ النص في صيغته الأولى في مجلة الكرمل أو في كتاب " في وصف حالتنا " ١٩٨٧ ويقارنها بصيغته في ديوان " حصار لمدائح البحر " فسيجد اختلافا في الصيغتين )
٣ / ٨ / ٢٠٢٤ .
٤
هوامش من وحي ما يجري في غزة : مطار أثينا وقطاع غزة " في ذكرى محمود درويش "
في المقتلة وحرب الإبادة استحضرت الأحداث الجارية ، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، أحداثا شبيهة مر بها الفلسطينيون منذ ١٩٤٨ ، مع فارق في التوحش الذي بلغ مرحلة لم نعهدها من قبل ، وكان من الطبيعي أن تستحضر الذاكرة النصوص الأدبية التي كتبت في الأحداث السابقة ، وأن تتكيء عليها لتعزز مقولة الروائي إلياس خوري التي جعلها عنوانا لآخر كتبه " النكبة المستمرة " ، وكنت في بداية هذا العام أتيت في حلقات على نصوص محمود درويش التي حضرت في المقتلة الحالية أكثر من غيرها .
لم تفارقني نصوص الشاعر بعد ذلك ، فأكثر ما كتبت تضمن منها واقتبس من روايات غسان كنفاني ، وكنت أشعر أحيانا أنهما كتبا بعض ما يجري الآن ، علما بأن الأول توفي في ٩ اب ٢٠٠٨ والثاني اغتيل في ٨ تموز ١٩٧٢ .
وأنا أكتب في ٤ أيار ٢٠٢٥ عن رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " ، وهي رواية عن المقتلة الحالية ، التفت إلى عوالم شخصياتها المتعددة وهواجسها التي تختلف من واحظة لأخرى ، على الرغم من أنها كلها محاصرة وتعيش الواقع نفسه ؛ الحصار والقصف وغلاء الأسعار والفقدان .
كانت للشخصية الفردية معاناتها الخاصة ، إلى جانب المعاناة الجمعية ، وكل شخصية تبحث عن حل لمشكلتها .
ذكرتني الرواية بقصيدة درويش " مطار أثينا " التي اقتبست منها مقطعا ضمنته المقال ، وفي المقطع يفكر كل فلسطيني ، بعد خروجه من بيروت ، بما يؤرقه ؛ المقاتل أين سيقاتل ، وزوجته الحامل أين تهديه طفله ، والموظف أين يوظف ماله ، وهذا ما لا يهم المثقف : مالي ومالك ؟ ، وأما رجال الجمارك فيسألون القادمين : من أين جئتم ؟ وإلى أين تمضون ؟ وأين عناوينكم ؟ وهنا تجيبه امرأة من جماعتنا : بقجتي قريتي . ( الأيام الفلسطينية ) .
سوف أتابع في الأشهر الأخيرة صفحات غزيين مختلفة التوجه ، وسوف أرصد كثيرا منها وأعتمد عليها في كتابة اليوميات التي لم أتوقف عن مواصلتها إلا في الهدن العديدة .
من آخر ما قرأته مثلا كان عن الباقين في شمال القطاع المصرين على ألا يغادروا ، لأنهم تربوا على فكرة البقاء ، فارتقوا .
هكذا ارتقت ، في الشجاعية ، الصحفية مروة مسلم وأخواها معتز ومنتصر معا ، في ٢ / ٨ / ٢٠٢٥ .
ما الذي يهم تاجر العملة مثلا في المقتلة ؟
كتب غزيون كثر عن العمولة التي يطلبها منهم تجار العملة ، حتى يوفروا لهم سيولة نقدية . إن ما يشغل التجار أولا وأخيرا هو توظيف أموالهم واستثمارها وزيادتها . لقد تفننوا في وسائل الاحتيال وتجبروا ليفرضوا ما يريدون ، ومن أطرف أشرطة الفيديو شريط تصغي فيه إلى الآتي :
" - خذ ع التطبيق يللي ماشي ع الطريق .
- بدنا سيولة . بكم العمولة ؟
- ٤٠ بالمية .
- ٤٠ بشيلوك بجهنم يحطوك . روح انقلع .
- ٤٠ بالمية . هذا حقي الشرعي الطبيعي .
يقول آخر :
- أنا بروح ب ١ بالمية ع الدار
- لا ! وحنلاحقك عليه . بس اصبر شوية "
في ٣ اب ٢٠٢٥ كتبت د. هيا فريج أن الصريف يأخذ منها ٥٢ بالمائة عمولة على راتبها .
وإن كان الشاب الذي يريد أن يتزوج في قصيدة درويش يبحث عن غرفة لفض بكارة عروسه ، فإن أهل الموتى في غزة انشغلوا بالبحث عن مقابر لمن فقدوا وانشغلوا أيضا بتوفير تكلفة الدفن . لقد عزت القبور وارتفعت التكلفة . تحدث مواطن في شريط فيديو عن أزمة الدفن " والله ما في مقابر ندفن الناس ، فلا حجارة ولا بلاط ، وبعض الشهداء أعيدوا إلى الثلاجات . إننا نناشد أي أحد إيجاد مقابر . أقل شيء هو أن ندفن الموتى . هذا هو أقل واجب " ( الفيديو عن صفحة Mariam Abu Dagga a ) .
وعن الدفن وشاهد رخام القبر كتب ابوسيف في روايته .
الجائعون الآن في غزة ، وهم مئات الآلاف ، لا يتحدثون إلا عن الرغيف والحصول على الطحين والصراع عليه .
وماذا عن المقاتلين الذين رأينا أحيانا ، في مشاهد أشرطة فيديو ، لحظات عابرة لإقدامهم وجرأتهم وسمعنا بعض عباراتهم ؟
في يومياتي كتبت عن نص غزة الغائب الذي لم نكتبه . لقد غاب هذا النص عن كتاباتنا ؛ لأن من يقاتلون مازالوا يقاتلون ولم يخرجوا إلى مطار أثينا ليسألوا :
- أين نقاتل ؟
وماذا لو نظرنا في صفحات بعض أبناء الضفة أو فلسطين في ١٩٤٨ ؟
أحد طلابي ، وهو مصباح الحاج محمد ، صار منذ ١٥ عاما تقريبا معلم حكومة لا يقبض راتبه في موعده ، وإن قبضه لا يصرف له كاملا ، وهو غالبا ما يكتب عن الرواتب وموعد الصرف ونسبته وما للمعلمين من ديون على الحكومة ، وأما ما ينشغل به أهلنا في مناطق ١٩٤٨ فهو تفشي الجريمة التي يزداد عدد ضحاياها شيبا وشبانا ، ذكورا وإناثا و ..
وحالة تعبانة يا ليلى ، ورحم الله محمود درويش الذي تمر في هذه الأيام ذكرى وفاته ، علما بأنه كان فيما أكتب الأكثر حضورا .
( ٣ و ٩ / ٨ / ٢٠٢٥ )
( مقال ١٠ / ٨ / ٢٠٢٦ )
٥
رئيس جديد لجامعة بير زيت :
كأني قرأت في جريدة اﻷيام أنه تم تعيين نائب رئيس جامعة بير زيت رئيسا للجامعة خلفا للرئيس السابق . وأن مجلس اﻷمناء هو من قام بالتغيير .
يبدو أننا في جامعة النجاح سنرفع ذات يوم أربع صور ﻷربعة رؤساء لجامعة بير زيت مقابل صورة واحدة لرئيس جامعة النجاح مقلدين المصريين يوم رفعوا صورة واحدة لمبارك مقابل أربع صور مختلفة ﻷربعة رؤساء للولايات المتحدة اﻷميركية .
يبدو أننا حتى اللحظة نؤمن بالرئيس الضرورة الذي لم ينجب التاريخ مثله . يبدو .
٢٠١٥
٦
أحفاد هتلر في الضفة :
هل أنجب هتلر ؟
هل اختفى أطفاله بطريقة سرية جدا ؟
هل قدموا إلى اسرائيل للاختفاء ، باعتبارها ملجأ آمنا لا يثير الشبهة ؟
لا أعتقد أن اليهود يحرقون الأطفال ، فلقد انكووا بنار الحرق . أعتقد أن من أحرق محمد أبو خضير وعلي دوابشة هم الألمان من أحفاد هتلر الذين تخفوا وهاجروا ، سرا ، إلى فلسطين ، وأقاموا في المستوطنات . اليهود طيبون ولا يحرقون .. أي والله !!!
٢٠١٥
٧
خفة الكائنات غير المحتملة 18 :
نحن في الثالث من آب من العام 2015 . الجو حار جدا ولم تشهد نابلس أجواء حارة كهذه منذ زمن طويل ، إن كانت أصلا شهدت .
أنت لا تحتمل ، في هذه الاجواء ، الملابس التي ترتديها ، فكيف ستحتمل الكائنات غير المحتملة في اﻷجواء العادية ؟
بعض الناس إمعات ورخيصون وفيهم من الحقارة والنذالة ما لا يصدق . يبيع نفسه لفصيل ما ، لمسؤول ما ، لآخر ، حتى ينعم عليه بعظمة . كيف تعرف هذا ؟
أنت تعرف أن لا صلة لك بهذا الشخص . الصلة عابرة تتطلبها طبيعة الوظيفة ليس أكثر ، وأنت لا تعاديه . لا تحبه ولا تكرهه . ربما حييتما بعضكما بعضا بحكم مكان العمل ، وكما ذكرت فلا صلة لك به .
تقتضي الوظيفة نوعا من المراتبية وعليه فعلى كل واحد أن يخاطب الآخر بحكم وضعه ، والوظيفة درجات . ولكن بما أنك تعيش تحت الاحتلال ، وبحكم ما مرت به الضفة من انتفاضات ترتب عليها فوضى ، فقد اختلطت اﻷمور مرات ومرات .
بعض الناس ، كما ذكرت ، إمعات وفيهم من النذالة ما لا يحتمل ، فكيف إذا كان الجو حارا وفي آب ؟
أنت تذهب ، وأنت دكتور جامعي ، فيناديك الصغير باسمك . هل كنتما تلعبان معا في الحارة ؟ أنت تسأل وتخاطبه :
- احترم نفسك . أنا أستاذ ولا تناديني مرة أخرى باسمي . هناك لقب علمي وعليك مراعاته ، وﻷنه متمسح ، أو ﻷنه إمعة أو ﻷن هناك جهة ما وراءه . فصيلا ما أو حمارا كبيرا ، فإنه لا يخجل على نفسه ومنها وتواصل تعليمه اﻷخلاق .
نحن في آب ودرجات الحرارة لا تحتمل ، ولا يحتمل المرء أصلا ملابسه ، فكيف ستحتمل مثل هذه الكائنات ؟ هل ستبصق في وجهها ذات نهار ؟
- ربما .
٢٠١٥
٨
جنون ما يجري في العالم العربي:
ليس أمامك سوى أن تصغي إلى نشرة أخبار حتى تدرك جنون ما يجري في العالم العربي.إنه الجنون نفسه الذي يحتاج إلى خبراء سياسيين ونفسيين واجتماعيين لتفسيره.
الاستعمار /الصهيونية العالمية /التخلف الاجتماعي/الدكتاتور العربي/كلاب الدكتاتور /المافيا/الفقر /الدين /الماضي /بؤس الحاضر/عبقرية المكان /السنة/الشيعة /الإسلام الوهابي/العقلية البدوية /ترييف المدن/صدام حسين /حافظ اﻷسد وابنه بشار /معمر القذافي وسيف اليهود/مبارك وأنجاله والسيسي.
العالم العربي ،الآن،خارج التاريخ حقا.
كل شيء محزن .
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 69 :
( وغرير في المكتبة )
ما بين 1976- 1980 غدوت أشارك في الحياة الأدبية ، فأكتب مقالات في الصحف والمجلات ، ويمكن اعتبار ما كتبت محاولات دربت فيها أصابعي على الكتابة ، وكنت أفيد من بعض الكتب التي اقتنيتها وراقت لي ، مثل كتاب " النقد الأدبي الحديث ،أصوله واتجاهاته " للمرحوم أحمد كمال زكي ، وكتاب " قضايا الشعر المعاصر " للمرحومةنازك الملائكة،وكتاب " الشعر العربي المعاصر ،قضاياه وظواهره الفنية " للمرحوم عز الدين اسماعيل ، وقد أفدت من هذا الكتاب في كتابة مقالة طويلة عن " المدينة في شعر عبد اللطيف عقل " ، وكتاب " لعبة الحلم والواقع " للمرحوم جورج طرابيشي ، وقد بدأت اهتم بهذا الناقد وكتبه وترجماته ، ولما رأيت ترجمته التي صدرت عن دار الطليعة لموسوعة علم الجمال ، فقد اشتريتها ، وجربت أن أقرأ فيها ، كما اهتممت بكتب ماركسية حول نقد الشعر .
في العام 1980 قبلت طالبا ، من جديد ، في الجامعة الأردنية ، لإكمال دراساتي العليا ، ودرست مادة النقد الادبي الحديث مع الدكتور محمود السمرة ، وقدمت له بحثا عن القصة القصيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فراق له وسألني : ما رأيك أن تكتب فيه رسالة الماجستير ؟ و أجبته بأنني أفكر في هذا ، وكنت تجادلت طويلا مع الدكتور عبد الرحمن ياغي في الموضوع ، ولكني اكتشفت أنني لن أواصل العمل معه ، لتزمته الشديد وتعصبه لآرائه ، وقد فوجيء يوم عرف انني اخترت د.السمرة مشرفا ، واتهمني بانني أهرب إلى الظلال ، وكان د.ياغي يعتبر نفسه الناقد الأدبي الوحيد الذي يكتب نقدا جريئا وملتزما .
كان د.ياغي يكتب نقدا ينشره في الصحف ، وكان غالبا ما يقدم ، إلى القراء ، الأعمال الجديدة ، وكنت أتابع كتاباته كلها ، وقد درسنا في الماجستير كتابا أصدره عن رابطة الكتاب الأردنيين حول منهجه النقدي ، وهو المنهج الاجتماعي الماركسي ، وقد شرح لنا الكتاب في خمس محاضرات ، ثم تركنا في المكتبة تقرأ في مجلة لبنانية قديمة هي مجلة " المشرق " ، ليكتب كل واحد منا موضوعا ما يناقشه في نهاية الفصل ، وأظنني درست معه في البكالوريوس موضوعا خاصا في الأدب الحديث اعتمد على المجلة نفسها . وظل نقد د.ياغي ، لاحقا ، وعلى مدار عقدين ، لا يختلف عن نقده في بداية 80 ق 20 ، وفيما قرأته له من كتب فإنه لم يفد من المناهج النقدية الجديدة ، مثل البنيوية والسيميائية ، بل ومن كتب النقد الحديث لفن الرواية ، وظل يؤثر النقد الاجتماعي الماركسي ، وهو يميل إلى الإطالة والاقتباس وكثير من نقده يبدو لي اليوم لا طائل من ورائه . ولكن هذا لا يقلل من جهوده في خدمة الحركة الأدبية والثقافة الفلسطينية .
سجلت رسالة الماجستير في القصة القصيرة في الضفة والقطاع من 1967 إلى 1981 ، وكنت قرأت أكثر المجموعات التي صدرت ، وكتبت عنها مراجعات في الصحف ، بل وكنت شاركت في ندوات ، عقدت في رام الله ونابلس وغزة ، لمناقشتها ، ففي تلك الأيام كنا نتواصل مع الكتاب الفلسطينيين من غزة إلى الجليل بسهولة ، وكانت فلسطين التاريخية كلها لنا ولليهود معا ، من حيث جوب البلاد طولا وعرضا ، وبحرية كبيرة جدا .
حين بدأت أكتب الأطروحة كان علي أن اتتبع القصص القصيرة المنشورة في الصحف والمجلات ، فقد كانت المجموعات الصادرة لا تتجاوز العشر مجموعات ، وهكذا وجدتني أذهب إلى حيفا لاتتبع ما نشره كتاب الضفة والقطاع في جريدة " الاتحاد " ، وأما مجلات الأحزاب الصهيونية وصحفها ، مثل مجلة " الشرق " وجريدة " الأنباء " ، فقد كانت متوفرة في مكتبة بلدية نابلس التي سأنفق فيها ثلاثة أشهر تقريبا هي تموز و آب وايلول ، أقرأ القصص في الصحف والمجلات وألخصها على دفتر خاص ، لأفيد منها .
ولم تتكرر تجربتي في الجلوس في المكتبة ، وفي التنقل بين المدن ، للحصول على المصادر والمراجع ، بهذا الشكل ، إلا في ألمانيا ، حيث تنقلت بين أكثر من مدينة للإفادة من مكتباتها ، وأما بعد الحصول على الدكتوراه ، فقد تحولت إلى باحث منزلي تقريبا ، ونادرا ما أذهب إلى مكتبة عامة ، إذ أخذت أشتري ما أحتاج إليه من كتب ، فكونت مكتبة لا بأس بها .
كنت أذهب إلى حيفا وإلى مكاتب جريدة " الاتحاد "، وهناك تعرفت إلى المرحوم سلمان ناطور وانطوان شلحت وعفيف صلاح سالم ، والتقيت الإمبراطور المرحوم إميل حبيبي ، وإن كان اللقاء عابرا وسريعا ، كما التقيت بسميح القاسم الذي كان يحرر مجلة " الجديد ". وكنت في المقابل أجلس في قاعة المجلات والصحف في مكتبة بلدية نابلس من العاشرة صباحا حتى الخامسة أو السادسة مساء ، أقرأ في الصحف الصادرة بعد الاحتلال ، وقد صغت من قراءاتي هذه الفصل الأول من رسالة الماجستير ، وكان عنوانه " القصة القصيرة : عوائق ومؤثرات " وقد تتبعت فيه أثر الاحتلال ، في حزيران ، على الحركة الأدبية ، وهو فصل فيه من جهود الباحث ما فيه . إنه حقا بحث ، لا مجرد دراسة يمكن أن ينجزها المرء عن مجموعة قصصية ، أو عن مجموعات قصصية ، وهو جالس في بيته .
بعد أن انهيت الفصول الدراسية الثلاثة المطلوبة في الجامعة عدت أدرس في مدارس الوكالة في الغور ، وما بين بداية شباط ونهاية آيار كتبت بقية فصول الرسالة التي أنجزت في فترة قصيرة لم تتعد الاثنين والعشرين شهرا ، وقد ناقشتها في مجمع اللغة العربية الأردني في 14 / 8 / 1982 ، واجيزت . ( كنت أعكف على القراءة والكتابة ، خلال كتابة الرسالة ، ثماني ساعات متواصلة ، من 3 عصرا حتى 11 ليلا ) .
في تلك الأيام كنت ، دائما ، أضع يدي على قلبي : ماذا لو منعني الاحتلال من السفر إلى عمان لمناقشة الرسالة ، وماذا لو صادر النسخة الورقية المكتوبة بخط يدي ، وهي النسخة الوحيدة ؟
في بداية حزيران 1982 سافرت إلى الأردن لأناقش الرسالة ، وهناك سيبدأ حزيران آخر ، حزيران دموي سوف يفضي أيضا إلى أيلول جديد .
هل انتهى حزيران 1967 ؟
3 /8 /2016
١٠
(حزيران الذي لا ينتهي) 70 : (الحلقة الأخيرة )
( يذهب حزيران ،ويأتي حزيران:كأنه لا ينتهي )
في العام 1967،إثر الهزيمة ، التقت الشاعرة فدوى طوقان بشعراء الارض المحتلة ، وقرؤوا قصائد عن الحرب وما نجم عنها وانعكاسها عليهم ، ومن القصائد قصيدة فدوى " على أطلال يافا " وقصيدة محمود درويش " يوميات جرح فلسطيني" .
زارت الشاعرة مدن فلسطين ووقفت على اطلالها وبكت ما رأت ، ورحب بها الشعراء الذين رأوا في الهزيمة ( خطوة للخلف ، من أجل عشر للأمام ) على رأي الشاعر المرحوم توفيق زياد ، فهذه كبوة ، وكم يحدث أن يكبو الهمام ، وأما محمود درويش فقد خسر حلما جميلا وخسر لسع الزنابق وما خسر السبيلا .
وإذا كانت الشاعرة قبل الهزيمة مغرقة في وحدتها وعزلتها وتقوقعها على ذاتها،ولم تكتب في الموضوع الوطني إلا قصائد قليلة جدا،مثل " مع لاجئة في العيد " ، فإنها ،مع الهزيمة ، وبلقائها بالشعراء اليساريين ، تحولت ، مثلهم ، إلى شاعرة مقاومة ، وتقدم ، في قصائدها ، الموضوع الوطني ليحتل الصدارة .
وطال حزيران 1967 أكثر مما توقع راكب الحافلة الذي قال إن الاحتلال سيدوم سبعة أسابيع أو سبعة أشهر أو سبع سنوات . طال حزيران وطال الاحتلال الرحيم ، وافتتحت فيه سجون جديدة ، وعوقب أهل الأرض المحتلة 1967عقوبات جماعية ، ومنعوا احيانا من السفر ، وهدمت منازل المقاومين ، وأقيمت المستوطنات ، ولم تجد الرحلات التي شجع عليها الإسرائيليون ، من أجل التعايش ، نفعا . واشتدت المقاومة في خارج فلسطين ، وأصبح هناك ، في لبنان ، دولة داخل دولة ، هي دولة الفاكهاني ، وامتلك الفلسطينيون في جنوب لبنان مدافع وسيارات مصفحة و ..و .. وكان لا بد من حرب جديدة أوسع من حرب الليطاني 1978 وأكبر .
في الأول من حزيران غادرت الضفة إلى الأردن لأنهي الماجستير ، وهناك أخذت أتردد ، من جديد ، على رابطة الكتاب الأردنيين التي كان مقرها في جبل اللويبدة ، في شارع ابراهيم طوقان ، لأتابع النشاط الأدبي الذي كانت الرابطة تعقده ، وغالبا ما كان يومي الأحد والأربعاء .
وستبدأ الحرب .
سيبدأ حزيران من جديد ، وهذه المرة لم يبدأ في الخامس منه . سيبدأ يوما أبكر .
في الرابع من حزيران ستبدأ الحرب ، وستغزو القوات الإسرائيلية جنوب لبنان ، وخلال أيام ستصل إلى مشارف بيروت ، ليتواصل حزيران الذي لا ينتهي .
لماذا لم تبدأ اسرائيل حربها في الأول من حزيران ؟
ستغدو أخبار المعارك خبزنا وملحنا وفاكهتنا اليومية ، ومن جديد سنعود ثانية خبراء عسكريين نحلل المعارك ونتحدث عن الحرب باسترخاء ، فالجبهة مشتعلة ، ونحن على شرفات مبنى الرابطة ، أو في ساحات الجامعة نمارس حياتنا وترف الكلام .
ولم تنته الحرب في ستة أيام أو في سبعة أيام ليستريح ( بيغن ) في اليوم السابع ، وستغدو حربا مختلفة عن الحرب السابقة . وسيصمد الفدائيون والمقاومون حتى نهاية آب ، ليخرجوا في بداية أيلول إلى مناف جديدة ؛إلى الجزائر والسودان واليمن وليبيا وتونس و .... وستتواصل الهجرات الفلسطينية ، وستغدو قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " القصيدة التي عبرت عما جرى ولخصته وكثفته،وسنحفظها ما استطعنا .
ما أصغر الدولة
ما أكبر الفكرة
وحين يعود الفلسطينيون في العام 1994 إلى دولتهم المنشودة ، ويحكمون مدنا محتلة في فلسطين المحتلة ، سنكرر :
ما أصغر الدولة
وحين نرى ما صرنا إليه ندرك أن حزيران لا ينتهي . أيوجد حقا شهر لا ينتهي ، أو زمن لا ينتهي ؟ وسنسقط في حفرة هذا الظل .
في العام 1990 كتب محمود درويش ديوانه " أرى ما أريد " وصدره بأسطر عن علاقته بالزمن ، وصراعهما معا . كتب الشاعر :
وأنا انظر خلفي في هذا الليل
في أوراق الأشجار وفي أوراق العمر
واحدق في ذاكرة الماء ، وفي ذاكرة الليل
لا أبصر في هذا الليل
إلا آخر هذا الليل
دقات الساعة تقضم عمري ثانية ثانية
وتقصر أيضا عمر الليل
لم يبق من الليل ومني شيء نتصارع فيه ... وعليه
لكن الليل يعود إلى ليلته
وأنا أسقط في حفرة هذا الظل .
ذهب حزيران 1967 وجاء حزيران 1982
كأننا لا رحنا ولا جئنا
و
" لكن الليل يعود إلى ليلته "
ونحن
نسقط في حفرة هذا ال ...... حزيران
3/8/216
١١
ستقول طالبة: ما جدوى القصيدة؟
(محمود درويش )
أحيانا قد يكرر المرء مضمونا مشابها :ما جدوى الكتابة؟
ولكن الشاعر واصل الكتابة، فالسطر الشعري السابق ورد في قصيدة كتبت في 1977، وظل الشاعر الذي مر علي رحيله 9 أعوام يكتب من 1977 حتى 2008- سنة وفاته.
3/8/2017
كم يأخذ صالون التجميل من طالبة التوجيهي؟
العادة أن يكون هناك تخفيض لطلاب التوجيهي ولكني سمعت أن السعر يكون مضاعفا.
الله المستعان به.
١٢
في ذكرى رحيلهما : إحسان عباس و محمد القيسي .
من يتذكرهما ؟
عالم بحاثة قل نظيره كان إحسان عباس ، وشاعر جوال أشبه بالشعراء الصعاليك كان محمد القيسي .
أجندة شهر آب مكتظة برحيل أدباء فلسطين .
لعلني أكتب مقال الأحد في ذكرى رحيل محمود درويش .
للعلامة إحسان عباس و محمد القيسي الرحمة . ( توفيا في بداية آب من العام 2003 وكنت في عمان أشارك في مؤتمر جامعة فيلادلفيا ) .
3/8/2017
١٣
كلام السيد رئيس الوزراء:
أوردت جريدة الأيام الفلسطينية اليوم في صفحتها الرابعة كلام السيد رئيس الوزراء خلال لقاء إعلاميين. من كلامه حول التعليم الآتي:
إن نسبة البطالة "معظمها بين خريجي الجامعات ولهذا بدأنا بايقاف البرامج النظرية في الجامعات حيث أن أي برنامج نظري لا نقوم بترخيصه، ولذلك كان موقفنا حاسما في موضوع كلية الطب في الخليل وكان لدينا اصرار أن تكون كلية واحدة"
طيب شو رأي السيد رئيس الوزراء في افتتاح برنامج الدكتوراه،هذا العام، في قسم اللغة العربية ،علما بأن هناك ما لايقل عن عشرة من حملة الدكتوراه،في منطقة نابلس وحدها، يدرسون في المدارس ولا وظيفة لهم في أية جامعة؟
ربما أنا لم أجد قراءة كلام السيد رئيس الوزراء، فقد رسبت مرة في مساق الصرف مع الدكتور نهاد الموسى.
3 آب 2018
١٤
وماذا لو بقينا في فلسطين وبقيت بلادا عادية لا قطعة من أوروبا أو قطعة من الجنة.
من المؤكد أننا سنصعد إلى الكرمل ونرى حيفا والمتوسط منه، كما نرى حيفا من عكا وكما نجلس في عكا في مطعم أبو خريستو.
أفكر في مقالة نثرية ليوم الأحد في 12 آب في ذكرى رحيل درويش.
الفكرة تخطر على البال والحالة الشاعرية مهيأة لذلك.
3 آب 2018
١٥
خليل النعيمي والمكان ٥ :
تصلح رواية " القطيعة " مثالا يعتمد عليه الناقد لدراسة رواية المكان التي يكتبها كاتب له صلة بالمكان الذي يكتب عنه ، فهي تعزز آراء النقاد الذين يطالبون الكتاب بأن يكتبوا عن بيئة يعرفونها جيدا وأن يتركوا الكتابة عن أماكن صلتهم بها منقطعة أو ضعيفة أو معدومة .
لطالما ناقشت هذا الموضوع في كتاباتي النقدية وقد سبب الخوض فيه لي مشاكل كثيرة لدرجة أن قسما من الكتاب كاد يتهمني ، وأنا أكتب عن القدس في الأدب العربي ، بأنني أقف إلى جانب الإسرائيليين ، مع أنني أحلم ، فيما يخص الدولة الصهيونية ، حلم اسحق رابين بخصوص غزة .
والطريف أنني حين أكتب عن القدس أتوقف مليا أمام صورة المدينة في أدبيات اليهود التي كتبت في المنفى وأقول إن ما كتبوه عن القدس التي لم يقتربوا منها كان خارجا من العهد القديم ولا يمت للقدس على أرض الواقع بصلة .
ماذا لو كتبت أنا شخصيا عن المكان الذي يكتب عنه خليل النعيمي وهو المكان الذي ولد فيه وعاش سنوات عمره في ازقته وحاراته ونهره وترابه؟
من المؤكد أنني لن أكتب أي شيء مما كتبه ، ولسوف أكتب عن عالم آخر لا صلة له بالمكان الحقيقي.
في " القطيعة " أنت تقرأ عن المكان وكل ما يمت له بصلة : البشر والتراب والحيوانات والنهر ولغة المكان ولهجة أهله ومفردات البيئة ونباتاتها، تقرأ عن هذا كله وحين تقيسه بما في بيئتك - إن كانت بيئة مختلفة مثل بيئة المدينة أو المخيم أو البيئة الصحراوية - فستجد نفسك أمام عالم آخر تحتاج ، حتى تفهمه وتدرك إبعاده ، إلى جلد وصبر .
هنا تستذكر لامية العرب للشنفرى وما روي عن انتحالها ورد بعض النقاد على مروجي فكرة الانتحال ودحضها : مهما كان خلف الأحمر ضليعا بلغة العرب وبالشعر الجاهلي فلا يمكن أن يكتب قصيدة كهذه ؛ صورها واستعاراتها وتشابيهها وبيئتها ، إلا إذا كان عاش في البادية وعرفها وخبر أسرارها .
في " القطيعة " أنت تقرأ عن بيئة صورها من تمثلها وعرف أسرارها ، ولا أعرف إن كان هناك من النقاد من التفت إلى المكان فيها .
أنصح دارسي الأدب في سوريا أن يلتفتوا إلى هذا الجانب فيها ، ففيها مفردات على غير صعيد أقرأها شخصيا لأول مرة .
١٦
الست كورونا : للحقيقة وجهان والثلج أسود ( ٤١ )
عاد الحديث عن الست كورونا يشغل بال الكثيرين ، وأمس تدوولت أشرطة عديدة تأتي على الجائحة في هذا العالم ، وأبرزها شريط الأطباء الأميركيين الذين تظاهروا أمام الكونجرس الأميركي لتخطب فيهم الدكتورة الأفريقية الأصول ( فاوتشي ) ، وهي سمراء البشرة ، تبدي موقفا من الفايروس .
التعليق الأول على الشريط المرفق ذهب إلى أنها ومن معها يتظاهرون معلنين عن موقف معارض لإدارة ( ترامب ) ، ثم سرعان ما أرسل إلي الصديق Ziad Ameireh رأيا مختلفا يقول فيه إن المتظاهرين ليسوا أطباء بل هم ممثلون يدعمون سياسته .
الدكتورة ( فاوتشي ) قالت إن الكورونا ليست خطرة وإن علاجها متوفر - في الشريط تقول إن اسمها سليمانو والمعقب على الشريط كتب إن اسمها ( فاوتشي ) - وأكدت باحثة أوروبية أو أميركية تحدثت لعشرين دقيقة أن العلاج موجود ، ولكن إصرار بعض المسؤولين ، وعلى رأسهم ( بيل جيتس / غيتس ) ، على أخذ اللقاح يعني تعديلا في جينات الانسان لخلق إنسان يتحكم في حياته . الباحثة البيضاء البشرة التي أخذت ، في نهاية الشريط ، تبكي على ما سيصبح البشر عليه ، قالت إن اللقاح سيجعل منا أشخاصا آخرين مختلفين .
حسب قولها فإنني سوف أصبح مثل علي بابا وأكثر تطورا ، فإذا كان هو يخاطب الصخرتين بعبارة " افتح يا سمسم " فإنهما ستفتحان ما إن أفكر في الأمر وقبل أن أنطق .
الصحيح أنني لم أستوعب جيدا ما قالت ، ولكني أظن أن الإنسان القادم سيصبح مثل خيار " الحماموت " ومثل الفواكه المهرمنة التي نشاهدها في الأسواق وتسر مناظرها الناظرين ولكنها قد تسبب السرطانات . يعني سنصبح دجاجا مهرمنا - وببساطة سيصبح الإنسان القادم انسانا معدلا / مهرمنا .
من نصدق ؟ ومن نكذب ؟ وما زالت وجهات النظر المختلفة حول وجود الوباء وعدمه قائمة .
شخصيا تذكرت مقطعا من قصيدة محمود درويش " أحد عشر مقطعا على آخر المشهد الأندلسي " وهو المقطع الذي عنوانه " للحقيقة وجهان والثلج أسود "
"
للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتنا
لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا
والنهاية تمشي إلى السور يائسة من خطاها
......
كل شيء معد لنا سلفا " .
هل سيصبح ( بيل غيتس ) مثل الأنبياء والمفكرين وأصحاب النظريات العلمية والفلسفية ؛ مثل ديكارت وغاليليو وداروين ونيتشة وماركس وانجلز ولينين ، بل وأكثر ؟
هل تتذكرون كتاب " رحلات جيلفر " الذي أتى على حجم البشر صغارا وعمالقة ؟
لا بد من تذكر ما ورد في رواية أنعام كجه جي " النبيذة " على لسان بطلتها عن أنواع العضو الذكري وأحجامه ، وبطلة روايتها مجربة وخبيرة .
٣ آب ٢٠٢٠ .
١٧
الأصدقاء المحترمون :
أرجو من جميع من يدرج اسمي على منشور يكتبه ألا يفعل ذلك .
إن هذا يسبب لي إحراجات أنا في غنى عنها ، ومن المؤكد أن منشوره إن راق لي فسوف أعقب عليه مبديا رأيي . وأنا لست مسؤولا عما يكتبه غيري ويضع اسمي عليه . ببساطة إنه لا يعبر عن وجهة نظري أو عن موقف أتبناه .
مع احترامي وتقديري .
١٨
الفلسطينيون يستعدون غدا لإشعال الجبهة :
وأنا أسير أمس ظهرا في شوارع نابلس أطلق أحد المواطنين بعض الألعاب النارية ، ما جعل مواطنا يعقب :
- يبدو أنهم أعلنوا اسم الأول في امتحان التوجيهي .
في المساء أدرجت إحدى السيدات ممن علمتهن في الماجستير على صفحتها برنامج سير المعارك غدا . إنها السيدة أ. ميس شواهنة
ستبدأ الحرب في الساعة الثامنة وستتواصل حتى الواحدة ظهرا ، لتبدأ هدنة تستمر حتى السادسة مساء ، ثم تشتعل حرب المتفجرات حتى منتصف الليل وبعدها تهدأ الجبهة .
وأنا أسير عصرا مع الدكتور Ahmed Khouli - على اعتبار ما سيكون قريبا ، وأنصح قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية بالتعاقد معه وتعيينه في القسم - أتى على بعض الكوارث التي تحل ببعض المحتفلين غدا بنتائج التوجيهي وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، وتردد قسم منهم على المشافي لمعالجة آثار إطلاق الألعاب النارية ، والمشاكل التي يثيرها أهل المصابين للأطباء :
- يا دكتور أريد أن تعيد أصابع يد إبني إلى سابق عهدها وإلا ... .
- يا دكتور ابني أصيب في عينه وأريد إعادة النظر إليه وإلا ... .
وإلا فأنتم أيها الأطباء المسؤولون عن العاهة الأبدية .
أطرف ما سمعت من أخي هو ما رواه على مسمعه عامل فلسطيني يعمل في مستوطنة " بركان " الإسرائيلية التي تصنع الألعاب النارية .
قال العامل الفلسطيني إن معلمه اليهودي في المستوطنة تمنى أن ينجح غدا الطلبة الفلسطينيون المتقدمون لامتحان التوجيهي كلهم و " الله لا يضيع لهم تعب " ، والمستوطن طبعا حريص على بيع ما أنتجته مستوطنته من ألعاب نارية خلال العام الماضي .
ملايين الشواكل ستنفق غدا على الاحتفالات وستعود الفائدة ، إلا أقلها ، إلى جيوب المستوطنين الذين سيمنون على العمال الفلسطينيين بأنهم يشغلونهم ويعطونهم أجورا مرتفعة قياسا إلى الأجور التي تدفعها البرجوازية الفلسطينية إلى العمال في مصانعها .
غدا سيحتفل الناجحون جميعا ، من حصل على العلامة كاملة ومن حصل على علامة النجاح التي لن تدخله إلى أي جامعة أو أي معهد أو ...
اللهم أدم الأفراح في ديارنا العامرة ولا تحرمنا من مشاهدة الألعاب النارية وهي تنطلق في سماء المدينة معبرة عن الفرح ملبية أمنيات الشاعر سميح صباغ الذي قال بعد هزيمة حزيران :
إني تشهيت زغاريد النساء يحملن
شوق ألف عام للأغاني والفرح
آمين ، واسترنا من حرائق آب اللهاب .
٣ آب ٢٠٢١
١٩
الكاتب المغربي Mehdi Naqos نقوس المهدي شخصية تحترم لأنه يقوم بما لا تقوم به بالفعل وزارة ثقافة .
تعرفت إليه من خلال متابعة ما ينشر لي في موقع الانطولوجيا وصرنا نتواصل .
هو من جمع يومياتي التي كتبتها في جائحة كورونا وأسفر قسم منها عن صدور كتابي " الست كورونا " وهو من جمع يومياتي " ذاكرة أمس " عن شارع النصر في نابلس وحرب غزة في العام ٢٠٢١ ، ثم اهتم بما أكتبه عن غسان كنفاني ومحمود درويش و إميل حبيبي وتوفيق زياد ومحمود شقير وأكرم هنية ومحمد اشتية ويحيى السنوار وغيرهم فخصص لهم ملفات جمعت بعض ما كتبته عنهم .
إنه رجل صبور ذو جلد ، لا يكل ولا يمل في خدمة الثقافة ، ولا يتبرم أو يضيق ذرعا بما تطلبه منه ، واسع الصدر سريع الإجابة في تلبية ما تطلبه منه ، قاريء جيد لما تكتب .
الاحترام كله وبالغ التقدير وجزيل الشكر لهذا الرجل الكبير والمثقف الواسع الاطلاع ، المقدر للثقافة والكتاب .
٣ / ٨ / ٢٠٢٣
٢٠
محمود شقير في " نوافذ للبوح والحنين " : الضحك لمجرد رؤية الآخرين يضحكون ( ٥ )
عندنا مثل يقول " الموت مع الجماعة رحمة " ومثل ثان يقول " حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس " وأحيانا نردد : إن كنت في روما فعش حياة أهل روما ، وإن سافرت إلى الصومال فتصرف تصرف الصوماليين .
ما سبق يعني أن تتعاطف مع الآخرين وأن تحيا كما يحيون . ربما هذا شكل من أشكال حياة القطيع وامحاء الخصوصية ، بل وحياة العبيد الذين يتصرفون كما يحب أسيادهم .
في " نوافذ للبوح والحنين " نقرأ في النافذة السادسة عن أب درزي أصيب ابنه الجندي ، فأصبح مقعدا ولم تشفع له خدمته في الجيش الإسرائيلي ، إذ أصر الجندي الإسرائيلي على تفتيشهما ، وهكذا غدا كما يقول مثلنا الشعبي : " مثل الذي يشخ في الرجم " والرجم كومة حجارة بينها فراغات .
الذين أصغوا إلى حكاية الزميل " ع " طربوا للمثل و
" أطلقنا قهقهة صاخبة من جراء المثل الذي اهتدى إليه زميلنا "ع " وجعله خاتمة موفقة لحكايته ، وقهقهت معنا النادلات من دون أن يعرفن سببا لهذه القهقهات .
الضحك لسبب معروف وضحك من كان حاضرا دون أن يعرف سبب الضحك ؛ الضحك لمجرد أن الآخرين يضحكون - أي تعاطفا معهم ومشاركة لهم في فرحهم - ورد في رواية إميل حبيبي " المتشائل " .
يختلف آباء زخرون يعقوب يوما :
هل من الحق ، شرعا ، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت ، أم أن الأمر عمل ، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت ، شرعا ؟
فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم : هل الأمر عمل أم لذة ؟ ففكر الحكم طويلا ، ثم حكم أنه لذة ، فهات برهانك ؟
قال : لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب - الفرادسة !
فضحكنا ؛ يعقوب لأنه يكره الاشكناز ، وأنا لأنه ضحك .
في أحد كتب ( امبرتو ايكو ) صاحب رواية " اسم الوردة " ذكر أنه حاضر في جامعة ما عن تجربته ، فسأله طالب إن كان قرأ رواية تعود إلى فترة زمنية سابقة وتأثر بها ، إذ هناك تشابه بين الروايتين ، فرد ( ايكو ) :
قد أكون قرأتها وتأثرت بها ، ولكنه تأثر غير واع .
أعتقد أن على دارسي مجموعة محمود شقير هذه أن يوازنوا بينها وبين المتشائل . أحيانا يبدو رهوان في علاقته بمحمد تابعا ، والتابع موحود في دون كيشوت / سانشو بانزا ، وفي " الجندي الطيب شفيك " فالجندي يكون أحيانا تابعا للضابط ، وفي المتشائل فسعيد تابع ليعقوب ، وفي القصص في العصر الجاهلي كان شيبوب تابعا لعنترة بن شداد !!
٣ / ٨ / ٢٠٢٣
٢١
يوميات غزة ( ٣٠٢ ) :
الكل في انتظار ما
يبدو أن كثيرين قلقون ينتظرون شيئا . حدثا ما ، ولطالما قرأنا مقالات لكتاب " في انتظار غودو " ولم يأت ، ومنذ قرون ينتظر الناس المهدي المنتظر ، وها هم ينتظرون الرد يأتي من إيران أو من اليمن أو من جنوب لبنان / شمال فلسطين ، وفي الأدبيات الصهيونية أن الخطر يأتي من الشمال ، وفي بداية الحرب الدائرة حاليا أصغيت إلى محلل سياسي أظنه ناصر قنديل يبشر فيه بأن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سيعودون إلى مدنهم وقراهم بكلاشينات . هل هو إفراط في التفاؤل ؟
كلما أفرطنا في الضحك تعوذنا قائلين :
- اللهم اجعله خيرا واسترنا منه " الله يسترنا من نتيجة هالضحك " .
قد ينتهي الليل ولا يأتي ( غودو ) أو ( المهدي المنتظر ) أو حتى " المسيح الدجال " إلا ان كان الأخير تجسد في ( بايدن ) أو ( ماكرون ) أو حتى المستشار الألماني ، فالثلاثة في بداية الحرب زاروا دولة الكيان . وربما يكون الثلاثي الإسرائيلي ؛ رئيس الوزراء وبن غفير وسموتريتش هم الأعور الدجال أو المسيح الدجال أو .. ! ألا يقدمون أنفسهم منفذين لما ورد في العهد القديم ؟
أمس أدرج الكاتب الغزي طلعت قديح صورة حديثة له مع نص قصير كتبه ، فعقبت :
- يا إلهي ! ماذا فعلت بك الحرب ؟
كان طلعت الذي دمر منزله ، وعاش نازحا مشردا جائعا فقيرا معدما فقد ما استثمره طيلة عقود ، مثل مليوني غزاوي ، كان بضا ممتلئا يفيض حيوية ويكتب نقدا بنيويا ويفرح لكتاب جديد صدر له ، وآل إلى هيكل عظمي .
ما قام به الإسرائيليون في غزة هو الجنون ، لا ضرب من الجنون . أحيانا كثيرة أصر على سذاجتي وبراءتي وبساطتي ، بل وغبائي ، فأسأل :
- ما ذنب مليوني مواطن في كل هذا ؟
هل أذنب أجدادنا وآباؤنا لأنهم استقبلوا في بيوتهم اليهود القادمين من روسيا القيصرية بسبب ( البوجروم ) ؟
لا ضرورة للكتابة في أمور شخصية .
٣ / ٨ / ٢٠٢٤
٢٢
غزة 667 :
صامدون هنا ... حتى الرمق الأخير
ثلاثة إخوة من الشجاعية هم الصحفية مروة مسلم وأخواها معتز ومنتصر لم يغادروا بيتهم ، مصرين على الصمود ، آخذين بقول الشاعر توفيق زياد " ونستف التراب ولا نرحل "( هنا باقون ) ومقاطع غناها الفنان مارسيل خليفة :
" صامدون هنا
صامدون هنا
حتى الجدار الأخير
وفي يدنا يلمع الرعب
في يدنا "
٣ / ٨ / ٢٠٢٥
٢٣
غزة 667 :
إنها المجاعة
الكتاب الإسرائيليون مثل ( جدعون ليفي ) و ( ديفيد غروسمان ) قالوها صراحة :
"إن إنكار المجاعة في غزة ليس أقل حقارة من إنكار الهوالوكست "
و
" لأشهر عديدة من بداية الحرب كنت أتجنب استخدام " إبادة جماعية " . الآن أشعر بالخجل ، وما يجري في غزة هو إبادة جماعية ."
ومن خلال الصور التي شاهدها غروسمان واتصاله مع بعض الجهات تساءل :
- كيف لم يخرج الإسرائيليون إلى الشوارع ليحتجوا على ما يجري ؟
بعض الإسرائيليين ، مثل الكاتبين ، تذكروا ما ألم باليهود في ألمانيا النازية ( ١٩٣٣ إلى ١٩٤٥ ) ، وهناك يهود في أمريكا قالوها علنا : إن ما تفعله الحكومة الإسرائيلية لا يختلف عما فعله النازيون باليهود .
في صفحتي إدراج للمقالين ، وإن بلغات أجنبية ، وللشريط الذي يتحدث فيه اليهودي الأمريكي ، وكنت قبل فترة تساءلت عن غروسمان وموقفه وكتبت تحت عنوان " صور الفلسطينيين والاسرائيليين : صور الفلسطينيين في غزة تذكر بصور اليهود في معسكرات الإبادة "
و
" أحفاد الناجين يحرقون أحفاد اللاجئين "( ١٧ / ٤ / ٢٠٢٥ )
أدرج مع الكتابة المنشور الذي أدرجه الكاتب سعيد محمد الكحلوت وكتب حوله :
" أحد الصباحات العادية جدا من غزة ... " ثم حذف الصورة للحساسية وكتب حول ذلك .
هل أذكر بقول الشاعر محمود درويش :
" ضحية قتلت ضحيتها
وصارت لي هويتها "؟
٣ / ٨ /
٢٤
( فانيسيا ريديغريف ) الممثلة العالمية التي وقفت هي والممثلة ( جين فوندا ) كان لها في رواية الكاتب الفلسطيني جهاد الرنتيسي Jehad Ranteesy الأخيرة " شامة سوداء أسفل العنق " (٢٠٢٤) حضور لافت ويمكن عدها شخصية محورية غالبا ما يستحضرها السارد الذي التقى بها في الكويت . وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني وتمثيلها فيلم " الفلسطيني " يوازي وقوف الكاتب الفرنسي الشهير ( جان جينيه ) الذي كتب " أسير عاشق " وتغنى بالفدائي الفلسطيني ومجده وابرز له صورة مشرقة ، كما كتب عن شاتيلا وصبرا " أربع ساعات في شاتيلا " نصا جميلا جدا ، إذ تسلل في ثاني بوم المجزرة إلى المخيم ورأى آثار المذبحة . ٣ / ٨ / ٢٠٢٥
٢٥
فاروق وادي :
" رائحة المانجا "
" رائحة المانجا " عنوان مجموعة قصصية للكاتب الراحل فاروق وادي صدرت في العام ٢٠٢٢ عن الدار الأهلية في عمان لصاحبها أحمد أبو طوق ، وتضم قصصا يتراوح طولها بين صفحة و خمس عشرة صفحة .
القصة الأولى هي التي حملت عنوان المجموعة وهي الأطول .
يكتب فاروق وادي في القصة عن شابين مقدسيين يدرسان في الجامعات المصرية قبل حزيران ١٩٦٧ ، وفي هذه الأثناء تقع الحرب فينقطعان عن أهلهما .
الشابان المقدسيان يستأجران شقة ويقيمان معا ويشغلان خادمة مصرية اسمها فاطمة يلفظ اسمها أحيانا فطمة وأحيانا أخرى فطنة ، وفاطمة لا تقرأ ولا تكتب .
يقيم الشابان مع فطمة علاقة جسدية في الوقت نفسه ولا تمانع . الشيء الوحيد الذي تأباه هو ممارسة الحب وقت الآذان والسبب حتى لا تحضر الشياطين .
يدفع الشابان لفطمة أجرتها وما تجود به نفساهما عن العلاقة الجسدية ، ومع مرور الأيام وتوطد العلاقة ترفض أخذ المال وقت الانتهاء من الحب ، وترى في ذلك ابتذالا .
عندما تقع الحرب ويتأخر أهل الشابين في إرسال النقود لهما تعطيهما فطمة رزمة من المال فيتلفظ ماهر المقدسي بعبارات قاسية جدا بحقها ، إذ كيف تنفق عليهما عاهرة هما الشريفان العفيفان النقيان الطاهران المقدسيان . تستاء فاطمة من عبارات ماهر النذل وتغادر الشقة وتنقطع عن العمل .
فطمة التي كان حلمها زيارة القدس والصلاة في الأقصى تبرعت للفلسطينيين بما جمعته من مال للذهاب إلى هناك ، وفي وقت لاحق تظل تزور المنطقة وبيدها رزمة مال تعطيها لحارس العمارة حتى يوصلها لماهر والسارد كي يواصلا دراستهما ، ولا تعود تلتقي بهما . لقد كانت فاطمة مثل نور في رواية نجيب محفوظ " اللص والكلاب " ؛ نور التي أحبت سعيد مهران وتعاطفت معه على الرغم من أنه مطارد ومطلوب للعدالة . إنها المومس الفاضلة أو البغي الفاضلة كما كتب عنها دارسو الأدب .
تخلص بعد قراءتك القصة إلى أن فاروق وادي من خلال سارد قصته يتعاطف مع فطمة ، ولا يرى ما فعلته عارا ، فالعار هو ما عاشه العرب بسبب هزيمة ١٩٦٧ .
لا أعرف لماذا عاد فاروق وادي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لينشر عن حقبة حزيران ٦٧ . هل القصة قديمة ومكتوبة في فترة مبكرة أم أن الحنين إلى تلك الحقبة وإلى فترة الشباب هو ما دفعه للكتابة ؟
طبعا ليس هو أول كاتب يفعل ذلك ، ولكن عودته ، من وجهة نظري ، لم تكن موفقة ؛ لأنه أبرز صورة سلبية للمرأة المصرية تتمثل في ممارسة البغاء مع شابين في الوقت نفسه مقابل المال . أستطيع شخصيا أن أفهم مقصده وأنه أراد تبيان جانب إيجابي في سلوك فطمة وان مفهومه للشرف يختلف عن مفهوم كثيرين ، ففطمة تعاطفت مع الفلسطينيين في ظروفهما الصعبة وأمدتهما بالمال ولكن ...( هنا أشير إلى قصيدة مظفر النواب " في الحانة القديمة " وقد كتبت عنها في كتابي " الصوت والصدى : مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة " ١٩٩٩ تحت عنوان " في الشرف الفردي والشرف القومي ") .
ولكن هل من ضرورة هناك لأن يبرز كاتب مهم ، مثل فاروق وادي ، وهو متزوج من امرأة مصرية ، هل من ضرورة لأن يبرز للخادمة هذه الصورة ؟
لا أصادر حق الكاتب فيما يكتب ، ولكني لا أرى أن الكاتب كان موفقا في هذا .
٣ / ٨ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة
محمود درويش في الوعي الشعبي :
أمس أنفقت أربع ساعات أكتب عن محمود درويش في الوعي الشعبي .
كنت أردت أن أكتب صفحتين فقط فوجدتني استغرق في الكتابة وأكتب .
هل قلت كل ما أردت قوله ؟
الموضوع هو من د.فيصل دراج حيث اقترح علي أن أكتب دراسة لكتاب عنوانه "دفاتر محمود درويش " .
انا فضلت أن أكتب عن محمود درويش وقراءاته بنيويا وإشكالات هذه القراءات .
لقد اكتشفت كما هائلا من الأحكام الخاطئة التي أدت إليها القراءات النصية التي أغفلت اللحظة الزمنية - أي المناهج أفضل لقراءة درويش: المناهج النصية أم المناهج غير النصية ؟
د. فيصل دراج قدم ثلاثة مداخل لقراءة الشاعر . أنا سأكتب في الموضوع معتمدا على دراسات أنجزها أساتذة وأخرى أنجزها طلاب ماجستير ودكتوراه ناقشها أساتذة كبار .
لعلني أنجز هذه الدراسة في الأشهر القادمة ، علما بأنني أتبع الموضوع منذ زمن ..
صباح الخير يا عادل سمارة ويا زكريا محمد ويا بلسم أيضا .
٢٠١٣
٢
كلما التقيت يساريا سابقا و سألته عن أحواله وما آل إليه وجدتني أكرر :
"بعض يسار صار للسلطة طباخا" ، وربما تذكرت كتاب المرحوم ناهض حتر عن المرحوم الملك حسين " لماذا نحبه ؟ " - أظن - .
اليساريون يبررون تصالحهم مع الأنظمة ومنها السلطة الفلسطينية ، زاعمين أن البديل ليس أسوأ وحسب ، بل هو السوء بعينه .
غالبا ما تجد اليساريين القدامى في مناصب رفيعة أو عالية ، وغالبا ما يتحدثون عن الآخرين حديثا يتنافى وشعاراتهم القديمة ويرون في الإدارات التي يتعاملون معها إدارات أفضل بكثير من " الحثالة " .
طبعا أنا لا أصمت ، وغالبا ما أقول لهم :
- " إن الإدارات التي تمدحونها هي التي تحرك " الحثالة !!!؟ " .
أحيانا أجدني أترحم على مظفر النواب حيا وسأترحم عليه ميتا .
أكرر :
- " بعض يسار صار للسلطة طباخا " .
ومن السلطة السلطة الفلسطينية أيضا ، وليس الكلام مقتصرا على الأنظمة العربية .
منذ أربع خمس سنوات وأنا أتابع الرواية العربية وأرصد تحولات اليسار فيها .
" كأن اليمين أشد ذكاء "
كتب مظفر النواب أيضا .
5 / 8 / 2017
٣
يوميات غزة ( ٣٠٢ ) :
حرف الضاد لا يحميك
غالبا ما قرأت في الحرب الدائرة حاليا مناشدات من أهل غزة للعرب يطلبون منهم النجدة . المناشدات ما زالت تتواصل ، وأما أنا فمنذ بدء الحرب كتبت مقالة تحت عنوان " مناشدة الزعامة العربية وذاكرتنا العذراء " معلنا موقفي وهو :
- أيها الغزيون / الغزاويون ! إنكم ذوو ذاكرة عذراء . انفضوا أيديكم مما تأملون .
خيبت اليمن وحزب الله والعراق اعتقادي بنفض اليد .
- علام كنت أعتمد ؟
- على نصوص أدبية فلسطينية وأخرى عربية وعلى تجارب عشتها .
طبعا لا يخرج المرء من جلده العربي ، ولكن امرأة مصرية قالت في بداية الحرب ما أراد لها النظام العربي أكثره أن تقوله :
- هل استشرتمونا فيما ستقدمون عليه ؟
من المؤكد أن المقاومة الفلسطينية لو استسارت الأنظمة العربية بما ستقدم عليه لوجدت نظاما ما يتبرع بنقل تفكير حماس إلى ( جو بايدن ) الرئيس الأمريكي .
ما علينا !
ماذا كتب محمود درويش في رثاء ماجد أبو شرار الذي اغتيل في روما في غرفة الفندق في تشرين الأول من العام ١٩٨١ ؟
لنقرأ :
" يا لحم الفلسطيني فوق موائد الحكام ، يا حجر التوازن والتضامن بين جلاديك ، حرف الضاد لا يحميك ، فاختصر الطريق عليك يا لحم الفلسطيني ، يا شرعية البوليس والقديس إذ يتبادلان الاسم ، إذ يتناوبان عليك ، يمتزجان ، يتحدان ، ينقسمان مملكتين ، يقتتلان فيك ، وحين تنهض منهما يتوحدان عليك يا لحم الفلسطيني ، يا جغرافيا الفوضى ويا تاريخ هذا الشرق ، فاختصر الطريق عليك .. يا حقل التجارب للصناعات الخفيفة والثقيلة ، أيها اللحم الفلسطيني ، يا موسوعة البارود منذ المنجنيق إلى الصواريخ التي صنعت لأجلك في بلاد الغرب ، يا لحم الفلسطيني في دول القبائل والدويلات التي اختلفت على ثمن الشمندر والبطاطا وامتياز الغاز ، واتحدت على طرد الفلسطيني من دمه .
تجمع أيها اللحم الفلسطيني في واحد
تجمع واجمع الساعد
لتكتب سورة العائد ... "
( ملاحظة : من يقرأ النص في صيغته الأولى في مجلة الكرمل أو في كتاب " في وصف حالتنا " ١٩٨٧ ويقارنها بصيغته في ديوان " حصار لمدائح البحر " فسيجد اختلافا في الصيغتين )
٣ / ٨ / ٢٠٢٤ .
٤
هوامش من وحي ما يجري في غزة : مطار أثينا وقطاع غزة " في ذكرى محمود درويش "
في المقتلة وحرب الإبادة استحضرت الأحداث الجارية ، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، أحداثا شبيهة مر بها الفلسطينيون منذ ١٩٤٨ ، مع فارق في التوحش الذي بلغ مرحلة لم نعهدها من قبل ، وكان من الطبيعي أن تستحضر الذاكرة النصوص الأدبية التي كتبت في الأحداث السابقة ، وأن تتكيء عليها لتعزز مقولة الروائي إلياس خوري التي جعلها عنوانا لآخر كتبه " النكبة المستمرة " ، وكنت في بداية هذا العام أتيت في حلقات على نصوص محمود درويش التي حضرت في المقتلة الحالية أكثر من غيرها .
لم تفارقني نصوص الشاعر بعد ذلك ، فأكثر ما كتبت تضمن منها واقتبس من روايات غسان كنفاني ، وكنت أشعر أحيانا أنهما كتبا بعض ما يجري الآن ، علما بأن الأول توفي في ٩ اب ٢٠٠٨ والثاني اغتيل في ٨ تموز ١٩٧٢ .
وأنا أكتب في ٤ أيار ٢٠٢٥ عن رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " ، وهي رواية عن المقتلة الحالية ، التفت إلى عوالم شخصياتها المتعددة وهواجسها التي تختلف من واحظة لأخرى ، على الرغم من أنها كلها محاصرة وتعيش الواقع نفسه ؛ الحصار والقصف وغلاء الأسعار والفقدان .
كانت للشخصية الفردية معاناتها الخاصة ، إلى جانب المعاناة الجمعية ، وكل شخصية تبحث عن حل لمشكلتها .
ذكرتني الرواية بقصيدة درويش " مطار أثينا " التي اقتبست منها مقطعا ضمنته المقال ، وفي المقطع يفكر كل فلسطيني ، بعد خروجه من بيروت ، بما يؤرقه ؛ المقاتل أين سيقاتل ، وزوجته الحامل أين تهديه طفله ، والموظف أين يوظف ماله ، وهذا ما لا يهم المثقف : مالي ومالك ؟ ، وأما رجال الجمارك فيسألون القادمين : من أين جئتم ؟ وإلى أين تمضون ؟ وأين عناوينكم ؟ وهنا تجيبه امرأة من جماعتنا : بقجتي قريتي . ( الأيام الفلسطينية ) .
سوف أتابع في الأشهر الأخيرة صفحات غزيين مختلفة التوجه ، وسوف أرصد كثيرا منها وأعتمد عليها في كتابة اليوميات التي لم أتوقف عن مواصلتها إلا في الهدن العديدة .
من آخر ما قرأته مثلا كان عن الباقين في شمال القطاع المصرين على ألا يغادروا ، لأنهم تربوا على فكرة البقاء ، فارتقوا .
هكذا ارتقت ، في الشجاعية ، الصحفية مروة مسلم وأخواها معتز ومنتصر معا ، في ٢ / ٨ / ٢٠٢٥ .
ما الذي يهم تاجر العملة مثلا في المقتلة ؟
كتب غزيون كثر عن العمولة التي يطلبها منهم تجار العملة ، حتى يوفروا لهم سيولة نقدية . إن ما يشغل التجار أولا وأخيرا هو توظيف أموالهم واستثمارها وزيادتها . لقد تفننوا في وسائل الاحتيال وتجبروا ليفرضوا ما يريدون ، ومن أطرف أشرطة الفيديو شريط تصغي فيه إلى الآتي :
" - خذ ع التطبيق يللي ماشي ع الطريق .
- بدنا سيولة . بكم العمولة ؟
- ٤٠ بالمية .
- ٤٠ بشيلوك بجهنم يحطوك . روح انقلع .
- ٤٠ بالمية . هذا حقي الشرعي الطبيعي .
يقول آخر :
- أنا بروح ب ١ بالمية ع الدار
- لا ! وحنلاحقك عليه . بس اصبر شوية "
في ٣ اب ٢٠٢٥ كتبت د. هيا فريج أن الصريف يأخذ منها ٥٢ بالمائة عمولة على راتبها .
وإن كان الشاب الذي يريد أن يتزوج في قصيدة درويش يبحث عن غرفة لفض بكارة عروسه ، فإن أهل الموتى في غزة انشغلوا بالبحث عن مقابر لمن فقدوا وانشغلوا أيضا بتوفير تكلفة الدفن . لقد عزت القبور وارتفعت التكلفة . تحدث مواطن في شريط فيديو عن أزمة الدفن " والله ما في مقابر ندفن الناس ، فلا حجارة ولا بلاط ، وبعض الشهداء أعيدوا إلى الثلاجات . إننا نناشد أي أحد إيجاد مقابر . أقل شيء هو أن ندفن الموتى . هذا هو أقل واجب " ( الفيديو عن صفحة Mariam Abu Dagga a ) .
وعن الدفن وشاهد رخام القبر كتب ابوسيف في روايته .
الجائعون الآن في غزة ، وهم مئات الآلاف ، لا يتحدثون إلا عن الرغيف والحصول على الطحين والصراع عليه .
وماذا عن المقاتلين الذين رأينا أحيانا ، في مشاهد أشرطة فيديو ، لحظات عابرة لإقدامهم وجرأتهم وسمعنا بعض عباراتهم ؟
في يومياتي كتبت عن نص غزة الغائب الذي لم نكتبه . لقد غاب هذا النص عن كتاباتنا ؛ لأن من يقاتلون مازالوا يقاتلون ولم يخرجوا إلى مطار أثينا ليسألوا :
- أين نقاتل ؟
وماذا لو نظرنا في صفحات بعض أبناء الضفة أو فلسطين في ١٩٤٨ ؟
أحد طلابي ، وهو مصباح الحاج محمد ، صار منذ ١٥ عاما تقريبا معلم حكومة لا يقبض راتبه في موعده ، وإن قبضه لا يصرف له كاملا ، وهو غالبا ما يكتب عن الرواتب وموعد الصرف ونسبته وما للمعلمين من ديون على الحكومة ، وأما ما ينشغل به أهلنا في مناطق ١٩٤٨ فهو تفشي الجريمة التي يزداد عدد ضحاياها شيبا وشبانا ، ذكورا وإناثا و ..
وحالة تعبانة يا ليلى ، ورحم الله محمود درويش الذي تمر في هذه الأيام ذكرى وفاته ، علما بأنه كان فيما أكتب الأكثر حضورا .
( ٣ و ٩ / ٨ / ٢٠٢٥ )
( مقال ١٠ / ٨ / ٢٠٢٦ )
٥
رئيس جديد لجامعة بير زيت :
كأني قرأت في جريدة اﻷيام أنه تم تعيين نائب رئيس جامعة بير زيت رئيسا للجامعة خلفا للرئيس السابق . وأن مجلس اﻷمناء هو من قام بالتغيير .
يبدو أننا في جامعة النجاح سنرفع ذات يوم أربع صور ﻷربعة رؤساء لجامعة بير زيت مقابل صورة واحدة لرئيس جامعة النجاح مقلدين المصريين يوم رفعوا صورة واحدة لمبارك مقابل أربع صور مختلفة ﻷربعة رؤساء للولايات المتحدة اﻷميركية .
يبدو أننا حتى اللحظة نؤمن بالرئيس الضرورة الذي لم ينجب التاريخ مثله . يبدو .
٢٠١٥
٦
أحفاد هتلر في الضفة :
هل أنجب هتلر ؟
هل اختفى أطفاله بطريقة سرية جدا ؟
هل قدموا إلى اسرائيل للاختفاء ، باعتبارها ملجأ آمنا لا يثير الشبهة ؟
لا أعتقد أن اليهود يحرقون الأطفال ، فلقد انكووا بنار الحرق . أعتقد أن من أحرق محمد أبو خضير وعلي دوابشة هم الألمان من أحفاد هتلر الذين تخفوا وهاجروا ، سرا ، إلى فلسطين ، وأقاموا في المستوطنات . اليهود طيبون ولا يحرقون .. أي والله !!!
٢٠١٥
٧
خفة الكائنات غير المحتملة 18 :
نحن في الثالث من آب من العام 2015 . الجو حار جدا ولم تشهد نابلس أجواء حارة كهذه منذ زمن طويل ، إن كانت أصلا شهدت .
أنت لا تحتمل ، في هذه الاجواء ، الملابس التي ترتديها ، فكيف ستحتمل الكائنات غير المحتملة في اﻷجواء العادية ؟
بعض الناس إمعات ورخيصون وفيهم من الحقارة والنذالة ما لا يصدق . يبيع نفسه لفصيل ما ، لمسؤول ما ، لآخر ، حتى ينعم عليه بعظمة . كيف تعرف هذا ؟
أنت تعرف أن لا صلة لك بهذا الشخص . الصلة عابرة تتطلبها طبيعة الوظيفة ليس أكثر ، وأنت لا تعاديه . لا تحبه ولا تكرهه . ربما حييتما بعضكما بعضا بحكم مكان العمل ، وكما ذكرت فلا صلة لك به .
تقتضي الوظيفة نوعا من المراتبية وعليه فعلى كل واحد أن يخاطب الآخر بحكم وضعه ، والوظيفة درجات . ولكن بما أنك تعيش تحت الاحتلال ، وبحكم ما مرت به الضفة من انتفاضات ترتب عليها فوضى ، فقد اختلطت اﻷمور مرات ومرات .
بعض الناس ، كما ذكرت ، إمعات وفيهم من النذالة ما لا يحتمل ، فكيف إذا كان الجو حارا وفي آب ؟
أنت تذهب ، وأنت دكتور جامعي ، فيناديك الصغير باسمك . هل كنتما تلعبان معا في الحارة ؟ أنت تسأل وتخاطبه :
- احترم نفسك . أنا أستاذ ولا تناديني مرة أخرى باسمي . هناك لقب علمي وعليك مراعاته ، وﻷنه متمسح ، أو ﻷنه إمعة أو ﻷن هناك جهة ما وراءه . فصيلا ما أو حمارا كبيرا ، فإنه لا يخجل على نفسه ومنها وتواصل تعليمه اﻷخلاق .
نحن في آب ودرجات الحرارة لا تحتمل ، ولا يحتمل المرء أصلا ملابسه ، فكيف ستحتمل مثل هذه الكائنات ؟ هل ستبصق في وجهها ذات نهار ؟
- ربما .
٢٠١٥
٨
جنون ما يجري في العالم العربي:
ليس أمامك سوى أن تصغي إلى نشرة أخبار حتى تدرك جنون ما يجري في العالم العربي.إنه الجنون نفسه الذي يحتاج إلى خبراء سياسيين ونفسيين واجتماعيين لتفسيره.
الاستعمار /الصهيونية العالمية /التخلف الاجتماعي/الدكتاتور العربي/كلاب الدكتاتور /المافيا/الفقر /الدين /الماضي /بؤس الحاضر/عبقرية المكان /السنة/الشيعة /الإسلام الوهابي/العقلية البدوية /ترييف المدن/صدام حسين /حافظ اﻷسد وابنه بشار /معمر القذافي وسيف اليهود/مبارك وأنجاله والسيسي.
العالم العربي ،الآن،خارج التاريخ حقا.
كل شيء محزن .
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 69 :
( وغرير في المكتبة )
ما بين 1976- 1980 غدوت أشارك في الحياة الأدبية ، فأكتب مقالات في الصحف والمجلات ، ويمكن اعتبار ما كتبت محاولات دربت فيها أصابعي على الكتابة ، وكنت أفيد من بعض الكتب التي اقتنيتها وراقت لي ، مثل كتاب " النقد الأدبي الحديث ،أصوله واتجاهاته " للمرحوم أحمد كمال زكي ، وكتاب " قضايا الشعر المعاصر " للمرحومةنازك الملائكة،وكتاب " الشعر العربي المعاصر ،قضاياه وظواهره الفنية " للمرحوم عز الدين اسماعيل ، وقد أفدت من هذا الكتاب في كتابة مقالة طويلة عن " المدينة في شعر عبد اللطيف عقل " ، وكتاب " لعبة الحلم والواقع " للمرحوم جورج طرابيشي ، وقد بدأت اهتم بهذا الناقد وكتبه وترجماته ، ولما رأيت ترجمته التي صدرت عن دار الطليعة لموسوعة علم الجمال ، فقد اشتريتها ، وجربت أن أقرأ فيها ، كما اهتممت بكتب ماركسية حول نقد الشعر .
في العام 1980 قبلت طالبا ، من جديد ، في الجامعة الأردنية ، لإكمال دراساتي العليا ، ودرست مادة النقد الادبي الحديث مع الدكتور محمود السمرة ، وقدمت له بحثا عن القصة القصيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فراق له وسألني : ما رأيك أن تكتب فيه رسالة الماجستير ؟ و أجبته بأنني أفكر في هذا ، وكنت تجادلت طويلا مع الدكتور عبد الرحمن ياغي في الموضوع ، ولكني اكتشفت أنني لن أواصل العمل معه ، لتزمته الشديد وتعصبه لآرائه ، وقد فوجيء يوم عرف انني اخترت د.السمرة مشرفا ، واتهمني بانني أهرب إلى الظلال ، وكان د.ياغي يعتبر نفسه الناقد الأدبي الوحيد الذي يكتب نقدا جريئا وملتزما .
كان د.ياغي يكتب نقدا ينشره في الصحف ، وكان غالبا ما يقدم ، إلى القراء ، الأعمال الجديدة ، وكنت أتابع كتاباته كلها ، وقد درسنا في الماجستير كتابا أصدره عن رابطة الكتاب الأردنيين حول منهجه النقدي ، وهو المنهج الاجتماعي الماركسي ، وقد شرح لنا الكتاب في خمس محاضرات ، ثم تركنا في المكتبة تقرأ في مجلة لبنانية قديمة هي مجلة " المشرق " ، ليكتب كل واحد منا موضوعا ما يناقشه في نهاية الفصل ، وأظنني درست معه في البكالوريوس موضوعا خاصا في الأدب الحديث اعتمد على المجلة نفسها . وظل نقد د.ياغي ، لاحقا ، وعلى مدار عقدين ، لا يختلف عن نقده في بداية 80 ق 20 ، وفيما قرأته له من كتب فإنه لم يفد من المناهج النقدية الجديدة ، مثل البنيوية والسيميائية ، بل ومن كتب النقد الحديث لفن الرواية ، وظل يؤثر النقد الاجتماعي الماركسي ، وهو يميل إلى الإطالة والاقتباس وكثير من نقده يبدو لي اليوم لا طائل من ورائه . ولكن هذا لا يقلل من جهوده في خدمة الحركة الأدبية والثقافة الفلسطينية .
سجلت رسالة الماجستير في القصة القصيرة في الضفة والقطاع من 1967 إلى 1981 ، وكنت قرأت أكثر المجموعات التي صدرت ، وكتبت عنها مراجعات في الصحف ، بل وكنت شاركت في ندوات ، عقدت في رام الله ونابلس وغزة ، لمناقشتها ، ففي تلك الأيام كنا نتواصل مع الكتاب الفلسطينيين من غزة إلى الجليل بسهولة ، وكانت فلسطين التاريخية كلها لنا ولليهود معا ، من حيث جوب البلاد طولا وعرضا ، وبحرية كبيرة جدا .
حين بدأت أكتب الأطروحة كان علي أن اتتبع القصص القصيرة المنشورة في الصحف والمجلات ، فقد كانت المجموعات الصادرة لا تتجاوز العشر مجموعات ، وهكذا وجدتني أذهب إلى حيفا لاتتبع ما نشره كتاب الضفة والقطاع في جريدة " الاتحاد " ، وأما مجلات الأحزاب الصهيونية وصحفها ، مثل مجلة " الشرق " وجريدة " الأنباء " ، فقد كانت متوفرة في مكتبة بلدية نابلس التي سأنفق فيها ثلاثة أشهر تقريبا هي تموز و آب وايلول ، أقرأ القصص في الصحف والمجلات وألخصها على دفتر خاص ، لأفيد منها .
ولم تتكرر تجربتي في الجلوس في المكتبة ، وفي التنقل بين المدن ، للحصول على المصادر والمراجع ، بهذا الشكل ، إلا في ألمانيا ، حيث تنقلت بين أكثر من مدينة للإفادة من مكتباتها ، وأما بعد الحصول على الدكتوراه ، فقد تحولت إلى باحث منزلي تقريبا ، ونادرا ما أذهب إلى مكتبة عامة ، إذ أخذت أشتري ما أحتاج إليه من كتب ، فكونت مكتبة لا بأس بها .
كنت أذهب إلى حيفا وإلى مكاتب جريدة " الاتحاد "، وهناك تعرفت إلى المرحوم سلمان ناطور وانطوان شلحت وعفيف صلاح سالم ، والتقيت الإمبراطور المرحوم إميل حبيبي ، وإن كان اللقاء عابرا وسريعا ، كما التقيت بسميح القاسم الذي كان يحرر مجلة " الجديد ". وكنت في المقابل أجلس في قاعة المجلات والصحف في مكتبة بلدية نابلس من العاشرة صباحا حتى الخامسة أو السادسة مساء ، أقرأ في الصحف الصادرة بعد الاحتلال ، وقد صغت من قراءاتي هذه الفصل الأول من رسالة الماجستير ، وكان عنوانه " القصة القصيرة : عوائق ومؤثرات " وقد تتبعت فيه أثر الاحتلال ، في حزيران ، على الحركة الأدبية ، وهو فصل فيه من جهود الباحث ما فيه . إنه حقا بحث ، لا مجرد دراسة يمكن أن ينجزها المرء عن مجموعة قصصية ، أو عن مجموعات قصصية ، وهو جالس في بيته .
بعد أن انهيت الفصول الدراسية الثلاثة المطلوبة في الجامعة عدت أدرس في مدارس الوكالة في الغور ، وما بين بداية شباط ونهاية آيار كتبت بقية فصول الرسالة التي أنجزت في فترة قصيرة لم تتعد الاثنين والعشرين شهرا ، وقد ناقشتها في مجمع اللغة العربية الأردني في 14 / 8 / 1982 ، واجيزت . ( كنت أعكف على القراءة والكتابة ، خلال كتابة الرسالة ، ثماني ساعات متواصلة ، من 3 عصرا حتى 11 ليلا ) .
في تلك الأيام كنت ، دائما ، أضع يدي على قلبي : ماذا لو منعني الاحتلال من السفر إلى عمان لمناقشة الرسالة ، وماذا لو صادر النسخة الورقية المكتوبة بخط يدي ، وهي النسخة الوحيدة ؟
في بداية حزيران 1982 سافرت إلى الأردن لأناقش الرسالة ، وهناك سيبدأ حزيران آخر ، حزيران دموي سوف يفضي أيضا إلى أيلول جديد .
هل انتهى حزيران 1967 ؟
3 /8 /2016
١٠
(حزيران الذي لا ينتهي) 70 : (الحلقة الأخيرة )
( يذهب حزيران ،ويأتي حزيران:كأنه لا ينتهي )
في العام 1967،إثر الهزيمة ، التقت الشاعرة فدوى طوقان بشعراء الارض المحتلة ، وقرؤوا قصائد عن الحرب وما نجم عنها وانعكاسها عليهم ، ومن القصائد قصيدة فدوى " على أطلال يافا " وقصيدة محمود درويش " يوميات جرح فلسطيني" .
زارت الشاعرة مدن فلسطين ووقفت على اطلالها وبكت ما رأت ، ورحب بها الشعراء الذين رأوا في الهزيمة ( خطوة للخلف ، من أجل عشر للأمام ) على رأي الشاعر المرحوم توفيق زياد ، فهذه كبوة ، وكم يحدث أن يكبو الهمام ، وأما محمود درويش فقد خسر حلما جميلا وخسر لسع الزنابق وما خسر السبيلا .
وإذا كانت الشاعرة قبل الهزيمة مغرقة في وحدتها وعزلتها وتقوقعها على ذاتها،ولم تكتب في الموضوع الوطني إلا قصائد قليلة جدا،مثل " مع لاجئة في العيد " ، فإنها ،مع الهزيمة ، وبلقائها بالشعراء اليساريين ، تحولت ، مثلهم ، إلى شاعرة مقاومة ، وتقدم ، في قصائدها ، الموضوع الوطني ليحتل الصدارة .
وطال حزيران 1967 أكثر مما توقع راكب الحافلة الذي قال إن الاحتلال سيدوم سبعة أسابيع أو سبعة أشهر أو سبع سنوات . طال حزيران وطال الاحتلال الرحيم ، وافتتحت فيه سجون جديدة ، وعوقب أهل الأرض المحتلة 1967عقوبات جماعية ، ومنعوا احيانا من السفر ، وهدمت منازل المقاومين ، وأقيمت المستوطنات ، ولم تجد الرحلات التي شجع عليها الإسرائيليون ، من أجل التعايش ، نفعا . واشتدت المقاومة في خارج فلسطين ، وأصبح هناك ، في لبنان ، دولة داخل دولة ، هي دولة الفاكهاني ، وامتلك الفلسطينيون في جنوب لبنان مدافع وسيارات مصفحة و ..و .. وكان لا بد من حرب جديدة أوسع من حرب الليطاني 1978 وأكبر .
في الأول من حزيران غادرت الضفة إلى الأردن لأنهي الماجستير ، وهناك أخذت أتردد ، من جديد ، على رابطة الكتاب الأردنيين التي كان مقرها في جبل اللويبدة ، في شارع ابراهيم طوقان ، لأتابع النشاط الأدبي الذي كانت الرابطة تعقده ، وغالبا ما كان يومي الأحد والأربعاء .
وستبدأ الحرب .
سيبدأ حزيران من جديد ، وهذه المرة لم يبدأ في الخامس منه . سيبدأ يوما أبكر .
في الرابع من حزيران ستبدأ الحرب ، وستغزو القوات الإسرائيلية جنوب لبنان ، وخلال أيام ستصل إلى مشارف بيروت ، ليتواصل حزيران الذي لا ينتهي .
لماذا لم تبدأ اسرائيل حربها في الأول من حزيران ؟
ستغدو أخبار المعارك خبزنا وملحنا وفاكهتنا اليومية ، ومن جديد سنعود ثانية خبراء عسكريين نحلل المعارك ونتحدث عن الحرب باسترخاء ، فالجبهة مشتعلة ، ونحن على شرفات مبنى الرابطة ، أو في ساحات الجامعة نمارس حياتنا وترف الكلام .
ولم تنته الحرب في ستة أيام أو في سبعة أيام ليستريح ( بيغن ) في اليوم السابع ، وستغدو حربا مختلفة عن الحرب السابقة . وسيصمد الفدائيون والمقاومون حتى نهاية آب ، ليخرجوا في بداية أيلول إلى مناف جديدة ؛إلى الجزائر والسودان واليمن وليبيا وتونس و .... وستتواصل الهجرات الفلسطينية ، وستغدو قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " القصيدة التي عبرت عما جرى ولخصته وكثفته،وسنحفظها ما استطعنا .
ما أصغر الدولة
ما أكبر الفكرة
وحين يعود الفلسطينيون في العام 1994 إلى دولتهم المنشودة ، ويحكمون مدنا محتلة في فلسطين المحتلة ، سنكرر :
ما أصغر الدولة
وحين نرى ما صرنا إليه ندرك أن حزيران لا ينتهي . أيوجد حقا شهر لا ينتهي ، أو زمن لا ينتهي ؟ وسنسقط في حفرة هذا الظل .
في العام 1990 كتب محمود درويش ديوانه " أرى ما أريد " وصدره بأسطر عن علاقته بالزمن ، وصراعهما معا . كتب الشاعر :
وأنا انظر خلفي في هذا الليل
في أوراق الأشجار وفي أوراق العمر
واحدق في ذاكرة الماء ، وفي ذاكرة الليل
لا أبصر في هذا الليل
إلا آخر هذا الليل
دقات الساعة تقضم عمري ثانية ثانية
وتقصر أيضا عمر الليل
لم يبق من الليل ومني شيء نتصارع فيه ... وعليه
لكن الليل يعود إلى ليلته
وأنا أسقط في حفرة هذا الظل .
ذهب حزيران 1967 وجاء حزيران 1982
كأننا لا رحنا ولا جئنا
و
" لكن الليل يعود إلى ليلته "
ونحن
نسقط في حفرة هذا ال ...... حزيران
3/8/216
١١
ستقول طالبة: ما جدوى القصيدة؟
(محمود درويش )
أحيانا قد يكرر المرء مضمونا مشابها :ما جدوى الكتابة؟
ولكن الشاعر واصل الكتابة، فالسطر الشعري السابق ورد في قصيدة كتبت في 1977، وظل الشاعر الذي مر علي رحيله 9 أعوام يكتب من 1977 حتى 2008- سنة وفاته.
3/8/2017
كم يأخذ صالون التجميل من طالبة التوجيهي؟
العادة أن يكون هناك تخفيض لطلاب التوجيهي ولكني سمعت أن السعر يكون مضاعفا.
الله المستعان به.
١٢
في ذكرى رحيلهما : إحسان عباس و محمد القيسي .
من يتذكرهما ؟
عالم بحاثة قل نظيره كان إحسان عباس ، وشاعر جوال أشبه بالشعراء الصعاليك كان محمد القيسي .
أجندة شهر آب مكتظة برحيل أدباء فلسطين .
لعلني أكتب مقال الأحد في ذكرى رحيل محمود درويش .
للعلامة إحسان عباس و محمد القيسي الرحمة . ( توفيا في بداية آب من العام 2003 وكنت في عمان أشارك في مؤتمر جامعة فيلادلفيا ) .
3/8/2017
١٣
كلام السيد رئيس الوزراء:
أوردت جريدة الأيام الفلسطينية اليوم في صفحتها الرابعة كلام السيد رئيس الوزراء خلال لقاء إعلاميين. من كلامه حول التعليم الآتي:
إن نسبة البطالة "معظمها بين خريجي الجامعات ولهذا بدأنا بايقاف البرامج النظرية في الجامعات حيث أن أي برنامج نظري لا نقوم بترخيصه، ولذلك كان موقفنا حاسما في موضوع كلية الطب في الخليل وكان لدينا اصرار أن تكون كلية واحدة"
طيب شو رأي السيد رئيس الوزراء في افتتاح برنامج الدكتوراه،هذا العام، في قسم اللغة العربية ،علما بأن هناك ما لايقل عن عشرة من حملة الدكتوراه،في منطقة نابلس وحدها، يدرسون في المدارس ولا وظيفة لهم في أية جامعة؟
ربما أنا لم أجد قراءة كلام السيد رئيس الوزراء، فقد رسبت مرة في مساق الصرف مع الدكتور نهاد الموسى.
3 آب 2018
١٤
وماذا لو بقينا في فلسطين وبقيت بلادا عادية لا قطعة من أوروبا أو قطعة من الجنة.
من المؤكد أننا سنصعد إلى الكرمل ونرى حيفا والمتوسط منه، كما نرى حيفا من عكا وكما نجلس في عكا في مطعم أبو خريستو.
أفكر في مقالة نثرية ليوم الأحد في 12 آب في ذكرى رحيل درويش.
الفكرة تخطر على البال والحالة الشاعرية مهيأة لذلك.
3 آب 2018
١٥
خليل النعيمي والمكان ٥ :
تصلح رواية " القطيعة " مثالا يعتمد عليه الناقد لدراسة رواية المكان التي يكتبها كاتب له صلة بالمكان الذي يكتب عنه ، فهي تعزز آراء النقاد الذين يطالبون الكتاب بأن يكتبوا عن بيئة يعرفونها جيدا وأن يتركوا الكتابة عن أماكن صلتهم بها منقطعة أو ضعيفة أو معدومة .
لطالما ناقشت هذا الموضوع في كتاباتي النقدية وقد سبب الخوض فيه لي مشاكل كثيرة لدرجة أن قسما من الكتاب كاد يتهمني ، وأنا أكتب عن القدس في الأدب العربي ، بأنني أقف إلى جانب الإسرائيليين ، مع أنني أحلم ، فيما يخص الدولة الصهيونية ، حلم اسحق رابين بخصوص غزة .
والطريف أنني حين أكتب عن القدس أتوقف مليا أمام صورة المدينة في أدبيات اليهود التي كتبت في المنفى وأقول إن ما كتبوه عن القدس التي لم يقتربوا منها كان خارجا من العهد القديم ولا يمت للقدس على أرض الواقع بصلة .
ماذا لو كتبت أنا شخصيا عن المكان الذي يكتب عنه خليل النعيمي وهو المكان الذي ولد فيه وعاش سنوات عمره في ازقته وحاراته ونهره وترابه؟
من المؤكد أنني لن أكتب أي شيء مما كتبه ، ولسوف أكتب عن عالم آخر لا صلة له بالمكان الحقيقي.
في " القطيعة " أنت تقرأ عن المكان وكل ما يمت له بصلة : البشر والتراب والحيوانات والنهر ولغة المكان ولهجة أهله ومفردات البيئة ونباتاتها، تقرأ عن هذا كله وحين تقيسه بما في بيئتك - إن كانت بيئة مختلفة مثل بيئة المدينة أو المخيم أو البيئة الصحراوية - فستجد نفسك أمام عالم آخر تحتاج ، حتى تفهمه وتدرك إبعاده ، إلى جلد وصبر .
هنا تستذكر لامية العرب للشنفرى وما روي عن انتحالها ورد بعض النقاد على مروجي فكرة الانتحال ودحضها : مهما كان خلف الأحمر ضليعا بلغة العرب وبالشعر الجاهلي فلا يمكن أن يكتب قصيدة كهذه ؛ صورها واستعاراتها وتشابيهها وبيئتها ، إلا إذا كان عاش في البادية وعرفها وخبر أسرارها .
في " القطيعة " أنت تقرأ عن بيئة صورها من تمثلها وعرف أسرارها ، ولا أعرف إن كان هناك من النقاد من التفت إلى المكان فيها .
أنصح دارسي الأدب في سوريا أن يلتفتوا إلى هذا الجانب فيها ، ففيها مفردات على غير صعيد أقرأها شخصيا لأول مرة .
١٦
الست كورونا : للحقيقة وجهان والثلج أسود ( ٤١ )
عاد الحديث عن الست كورونا يشغل بال الكثيرين ، وأمس تدوولت أشرطة عديدة تأتي على الجائحة في هذا العالم ، وأبرزها شريط الأطباء الأميركيين الذين تظاهروا أمام الكونجرس الأميركي لتخطب فيهم الدكتورة الأفريقية الأصول ( فاوتشي ) ، وهي سمراء البشرة ، تبدي موقفا من الفايروس .
التعليق الأول على الشريط المرفق ذهب إلى أنها ومن معها يتظاهرون معلنين عن موقف معارض لإدارة ( ترامب ) ، ثم سرعان ما أرسل إلي الصديق Ziad Ameireh رأيا مختلفا يقول فيه إن المتظاهرين ليسوا أطباء بل هم ممثلون يدعمون سياسته .
الدكتورة ( فاوتشي ) قالت إن الكورونا ليست خطرة وإن علاجها متوفر - في الشريط تقول إن اسمها سليمانو والمعقب على الشريط كتب إن اسمها ( فاوتشي ) - وأكدت باحثة أوروبية أو أميركية تحدثت لعشرين دقيقة أن العلاج موجود ، ولكن إصرار بعض المسؤولين ، وعلى رأسهم ( بيل جيتس / غيتس ) ، على أخذ اللقاح يعني تعديلا في جينات الانسان لخلق إنسان يتحكم في حياته . الباحثة البيضاء البشرة التي أخذت ، في نهاية الشريط ، تبكي على ما سيصبح البشر عليه ، قالت إن اللقاح سيجعل منا أشخاصا آخرين مختلفين .
حسب قولها فإنني سوف أصبح مثل علي بابا وأكثر تطورا ، فإذا كان هو يخاطب الصخرتين بعبارة " افتح يا سمسم " فإنهما ستفتحان ما إن أفكر في الأمر وقبل أن أنطق .
الصحيح أنني لم أستوعب جيدا ما قالت ، ولكني أظن أن الإنسان القادم سيصبح مثل خيار " الحماموت " ومثل الفواكه المهرمنة التي نشاهدها في الأسواق وتسر مناظرها الناظرين ولكنها قد تسبب السرطانات . يعني سنصبح دجاجا مهرمنا - وببساطة سيصبح الإنسان القادم انسانا معدلا / مهرمنا .
من نصدق ؟ ومن نكذب ؟ وما زالت وجهات النظر المختلفة حول وجود الوباء وعدمه قائمة .
شخصيا تذكرت مقطعا من قصيدة محمود درويش " أحد عشر مقطعا على آخر المشهد الأندلسي " وهو المقطع الذي عنوانه " للحقيقة وجهان والثلج أسود "
"
للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتنا
لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا
والنهاية تمشي إلى السور يائسة من خطاها
......
كل شيء معد لنا سلفا " .
هل سيصبح ( بيل غيتس ) مثل الأنبياء والمفكرين وأصحاب النظريات العلمية والفلسفية ؛ مثل ديكارت وغاليليو وداروين ونيتشة وماركس وانجلز ولينين ، بل وأكثر ؟
هل تتذكرون كتاب " رحلات جيلفر " الذي أتى على حجم البشر صغارا وعمالقة ؟
لا بد من تذكر ما ورد في رواية أنعام كجه جي " النبيذة " على لسان بطلتها عن أنواع العضو الذكري وأحجامه ، وبطلة روايتها مجربة وخبيرة .
٣ آب ٢٠٢٠ .
١٧
الأصدقاء المحترمون :
أرجو من جميع من يدرج اسمي على منشور يكتبه ألا يفعل ذلك .
إن هذا يسبب لي إحراجات أنا في غنى عنها ، ومن المؤكد أن منشوره إن راق لي فسوف أعقب عليه مبديا رأيي . وأنا لست مسؤولا عما يكتبه غيري ويضع اسمي عليه . ببساطة إنه لا يعبر عن وجهة نظري أو عن موقف أتبناه .
مع احترامي وتقديري .
١٨
الفلسطينيون يستعدون غدا لإشعال الجبهة :
وأنا أسير أمس ظهرا في شوارع نابلس أطلق أحد المواطنين بعض الألعاب النارية ، ما جعل مواطنا يعقب :
- يبدو أنهم أعلنوا اسم الأول في امتحان التوجيهي .
في المساء أدرجت إحدى السيدات ممن علمتهن في الماجستير على صفحتها برنامج سير المعارك غدا . إنها السيدة أ. ميس شواهنة
ستبدأ الحرب في الساعة الثامنة وستتواصل حتى الواحدة ظهرا ، لتبدأ هدنة تستمر حتى السادسة مساء ، ثم تشتعل حرب المتفجرات حتى منتصف الليل وبعدها تهدأ الجبهة .
وأنا أسير عصرا مع الدكتور Ahmed Khouli - على اعتبار ما سيكون قريبا ، وأنصح قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية بالتعاقد معه وتعيينه في القسم - أتى على بعض الكوارث التي تحل ببعض المحتفلين غدا بنتائج التوجيهي وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، وتردد قسم منهم على المشافي لمعالجة آثار إطلاق الألعاب النارية ، والمشاكل التي يثيرها أهل المصابين للأطباء :
- يا دكتور أريد أن تعيد أصابع يد إبني إلى سابق عهدها وإلا ... .
- يا دكتور ابني أصيب في عينه وأريد إعادة النظر إليه وإلا ... .
وإلا فأنتم أيها الأطباء المسؤولون عن العاهة الأبدية .
أطرف ما سمعت من أخي هو ما رواه على مسمعه عامل فلسطيني يعمل في مستوطنة " بركان " الإسرائيلية التي تصنع الألعاب النارية .
قال العامل الفلسطيني إن معلمه اليهودي في المستوطنة تمنى أن ينجح غدا الطلبة الفلسطينيون المتقدمون لامتحان التوجيهي كلهم و " الله لا يضيع لهم تعب " ، والمستوطن طبعا حريص على بيع ما أنتجته مستوطنته من ألعاب نارية خلال العام الماضي .
ملايين الشواكل ستنفق غدا على الاحتفالات وستعود الفائدة ، إلا أقلها ، إلى جيوب المستوطنين الذين سيمنون على العمال الفلسطينيين بأنهم يشغلونهم ويعطونهم أجورا مرتفعة قياسا إلى الأجور التي تدفعها البرجوازية الفلسطينية إلى العمال في مصانعها .
غدا سيحتفل الناجحون جميعا ، من حصل على العلامة كاملة ومن حصل على علامة النجاح التي لن تدخله إلى أي جامعة أو أي معهد أو ...
اللهم أدم الأفراح في ديارنا العامرة ولا تحرمنا من مشاهدة الألعاب النارية وهي تنطلق في سماء المدينة معبرة عن الفرح ملبية أمنيات الشاعر سميح صباغ الذي قال بعد هزيمة حزيران :
إني تشهيت زغاريد النساء يحملن
شوق ألف عام للأغاني والفرح
آمين ، واسترنا من حرائق آب اللهاب .
٣ آب ٢٠٢١
١٩
الكاتب المغربي Mehdi Naqos نقوس المهدي شخصية تحترم لأنه يقوم بما لا تقوم به بالفعل وزارة ثقافة .
تعرفت إليه من خلال متابعة ما ينشر لي في موقع الانطولوجيا وصرنا نتواصل .
هو من جمع يومياتي التي كتبتها في جائحة كورونا وأسفر قسم منها عن صدور كتابي " الست كورونا " وهو من جمع يومياتي " ذاكرة أمس " عن شارع النصر في نابلس وحرب غزة في العام ٢٠٢١ ، ثم اهتم بما أكتبه عن غسان كنفاني ومحمود درويش و إميل حبيبي وتوفيق زياد ومحمود شقير وأكرم هنية ومحمد اشتية ويحيى السنوار وغيرهم فخصص لهم ملفات جمعت بعض ما كتبته عنهم .
إنه رجل صبور ذو جلد ، لا يكل ولا يمل في خدمة الثقافة ، ولا يتبرم أو يضيق ذرعا بما تطلبه منه ، واسع الصدر سريع الإجابة في تلبية ما تطلبه منه ، قاريء جيد لما تكتب .
الاحترام كله وبالغ التقدير وجزيل الشكر لهذا الرجل الكبير والمثقف الواسع الاطلاع ، المقدر للثقافة والكتاب .
٣ / ٨ / ٢٠٢٣
٢٠
محمود شقير في " نوافذ للبوح والحنين " : الضحك لمجرد رؤية الآخرين يضحكون ( ٥ )
عندنا مثل يقول " الموت مع الجماعة رحمة " ومثل ثان يقول " حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس " وأحيانا نردد : إن كنت في روما فعش حياة أهل روما ، وإن سافرت إلى الصومال فتصرف تصرف الصوماليين .
ما سبق يعني أن تتعاطف مع الآخرين وأن تحيا كما يحيون . ربما هذا شكل من أشكال حياة القطيع وامحاء الخصوصية ، بل وحياة العبيد الذين يتصرفون كما يحب أسيادهم .
في " نوافذ للبوح والحنين " نقرأ في النافذة السادسة عن أب درزي أصيب ابنه الجندي ، فأصبح مقعدا ولم تشفع له خدمته في الجيش الإسرائيلي ، إذ أصر الجندي الإسرائيلي على تفتيشهما ، وهكذا غدا كما يقول مثلنا الشعبي : " مثل الذي يشخ في الرجم " والرجم كومة حجارة بينها فراغات .
الذين أصغوا إلى حكاية الزميل " ع " طربوا للمثل و
" أطلقنا قهقهة صاخبة من جراء المثل الذي اهتدى إليه زميلنا "ع " وجعله خاتمة موفقة لحكايته ، وقهقهت معنا النادلات من دون أن يعرفن سببا لهذه القهقهات .
الضحك لسبب معروف وضحك من كان حاضرا دون أن يعرف سبب الضحك ؛ الضحك لمجرد أن الآخرين يضحكون - أي تعاطفا معهم ومشاركة لهم في فرحهم - ورد في رواية إميل حبيبي " المتشائل " .
يختلف آباء زخرون يعقوب يوما :
هل من الحق ، شرعا ، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت ، أم أن الأمر عمل ، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت ، شرعا ؟
فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم : هل الأمر عمل أم لذة ؟ ففكر الحكم طويلا ، ثم حكم أنه لذة ، فهات برهانك ؟
قال : لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب - الفرادسة !
فضحكنا ؛ يعقوب لأنه يكره الاشكناز ، وأنا لأنه ضحك .
في أحد كتب ( امبرتو ايكو ) صاحب رواية " اسم الوردة " ذكر أنه حاضر في جامعة ما عن تجربته ، فسأله طالب إن كان قرأ رواية تعود إلى فترة زمنية سابقة وتأثر بها ، إذ هناك تشابه بين الروايتين ، فرد ( ايكو ) :
قد أكون قرأتها وتأثرت بها ، ولكنه تأثر غير واع .
أعتقد أن على دارسي مجموعة محمود شقير هذه أن يوازنوا بينها وبين المتشائل . أحيانا يبدو رهوان في علاقته بمحمد تابعا ، والتابع موحود في دون كيشوت / سانشو بانزا ، وفي " الجندي الطيب شفيك " فالجندي يكون أحيانا تابعا للضابط ، وفي المتشائل فسعيد تابع ليعقوب ، وفي القصص في العصر الجاهلي كان شيبوب تابعا لعنترة بن شداد !!
٣ / ٨ / ٢٠٢٣
٢١
يوميات غزة ( ٣٠٢ ) :
الكل في انتظار ما
يبدو أن كثيرين قلقون ينتظرون شيئا . حدثا ما ، ولطالما قرأنا مقالات لكتاب " في انتظار غودو " ولم يأت ، ومنذ قرون ينتظر الناس المهدي المنتظر ، وها هم ينتظرون الرد يأتي من إيران أو من اليمن أو من جنوب لبنان / شمال فلسطين ، وفي الأدبيات الصهيونية أن الخطر يأتي من الشمال ، وفي بداية الحرب الدائرة حاليا أصغيت إلى محلل سياسي أظنه ناصر قنديل يبشر فيه بأن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سيعودون إلى مدنهم وقراهم بكلاشينات . هل هو إفراط في التفاؤل ؟
كلما أفرطنا في الضحك تعوذنا قائلين :
- اللهم اجعله خيرا واسترنا منه " الله يسترنا من نتيجة هالضحك " .
قد ينتهي الليل ولا يأتي ( غودو ) أو ( المهدي المنتظر ) أو حتى " المسيح الدجال " إلا ان كان الأخير تجسد في ( بايدن ) أو ( ماكرون ) أو حتى المستشار الألماني ، فالثلاثة في بداية الحرب زاروا دولة الكيان . وربما يكون الثلاثي الإسرائيلي ؛ رئيس الوزراء وبن غفير وسموتريتش هم الأعور الدجال أو المسيح الدجال أو .. ! ألا يقدمون أنفسهم منفذين لما ورد في العهد القديم ؟
أمس أدرج الكاتب الغزي طلعت قديح صورة حديثة له مع نص قصير كتبه ، فعقبت :
- يا إلهي ! ماذا فعلت بك الحرب ؟
كان طلعت الذي دمر منزله ، وعاش نازحا مشردا جائعا فقيرا معدما فقد ما استثمره طيلة عقود ، مثل مليوني غزاوي ، كان بضا ممتلئا يفيض حيوية ويكتب نقدا بنيويا ويفرح لكتاب جديد صدر له ، وآل إلى هيكل عظمي .
ما قام به الإسرائيليون في غزة هو الجنون ، لا ضرب من الجنون . أحيانا كثيرة أصر على سذاجتي وبراءتي وبساطتي ، بل وغبائي ، فأسأل :
- ما ذنب مليوني مواطن في كل هذا ؟
هل أذنب أجدادنا وآباؤنا لأنهم استقبلوا في بيوتهم اليهود القادمين من روسيا القيصرية بسبب ( البوجروم ) ؟
لا ضرورة للكتابة في أمور شخصية .
٣ / ٨ / ٢٠٢٤
٢٢
غزة 667 :
صامدون هنا ... حتى الرمق الأخير
ثلاثة إخوة من الشجاعية هم الصحفية مروة مسلم وأخواها معتز ومنتصر لم يغادروا بيتهم ، مصرين على الصمود ، آخذين بقول الشاعر توفيق زياد " ونستف التراب ولا نرحل "( هنا باقون ) ومقاطع غناها الفنان مارسيل خليفة :
" صامدون هنا
صامدون هنا
حتى الجدار الأخير
وفي يدنا يلمع الرعب
في يدنا "
٣ / ٨ / ٢٠٢٥
٢٣
غزة 667 :
إنها المجاعة
الكتاب الإسرائيليون مثل ( جدعون ليفي ) و ( ديفيد غروسمان ) قالوها صراحة :
"إن إنكار المجاعة في غزة ليس أقل حقارة من إنكار الهوالوكست "
و
" لأشهر عديدة من بداية الحرب كنت أتجنب استخدام " إبادة جماعية " . الآن أشعر بالخجل ، وما يجري في غزة هو إبادة جماعية ."
ومن خلال الصور التي شاهدها غروسمان واتصاله مع بعض الجهات تساءل :
- كيف لم يخرج الإسرائيليون إلى الشوارع ليحتجوا على ما يجري ؟
بعض الإسرائيليين ، مثل الكاتبين ، تذكروا ما ألم باليهود في ألمانيا النازية ( ١٩٣٣ إلى ١٩٤٥ ) ، وهناك يهود في أمريكا قالوها علنا : إن ما تفعله الحكومة الإسرائيلية لا يختلف عما فعله النازيون باليهود .
في صفحتي إدراج للمقالين ، وإن بلغات أجنبية ، وللشريط الذي يتحدث فيه اليهودي الأمريكي ، وكنت قبل فترة تساءلت عن غروسمان وموقفه وكتبت تحت عنوان " صور الفلسطينيين والاسرائيليين : صور الفلسطينيين في غزة تذكر بصور اليهود في معسكرات الإبادة "
و
" أحفاد الناجين يحرقون أحفاد اللاجئين "( ١٧ / ٤ / ٢٠٢٥ )
أدرج مع الكتابة المنشور الذي أدرجه الكاتب سعيد محمد الكحلوت وكتب حوله :
" أحد الصباحات العادية جدا من غزة ... " ثم حذف الصورة للحساسية وكتب حول ذلك .
هل أذكر بقول الشاعر محمود درويش :
" ضحية قتلت ضحيتها
وصارت لي هويتها "؟
٣ / ٨ /
٢٤
( فانيسيا ريديغريف ) الممثلة العالمية التي وقفت هي والممثلة ( جين فوندا ) كان لها في رواية الكاتب الفلسطيني جهاد الرنتيسي Jehad Ranteesy الأخيرة " شامة سوداء أسفل العنق " (٢٠٢٤) حضور لافت ويمكن عدها شخصية محورية غالبا ما يستحضرها السارد الذي التقى بها في الكويت . وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني وتمثيلها فيلم " الفلسطيني " يوازي وقوف الكاتب الفرنسي الشهير ( جان جينيه ) الذي كتب " أسير عاشق " وتغنى بالفدائي الفلسطيني ومجده وابرز له صورة مشرقة ، كما كتب عن شاتيلا وصبرا " أربع ساعات في شاتيلا " نصا جميلا جدا ، إذ تسلل في ثاني بوم المجزرة إلى المخيم ورأى آثار المذبحة . ٣ / ٨ / ٢٠٢٥
٢٥
فاروق وادي :
" رائحة المانجا "
" رائحة المانجا " عنوان مجموعة قصصية للكاتب الراحل فاروق وادي صدرت في العام ٢٠٢٢ عن الدار الأهلية في عمان لصاحبها أحمد أبو طوق ، وتضم قصصا يتراوح طولها بين صفحة و خمس عشرة صفحة .
القصة الأولى هي التي حملت عنوان المجموعة وهي الأطول .
يكتب فاروق وادي في القصة عن شابين مقدسيين يدرسان في الجامعات المصرية قبل حزيران ١٩٦٧ ، وفي هذه الأثناء تقع الحرب فينقطعان عن أهلهما .
الشابان المقدسيان يستأجران شقة ويقيمان معا ويشغلان خادمة مصرية اسمها فاطمة يلفظ اسمها أحيانا فطمة وأحيانا أخرى فطنة ، وفاطمة لا تقرأ ولا تكتب .
يقيم الشابان مع فطمة علاقة جسدية في الوقت نفسه ولا تمانع . الشيء الوحيد الذي تأباه هو ممارسة الحب وقت الآذان والسبب حتى لا تحضر الشياطين .
يدفع الشابان لفطمة أجرتها وما تجود به نفساهما عن العلاقة الجسدية ، ومع مرور الأيام وتوطد العلاقة ترفض أخذ المال وقت الانتهاء من الحب ، وترى في ذلك ابتذالا .
عندما تقع الحرب ويتأخر أهل الشابين في إرسال النقود لهما تعطيهما فطمة رزمة من المال فيتلفظ ماهر المقدسي بعبارات قاسية جدا بحقها ، إذ كيف تنفق عليهما عاهرة هما الشريفان العفيفان النقيان الطاهران المقدسيان . تستاء فاطمة من عبارات ماهر النذل وتغادر الشقة وتنقطع عن العمل .
فطمة التي كان حلمها زيارة القدس والصلاة في الأقصى تبرعت للفلسطينيين بما جمعته من مال للذهاب إلى هناك ، وفي وقت لاحق تظل تزور المنطقة وبيدها رزمة مال تعطيها لحارس العمارة حتى يوصلها لماهر والسارد كي يواصلا دراستهما ، ولا تعود تلتقي بهما . لقد كانت فاطمة مثل نور في رواية نجيب محفوظ " اللص والكلاب " ؛ نور التي أحبت سعيد مهران وتعاطفت معه على الرغم من أنه مطارد ومطلوب للعدالة . إنها المومس الفاضلة أو البغي الفاضلة كما كتب عنها دارسو الأدب .
تخلص بعد قراءتك القصة إلى أن فاروق وادي من خلال سارد قصته يتعاطف مع فطمة ، ولا يرى ما فعلته عارا ، فالعار هو ما عاشه العرب بسبب هزيمة ١٩٦٧ .
لا أعرف لماذا عاد فاروق وادي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لينشر عن حقبة حزيران ٦٧ . هل القصة قديمة ومكتوبة في فترة مبكرة أم أن الحنين إلى تلك الحقبة وإلى فترة الشباب هو ما دفعه للكتابة ؟
طبعا ليس هو أول كاتب يفعل ذلك ، ولكن عودته ، من وجهة نظري ، لم تكن موفقة ؛ لأنه أبرز صورة سلبية للمرأة المصرية تتمثل في ممارسة البغاء مع شابين في الوقت نفسه مقابل المال . أستطيع شخصيا أن أفهم مقصده وأنه أراد تبيان جانب إيجابي في سلوك فطمة وان مفهومه للشرف يختلف عن مفهوم كثيرين ، ففطمة تعاطفت مع الفلسطينيين في ظروفهما الصعبة وأمدتهما بالمال ولكن ...( هنا أشير إلى قصيدة مظفر النواب " في الحانة القديمة " وقد كتبت عنها في كتابي " الصوت والصدى : مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة " ١٩٩٩ تحت عنوان " في الشرف الفردي والشرف القومي ") .
ولكن هل من ضرورة هناك لأن يبرز كاتب مهم ، مثل فاروق وادي ، وهو متزوج من امرأة مصرية ، هل من ضرورة لأن يبرز للخادمة هذه الصورة ؟
لا أصادر حق الكاتب فيما يكتب ، ولكني لا أرى أن الكاتب كان موفقا في هذا .
٣ / ٨ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة