الدكتور زهير شاكر - الطاقات الكامنة وصناعة المستقبل مشروع حضاري لتحرير الإنسان وبناء نهضة الأمة الجزء الاول

الجزء الاول
المقدمة العلمية المعرفية
منذ فجر الحضارات والإنسان يسعى إلى اكتشاف مصادر القوة التي تمكنه من البقاء والتقدم وصناعة المستقبل. وقد تنقلت البشرية عبر مراحل متعددة من الوعي الحضاري؛ فكانت الأرض في مرحلة ما مصدر الثروة، وكانت الجيوش في مرحلة أخرى مصدر النفوذ، ثم أصبحت الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد ركائز التفوق بين الأمم. غير أن القرن الحادي والعشرين كشف عن حقيقة أكثر عمقًا وشمولًا، وهي أن المورد الاستراتيجي الأعظم لم يعد النفط ولا المعادن ولا حتى التكنولوجيا ذاتها، بل الإنسان القادر على التفكير والإبداع والتجديد والابتكار.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الثروات الطبيعية وحدها لا تصنع الحضارات، كما أن وفرة الموارد لا تضمن التقدم بالضرورة. فكم من أمة امتلكت من الموارد ما يكفي لبناء قوة عالمية لكنها تعثرت، وكم من أمة فقيرة الموارد استطاعت أن تتصدر المشهد الحضاري العالمي لأنها نجحت في استثمار الإنسان قبل استثمار المادة، والعقل قبل الآلة، والمعرفة قبل الثروة.
ومن هنا برز مفهوم رأس المال البشري بوصفه أحد أهم المفاهيم التي أعادت تشكيل الفكر التنموي المعاصر، وأصبح الحديث عن التنمية في جوهره حديثًا عن الإنسان: كيف يُكتشف؟ وكيف يُنمّى؟ وكيف تُحرَّر طاقاته الكامنة؟ وكيف تتحول قدراته من إمكانات ساكنة إلى قوة فاعلة في بناء المجتمع والدولة والحضارة؟
إن الإشكالية المركزية التي ينطلق منها هذا الكتاب تتمثل في وجود فجوة واسعة بين ما يمتلكه الإنسان من قدرات كامنة وما ينجزه فعليًا على أرض الواقع. فالأبحاث الحديثة في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب وعلم الموهبة والإبداع تؤكد أن معظم البشر لا يوظفون إلا جزءًا محدودًا من إمكاناتهم، وأن المجتمعات بدورها لا تستثمر إلا نسبة متواضعة من الثروة العقلية والمعرفية المتوافرة لديها.
ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات العربية اليوم ليس نقص الموارد أو محدودية الإمكانات، بل ضياع جزء كبير من طاقاتها البشرية نتيجة ضعف منظومات الاكتشاف والرعاية والتطوير والاستثمار. فالموهبة قد توجد، لكن البيئة الحاضنة قد تغيب. والقدرة قد تكون حاضرة، لكن الفرصة قد لا تكون متاحة. والعبقرية قد تولد، لكن المنظومة الاجتماعية أو التعليمية قد تعجز عن التعرف إليها أو احتضانها.
ومن هذا المنطلق يأتي هذا الكتاب بوصفه محاولة فكرية ومعرفية وأكاديمية لتأسيس رؤية حضارية جديدة تنظر إلى الإنسان باعتباره المشروع الاستراتيجي الأول للأمة، وترى أن النهضة الحقيقية تبدأ من تحرير الطاقات الكامنة للعقول، لا من تراكم الموارد المادية فقط.
ولا ينطلق هذا العمل من رؤية تربوية ضيقة، ولا من منظور اقتصادي منفصل، بل يتعامل مع قضية الطاقات الكامنة باعتبارها قضية حضارية شاملة تتقاطع فيها التربية وعلم النفس والاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة وإدارة المعرفة واستشراف المستقبل. فالإنسان ليس كائنًا تعليميًا فقط، ولا اقتصاديًا فقط، بل هو منظومة متكاملة من القدرات والاستعدادات والدوافع والقيم والطموحات التي تحتاج إلى بيئة قادرة على اكتشافها وتوجيهها واستثمارها.
ويهدف هذا الكتاب إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الكبرى التي ستحدد مستقبل المجتمعات في العقود القادمة:
ما المقصود بالطاقات الكامنة؟
لماذا تفشل كثير من المجتمعات في اكتشاف مواهب أبنائها؟
ما العلاقة بين التعليم والإبداع والتنمية؟
كيف يتحول هدر المواهب إلى هدر للمستقبل؟
ما دور الدولة والمؤسسات التعليمية والاقتصادية في بناء رأس المال البشري؟
كيف يمكن الانتقال من ثقافة الشهادة إلى ثقافة الكفاءة؟
ما الآليات العملية لتحويل الطاقات الكامنة إلى قوة حضارية منتجة؟
وكيف يمكن للأمة العربية أن تبني مشروعًا نهضويًا جديدًا قائمًا على استثمار الإنسان؟
كما يسعى الكتاب إلى تقديم إطار نظري وتطبيقي متكامل يربط بين العلوم الحديثة والتجارب الإنسانية الناجحة من جهة، وبين احتياجات الواقع العربي وتحدياته من جهة أخرى، وصولًا إلى بناء نموذج عربي معاصر في اكتشاف الطاقات الكامنة وتنميتها واستثمارها.
إن هذا الكتاب لا يدافع عن فكرة الموهبة بوصفها امتيازًا للنخبة، بل ينطلق من قناعة راسخة بأن داخل كل إنسان قدرة لم تُكتشف بعد، وأن مهمة الحضارة ليست صناعة العباقرة من العدم، بل اكتشاف ما هو موجود أصلًا وتوفير الظروف التي تسمح له بالنمو والازدهار.
ولهذا فإن القضية التي يعالجها هذا الكتاب ليست قضية تعليم أو تدريب أو تشغيل فحسب، بل قضية وجود حضاري ومستقبل أمة. فالأمم لا تتقدم بما تملكه من ثروات فقط، بل بما تنجح في إطلاقه من طاقات بشرية، ولا تتراجع بسبب قلة الموارد وحدها، بل بسبب عجزها عن رؤية الكنوز الكامنة في عقول أبنائها.
ومن هنا فإن هذا العمل يمثل دعوة فكرية وعلمية واستراتيجية لإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها ووسيلتها في آن واحد، وإلى الانتقال من مرحلة إدارة الإمكانات المتاحة إلى مرحلة تحرير الإمكانات الكامنة، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.
وإذا كانت الحضارات العظيمة قد بُنيت في الماضي على اكتشاف القارات والموارد والأسواق، فإن الحضارة القادمة ستُبنى على اكتشاف الإنسان نفسه؛ لأن أعظم ثروة في هذا العالم ليست ما نملكه، بل ما نستطيع أن نكونه.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
أزمة الطاقات الكامنة في العالم العربي
الإنسان.. الثروة التي لم تُكتشف بعد
بقلم العالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
الفصل الاول من الجزء الاول
مدخل فلسفي
على امتداد التاريخ الإنساني انشغل البشر بالبحث عن مصادر القوة والثروة. فخاضوا الحروب من أجل الأرض، وأقاموا الإمبراطوريات من أجل التجارة، وتنافسوا على الذهب والنفط والمعادن والممرات الاستراتيجية. غير أن القرن الحادي والعشرين كشف حقيقة ربما تكون من أعظم حقائق التاريخ الحضاري: إن الثروة الأعظم ليست تحت الأرض بل فوقها، وليست في المناجم بل في العقول، وليست في الموارد الطبيعية بل في الإنسان نفسه.
لقد امتلكت أمم كثيرة ثروات هائلة ثم تراجعت، بينما نهضت أمم أخرى بموارد محدودة لأنها نجحت في استثمار الإنسان. ومن هنا أصبح السؤال الحضاري المركزي: لماذا تستطيع بعض المجتمعات اكتشاف طاقات أفرادها وتحريرها وتحويلها إلى منجزات حضارية، بينما تفشل مجتمعات أخرى في رؤية الكنوز البشرية المختبئة بين أبنائها؟
إن المشكلة الحقيقية التي تواجه عالمنا العربي ليست ندرة المواهب، بل ندرة الأنظمة القادرة على اكتشافها ورعايتها وتوجيهها. فالموهبة موجودة، والذكاء موجود، والقدرة على الابتكار موجودة، لكن الحلقة المفقودة تكمن في آليات الكشف والاستثمار والبناء.
---
أولًا: مفهوم الطاقات الكامنة
الطاقات الكامنة ليست قدرات غامضة أو مفاهيم رومانسية، بل هي مجموعة الاستعدادات والقدرات والميول والإمكانات التي يحملها الإنسان داخله قبل أن تتحول إلى إنجاز ظاهر.
فالطفل الذي يبدو عاديًا قد يحمل عقل عالم مستقبلي.
والطالب الذي لا يلفت الانتباه داخل الصف قد يصبح قائدًا فكريًا أو اقتصاديًا أو علميًا.
والشاب الذي يعاني من ضعف التحصيل الدراسي قد يمتلك موهبة ريادية أو فنية أو ابتكارية استثنائية.
إن ما نراه من قدرات الأفراد ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، أما الجزء الأكبر فيبقى مختبئًا تحت سطح الواقع في انتظار البيئة المناسبة التي تسمح له بالظهور.
ومن هنا فإن الفرق بين الإنسان العادي والإنسان المبدع لا يكمن دائمًا في حجم القدرات، بل في حجم القدرات التي تم اكتشافها وتطويرها واستثمارها.
---
ثانيًا: رأس المال البشري بوصفه الثروة الأعظم
أثبتت أدبيات رأس المال البشري أن المعرفة والمهارات والكفايات البشرية أصبحت المحرك الرئيس للإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي. وتؤكد دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن جودة التعليم والمهارات تؤثر في الإنتاجية والنمو بدرجة تفوق مجرد زيادة سنوات التعليم وحدها، وأن الاستثمار في المعرفة والمهارات يمثل استثمارًا مباشرًا في القوة الاقتصادية والحضارية للأمم.
ولذلك لم تعد الدول المتقدمة تنظر إلى التعليم بوصفه خدمة اجتماعية فقط، بل باعتباره استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى في مستقبلها.
فاليابان لم تبنِ نهضتها على النفط.
وكوريا الجنوبية لم تبنِ معجزتها الاقتصادية على الثروات الطبيعية.
وسنغافورة لم تتحول إلى مركز عالمي بسبب مساحتها الجغرافية.
إن القاسم المشترك بينها جميعًا كان الاستثمار المنهجي في الإنسان.
---
ثالثًا: لماذا تفشل المجتمعات في رؤية عباقرتها؟
توجد مفارقة حضارية خطيرة تتمثل في أن كثيرًا من العباقرة والمبدعين لم يكونوا نجوماً داخل أنظمة التعليم التقليدية.
والسبب أن المؤسسات التقليدية كثيرًا ما تقيس جانبًا محدودًا من القدرات الإنسانية وتغفل جوانب أخرى لا تقل أهمية.
فعندما يُختزل الإنسان في:
معدل.
شهادة.
امتحان.
رقم.
فإن آلاف القدرات الأخرى تصبح غير مرئية.
وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الاقتصادات المتقدمة تتجه بصورة متزايدة نحو ما يسمى "السوق القائم على المهارات"، حيث تصبح المهارة الفعلية والكفاءة العملية أكثر أهمية من المؤشرات التقليدية وحدها.
وهذا التحول يكشف خللًا تاريخيًا طالما وقعت فيه كثير من الأنظمة التعليمية، وهو الاعتقاد بأن التفوق الدراسي وحده مرادف للتفوق الإنساني.
---
رابعًا: مأساة الطاقات المهدورة
إن أكثر المشاهد إيلامًا في التاريخ الحضاري ليس فشل الأفراد، بل فشل المجتمعات في اكتشاف إمكانات أفرادها.
فكم من:
عالم لم يجد من يكتشفه.
مخترع لم يجد من يموله.
مبدع لم يجد من يؤمن بموهبته.
قائد لم يجد من يمنحه الفرصة.
إن خسارة موهبة واحدة قد تعني خسارة اختراع، أو شركة عالمية، أو مدرسة فكرية، أو مشروع حضاري كامل.
ولهذا فإن الأمم لا تخسر عندما يهاجر العلماء فقط، بل تخسر قبل ذلك عندما تفشل في اكتشافهم أصلًا.
---
خامسًا: الذكاء المخفي داخل المجتمعات
كل مجتمع يحتوي على مخزون هائل من الإمكانات غير المستثمرة.
فالذكاء لا يتوزع وفق الطبقات الاجتماعية.
ولا يرتبط بالغنى أو الفقر.
ولا يحتكر وجوده إقليم أو مدينة أو مؤسسة.
إنه موزع بين البشر بصورة أوسع بكثير مما تتصور الأنظمة التقليدية.
غير أن الفرص ليست موزعة بالعدل نفسه.
وهنا تكمن المعضلة.
ففي حين يولد الذكاء في كل مكان، فإن البيئات الحاضنة للإبداع لا توجد بالقدر نفسه في كل مكان.
ولهذا نجد أن بعض المجتمعات تنتج من العباقرة أكثر مما تنتجه مجتمعات أخرى، ليس لأن أبناءها أكثر ذكاءً، بل لأنها أكثر قدرة على اكتشاف الذكاء ورعايته.
---
سادسًا: عصر الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف الموهبة
يدخل العالم اليوم مرحلة جديدة تعيد صياغة مفهوم النجاح والتميز.
فالأعمال الروتينية تتراجع.
والوظائف التقليدية تتغير.
والمعرفة أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق يصبح العنصر الحاسم هو:
الإبداع.
التفكير النقدي.
حل المشكلات.
التعلم المستمر.
القدرة على الابتكار.
وتؤكد تقارير المهارات الحديثة أن الاقتصادات الناجحة هي التي تنجح في تطوير المهارات المستقبلية وربط التعليم بالتعلم المستمر والابتكار وسوق العمل المتغير.
ومن ثم فإن اكتشاف الطاقات الكامنة لم يعد قضية تربوية فحسب، بل أصبح قضية أمن قومي وتنمية مستدامة ومستقبل حضاري.
---
خاتمة الفصل
إن أعظم مأساة يمكن أن تصيب أمة ليست فقر الموارد، بل فقر الرؤية التي تعجز عن رؤية الكنوز البشرية الكامنة بين أبنائها.
فالإنسان ليس مجرد مستهلك للتنمية، بل هو صانعها.
وليس مجرد رقم في تعداد السكان، بل مشروع حضاري محتمل.
وحين تدرك الأمم أن داخل كل طفل عالمًا محتملًا، وداخل كل شاب مشروع نهضة، وداخل كل إنسان طاقة لم تُكتشف بعد، تبدأ رحلة التحول الحقيقي من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.
إن الحضارات العظيمة لم تُبنَ لأنها امتلكت البشر فحسب، بل لأنها امتلكت القدرة على اكتشاف ما يختبئ داخل البشر.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الدكتور زهير شاكر
***
الجزء الأول
أزمة الطاقات الكامنة في العالم العربي
الفصل الثاني
من هدر المواهب إلى هدر المستقبل
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
تمهيد
إذا كانت الأمم تُقاس في العصر الحديث بقدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق جميع الأسئلة الأخرى هو: ماذا يحدث عندما تفشل الأمة في اكتشاف مواهب أبنائها؟
إننا غالبًا ما نتحدث عن هدر المياه والطاقة والموارد المالية، لكننا نغفل عن أخطر أشكال الهدر جميعًا: هدر الطاقات البشرية.
فالنفط إذا نضب أمكن تعويضه.
والمال إذا ضاع أمكن استرداده.
أما العقل الذي يُهمل، والموهبة التي تُدفن، والقدرة التي لا تجد طريقها إلى الظهور، فهي خسارة حضارية قد لا تتكرر.
ومن هنا فإن قضية المواهب ليست قضية أفراد، بل قضية مستقبل أمة بأكملها.
---
أولًا: الموهبة المهدورة بوصفها خسارة حضارية
تتعامل كثير من المجتمعات مع الموهبة وكأنها شأن شخصي يخص صاحبها وحده.
وهذا خطأ استراتيجي كبير.
فالموهبة ليست ملكًا لصاحبها فقط، بل هي جزء من الثروة الوطنية للأمة.
إن العالم الذي يكتشف دواءً جديدًا لا يغير حياته وحده.
والمخترع الذي يبتكر تقنية جديدة لا يخدم نفسه فقط.
والمفكر الذي ينتج فكرة كبرى لا يبني مجده الفردي فحسب.
إنهم جميعًا يضيفون قيمة حضارية تتجاوز ذواتهم.
ولهذا فإن خسارة موهبة واحدة قد تعني خسارة آلاف الفرص غير المرئية التي كان يمكن أن تنتج عنها.
---
ثانيًا: البطالة المقنّعة للقدرات
لقد اعتاد الاقتصاديون على دراسة البطالة باعتبارها غياب العمل.
لكن ثمة نوعًا أكثر خطورة وأقل ظهورًا، وهو ما أسميه:
البطالة المقنّعة للقدرات.
وهي الحالة التي يكون فيها الإنسان موظفًا أو عاملًا أو صاحب عمل، لكنه يعمل بعيدًا عن طاقاته الحقيقية.
إن المشكلة هنا ليست غياب الوظيفة.
بل غياب التوافق بين الإنسان وقدراته.
فكم من مبدع يعمل في وظيفة لا تسمح له بالإبداع.
وكم من مبتكر أُجبر على أداء أعمال روتينية تستنزف عمره.
وكم من قائد وُضع في موقع لا يحتاج إلى القيادة.
إن المجتمع الذي يسيء توزيع طاقاته يشبه جيشًا يضع أمهر قادته في الصفوف الخلفية، ثم يتساءل لماذا يخسر المعركة.
---
ثالثًا: كيف يتحول هدر المواهب إلى هدر للمستقبل؟
التاريخ يعلمنا أن المستقبل لا يُبنى بالصدفة.
بل يُبنى بتراكم الأفكار والاختراعات والاكتشافات والقيادات.
وحين تُهمل المواهب، فإن الخسارة لا تقع في الحاضر فقط، بل تمتد إلى المستقبل.
فكل موهبة غير مكتشفة هي:
اختراع لم يولد.
شركة لم تؤسس.
نظرية لم تُكتب.
مشروع نهضة لم يرَ النور.
ومن هنا فإن هدر الطاقات البشرية ليس خسارة آنية، بل خسارة تراكمية تمتد عبر الأجيال.
---
رابعًا: مأزق الشهادة والمهارة
أحد أكبر التحولات الفكرية في القرن الحادي والعشرين يتمثل في انتقال العالم تدريجيًا من اقتصاد الشهادات إلى اقتصاد المهارات.
فالتقارير الدولية الحديثة تشير إلى أن أسواق العمل أصبحت أكثر اهتمامًا بما يستطيع الإنسان فعله، لا بما يحمله من أوراق اعتماد فقط. كما أن الاقتصادات المتقدمة تتجه نحو نماذج توظيف وتطوير مهني تضع المهارة والكفاءة في مركز التقييم، مع اعتبار الشهادات مؤشرات مساندة لا بوابات حصرية للفرص.
وهنا تكمن أزمة كثير من المجتمعات النامية.
فهي ما تزال تحاكم الإنسان وفق ما حصل عليه من شهادة، بينما يتحرك العالم نحو تقييم ما يستطيع إنجازه فعليًا.
---
خامسًا: هجرة العقول أم طرد العقول؟
كثيرًا ما نستخدم مصطلح "هجرة العقول".
لكن السؤال الأكثر عمقًا هو:
هل تهاجر العقول فعلًا، أم أنها تُدفع إلى الهجرة؟
إن الإنسان المبدع يبحث بطبيعته عن بيئة تسمح له بالنمو.
وعندما لا يجد هذه البيئة في وطنه، يبدأ بالبحث عنها خارجه.
وحين يحدث ذلك على نطاق واسع، لا تخسر الدولة أفرادًا فقط، بل تخسر استثمارات تربوية وتعليمية وعلمية امتدت سنوات طويلة.
إن بعض الدول لا تستورد الموارد الطبيعية فقط، بل تستورد أيضًا العقول التي فشلت مجتمعات أخرى في الاحتفاظ بها.
---
سادسًا: المفارقة الحضارية الكبرى
إن أكثر المفارقات إثارة للدهشة أن المجتمعات التي تشكو من البطالة قد تكون في الوقت نفسه تعاني من نقص في الكفاءات.
كيف يحدث ذلك؟
الجواب يكمن في سوء التوافق بين التعليم والمهارات واحتياجات المستقبل.
وتشير الأدبيات الحديثة إلى وجود ظاهرة مزدوجة في العديد من الاقتصادات: نقص في المواهب المطلوبة من جهة، وعدم استثمار كامل لقدرات أعداد كبيرة من العاملين من جهة أخرى، وهو ما يضعف الإنتاجية ويحد من الابتكار والتنقل الاجتماعي.
وهنا تصبح المشكلة ليست في عدد البشر، بل في طريقة إعدادهم وتوجيههم واستثمارهم.
---
سابعًا: لماذا تفشل المؤسسات في اكتشاف الموهبة؟
توجد أربعة أسباب رئيسة:
السبب الأول: القياس الخاطئ
عندما نقيس الإنسان بأداة واحدة، فإننا نستبعد معظم قدراته الأخرى.
السبب الثاني: الخوف من الاختلاف
كثير من المؤسسات ترتاح للشخص المتشابه أكثر من الشخص المبدع.
السبب الثالث: البيروقراطية
الإبداع يحتاج إلى مرونة، بينما تقتل البيروقراطية كثيرًا من المبادرات قبل أن تولد.
السبب الرابع: غياب الرؤية المستقبلية
فالمؤسسة التي تدير يومها فقط لا تستطيع بناء مستقبلها.
---
ثامنًا: نحو فلسفة جديدة للموهبة
إن القرن الحادي والعشرين يفرض علينا إعادة تعريف الموهبة نفسها.
فالموهبة لم تعد حدثًا استثنائيًا نادرًا.
بل أصبحت موردًا استراتيجيًا ينبغي اكتشافه وإدارته وتطويره.
ولهذا تتجه النظم المتقدمة إلى بناء ما يسمى بمنظومات المهارات، والاعتراف بالتعلم المستمر، وربط التعليم بالقدرات الفعلية، وإيجاد لغات مشتركة لوصف المهارات والكفايات بما يسهّل اكتشافها وتوظيفها.
---
خاتمة الفصل
إن الأمة التي تهدر مواهبها لا تفقد أفرادًا متميزين فحسب، بل تفقد أجزاءً من مستقبلها.
فالمستقبل ليس زمنًا يأتي وحده، بل مشروعًا تصنعه العقول.
وكل موهبة تُهمل هي نافذة تُغلق في وجه الغد.
وكل قدرة كامنة لا تُكتشف هي فرصة حضارية تُدفن قبل أن تولد.
لقد علمتني سنوات البحث والتأمل أن الأمم لا تُهزم عندما تقل مواردها، بل عندما تعجز عن رؤية الثروة الكامنة في إنسانها.
وحين تدرك المجتمعات أن الموهبة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية، تبدأ أولى خطواتها الحقيقية نحو النهضة.
فالأمم العظيمة لا تصنع الثروة من الموارد، بل تصنع الموارد من العقول.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الدكتور زهير شاكر
***
الجزء الأول
أزمة الطاقات الكامنة في العالم العربي
الفصل الثالث والأخير
بين فشل التخطيط ووهم المؤامرة
قراءة حضارية في أسباب تعطيل الطاقات الكامنة وآفاق التحرر منها
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
---
تمهيد
عندما تعجز أمة عن تحويل طاقاتها البشرية إلى قوة معرفية وإنتاجية وحضارية، يبرز سؤال يتكرر في الوعي الجمعي للنخب والمثقفين والشباب على حد سواء:
لماذا تُهدر الطاقات الكامنة؟
هل السبب هو ضعف التخطيط وسوء الإدارة وقصور الرؤية الاستراتيجية؟
أم أن هناك قوى ومصالح وبُنى خفية تستفيد من بقاء الإنسان في دائرة العجز والتبعية والاستهلاك؟
إن هذا السؤال ليس مجرد جدل فكري، بل هو سؤال يتصل مباشرة بمصير المجتمعات ومستقبل الأجيال القادمة. ولذلك فإن التعامل معه يتطلب منهجًا علميًا متزنًا يبتعد عن التبسيط والاتهام المجرد من الأدلة، كما يبتعد في الوقت ذاته عن السذاجة التي تنكر وجود المصالح والصراعات والبنى المعيقة للتغيير.
---
أولًا: خطورة التفسير الأحادي
من أخطر الأخطاء المنهجية في دراسة الظواهر الاجتماعية والحضارية اختزالها في سبب واحد.
فكما أن المرض المعقد لا ينتج عن عامل واحد، فإن تعطل الطاقات البشرية لا يمكن تفسيره بعامل منفرد.
إن المجتمعات كائنات مركبة تتداخل فيها:
السياسة.
الاقتصاد.
الثقافة.
التربية.
الإدارة.
الإعلام.
القيم الاجتماعية.
ولهذا فإن أي محاولة لفهم أزمة الطاقات الكامنة من زاوية واحدة فقط تؤدي إلى تشخيص ناقص وحلول ناقصة.
فالذين يرون أن كل شيء مؤامرة يخطئون.
والذين يعتقدون أن كل شيء مجرد أخطاء إدارية يخطئون أيضًا.
والحقيقة غالبًا أكثر تعقيدًا من الطرفين.
---
ثانيًا: فشل التخطيط بوصفه العامل الأكثر حضورًا
من خلال دراسة تجارب الأمم الناجحة والمتعثرة، يتبين أن العامل الأكثر تأثيرًا في هدر الطاقات الكامنة هو غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
فالمشكلة ليست في نقص الشباب.
وليست في نقص الجامعات.
وليست في نقص الشهادات.
بل في غياب الرؤية التي تربط بين:
التعليم.
الموهبة.
الاقتصاد.
التنمية.
احتياجات المستقبل.
إن كثيرًا من الأنظمة تُخرّج أعدادًا كبيرة من المتعلمين، لكنها لا تمتلك تصورًا واضحًا لكيفية توظيف قدراتهم في بناء المستقبل.
فتنشأ فجوة بين ما يتعلمه الإنسان وما يحتاجه المجتمع.
وبين ما يستطيع الإنسان تقديمه وما يُطلب منه فعليًا.
وهنا تبدأ رحلة الهدر.
---
ثالثًا: حين تصبح المؤسسات سجينة الماضي
المشكلة الكبرى في كثير من المجتمعات ليست نقص الموارد، بل استمرار إدارة المستقبل بعقلية الماضي.
فالأنظمة التي أُنشئت لعصر صناعي أو بيروقراطي قد لا تكون قادرة على التعامل مع عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي.
وعندما تتغير طبيعة العالم بينما تبقى أدوات التفكير على حالها، تظهر أزمة عميقة بين الواقع الجديد والمؤسسات القديمة.
ومن هنا يصبح الإبداع عبئًا على بعض المؤسسات بدل أن يكون مصدر قوتها.
ويصبح المبدع استثناءً مزعجًا بدل أن يكون قيمة مضافة.
---
رابعًا: هل توجد مصالح تستفيد من تعطيل الطاقات؟
علميًا لا يجوز الحديث عن "مؤامرة شاملة" دون أدلة.
لكن من السذاجة أيضًا إنكار وجود مصالح تستفيد من الجمود.
ففي كل مجتمع توجد أحيانًا قوى أو شبكات أو نخب تخشى التغيير للأسباب الآتية:
الخوف من المنافسة.
الخوف من فقدان النفوذ.
الخوف من انكشاف محدودية الكفاءة.
الخوف من انتقال مراكز القوة إلى جيل جديد.
وهنا لا يكون الهدف بالضرورة تعطيل الشباب بصورة مباشرة.
لكن النتيجة النهائية قد تكون كذلك.
فكل نظام يضعف تكافؤ الفرص، أو يغلق أبواب الصعود الاجتماعي، أو يحتكر المعرفة والقرار، ينتهي عمليًا إلى إهدار جزء من الطاقات البشرية حتى لو لم يكن ذلك هدفه المعلن.
---
خامسًا: ثقافة الخوف من المبدع
من الظواهر التي تستحق الدراسة أن بعض البيئات تنظر إلى المبدع باعتباره تهديدًا لا فرصة.
فالإنسان المبدع:
يطرح أسئلة جديدة.
يتحدى المسلمات.
يقترح بدائل غير مألوفة.
يكشف مناطق القصور.
ولهذا قد يثير القلق لدى البيئات التي اعتادت الاستقرار على أنماط تقليدية.
ومن هنا تظهر إحدى المفارقات الحضارية الكبرى:
فالمجتمعات التي تحتاج إلى الإبداع أكثر من غيرها قد تكون أحيانًا الأقل قدرة على احتضان المبدعين.
---
سادسًا: صناعة العجز أم إنتاج العجز؟
يطرح بعض المفكرين سؤالًا مهمًا:
هل يتم "صناعة العجز" أم أن العجز يُنتج تلقائيًا من خلال المنظومات الخاطئة؟
إن التحليل العلمي يشير إلى أن النتيجة في الحالتين قد تكون متشابهة.
فعندما:
يُهمَّش التفكير النقدي.
يُكافأ الحفظ أكثر من الفهم.
تُغلق مسارات التقدم أمام الكفاءات.
تُضعف روح المبادرة.
فإن المجتمع يبدأ تدريجيًا بإنتاج ما يسميه علماء النفس "العجز المكتسب".
وهنا لا يحتاج الأمر إلى مؤامرة.
فالمنظومة ذاتها تصبح قادرة على إعادة إنتاج المشكلة عامًا بعد عام.
---
سابعًا: أزمة العدالة وتكافؤ الفرص
لا يمكن الحديث عن استثمار الطاقات الكامنة دون الحديث عن العدالة.
فالعدالة ليست قيمة أخلاقية فقط.
بل هي شرط تنموي وحضاري.
عندما يشعر الشباب أن الجهد والإنجاز يقودان إلى الفرصة، ترتفع الدافعية والطموح.
أما عندما يقتنع الإنسان بأن الفرص لا تُمنح على أساس الجدارة، فإن الحافز الداخلي يبدأ بالتآكل.
وحينها تخسر الأمة ليس فقط الموهوبين، بل أيضًا ثقة الموهوبين.
---
ثامنًا: نحو تفسير حضاري متكامل
بعد تحليل العوامل المختلفة يمكن القول إن أزمة الطاقات الكامنة تنتج غالبًا عن تفاعل خمسة عناصر كبرى:
ضعف التخطيط الاستراتيجي.
قصور المنظومات التعليمية.
البيروقراطية المؤسسية.
اختلال العدالة وتكافؤ الفرص.
مقاومة التغيير والخوف من التجديد.
وعندما تجتمع هذه العوامل معًا، تتشكل بيئة طاردة للموهبة ومعيقة للإبداع.
---
تاسعًا: خارطة التحرر من الأزمة
إن الخروج من هذه الحلقة لا يتحقق بالشعارات، بل بإجراءات استراتيجية عميقة، أهمها:
أولًا: بناء منظومة وطنية لاكتشاف الطاقات
تبدأ من الطفولة وتستمر حتى سوق العمل.
ثانيًا: التحول من ثقافة الشهادة إلى ثقافة الكفاءة
بحيث يصبح الإنجاز الحقيقي معيار التقدم.
ثالثًا: إنشاء بنوك وطنية للمواهب
تُحدَّث باستمرار وتُربط بمشروعات التنمية.
رابعًا: بناء حاضنات للإبداع والابتكار
في المدارس والجامعات والمؤسسات.
خامسًا: إعادة هيكلة التوجيه المهني
ليُبنى على الميول والقدرات لا على العلامات فقط.
سادسًا: ترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص
لأن الموهبة لا تزدهر في بيئة تشعرها بالظلم أو التهميش.
---
الخاتمة
بعد سنوات طويلة من التأمل والبحث في قضايا الإنسان والتنمية والإبداع، أخلص إلى قناعة فكرية راسخة:
إن أزمة الأمة العربية ليست أزمة عقول، بل أزمة اكتشاف العقول. وليست أزمة مواهب، بل أزمة إدارة المواهب. وليست أزمة موارد، بل أزمة رؤية ترى الإنسان بوصفه الثروة الأولى والأخيرة.
لقد آن الأوان للانتقال من سؤال:
"كم نملك من الموارد؟"
إلى سؤال أكثر عمقًا:
"كم طاقة بشرية ما زالت نائمة في داخل مجتمعاتنا؟"
فالحضارات لا تبدأ عندما تكتشف ما تحت الأرض، بل عندما تكتشف ما داخل الإنسان.
وحين تنجح الأمة في تحرير طاقاتها الكامنة، يتحول الشباب من عبءٍ يُخشى منه إلى قوةٍ يُبنى بها المستقبل، وتتحول الموهبة من حالة فردية معزولة إلى مشروع نهضوي شامل، وتبدأ عندها الرحلة الحقيقية نحو صناعة الغد.
فالأمم لا تصنع مستقبلها بما تملكه من أشياء، بل بما تطلقه من عقول.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الدكتور زهير شاكر
***
الرؤية التحليلية الموسوعية للجزء الأول
أزمة الطاقات الكامنة في العالم العربي
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
---
مدخل تحليلي
يمثل هذا الجزء من الكتاب نقطة الانطلاق الفكرية والمعرفية لفهم واحدة من أخطر القضايا الحضارية التي تواجه الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين، وهي قضية الطاقات الكامنة المهدورة. فالمشكلة التي يناقشها هذا الجزء لا تتعلق بالتعليم وحده، ولا بالبطالة وحدها، ولا بالتنمية الاقتصادية وحدها، بل تتعلق بالإنسان ذاته بوصفه محور النهضة وغايتها ووسيلتها.
لقد اعتادت الأدبيات التقليدية أن تفسر التخلف من خلال نقص الموارد أو ضعف التمويل أو محدودية الإمكانات المادية، غير أن التحولات الكبرى في الفكر التنموي العالمي أثبتت أن جوهر الفارق بين الأمم المتقدمة والأمم المتأخرة لا يكمن فيما تملكه من ثروات طبيعية، بل فيما تملكه من قدرة على اكتشاف الطاقات البشرية وتنميتها واستثمارها.
ومن هنا ينطلق هذا الجزء من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة الحقيقية في العالم العربي ليست أزمة موارد، بل أزمة اكتشاف واستثمار وإدارة للطاقات الكامنة.
---
أولًا: الإنسان بوصفه المشروع الحضاري الأكبر
يكشف الفصل الأول أن الإنسان ليس عنصرًا ضمن منظومة التنمية، بل هو المنظومة ذاتها.
فالنفط يمكن أن يُستخرج.
والمعادن يمكن أن تُستورد.
والتكنولوجيا يمكن أن تُشترى.
أما العقل المبدع فلا يُشترى، بل يُبنى ويُكتشف ويُنمّى.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لأي أمة لا تُقاس بحجم مواردها، بل بحجم ما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل الموارد إلى منجزات حضارية.
إن الإنسان ليس مستهلكًا للتنمية فقط، بل هو صانعها.
ولذلك فإن كل مشروع نهضوي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه.
---
ثانيًا: الطاقات الكامنة بوصفها الثروة غير المرئية
يؤكد هذا الجزء أن ما يظهر من قدرات الأفراد لا يمثل إلا نسبة محدودة من إمكاناتهم الحقيقية.
فداخل كل إنسان توجد:
قدرات غير مكتشفة.
مواهب غير مستثمرة.
إمكانات لم تجد البيئة المناسبة للنمو.
ومن هنا فإن الطاقات الكامنة تمثل الثروة غير المرئية للأمم.
وكلما ارتفعت قدرة المجتمع على اكتشاف هذه الطاقات وتحويلها إلى إنجازات، ارتفع مستوى تقدمه الحضاري.
أما عندما تعجز المؤسسات عن اكتشافها، فإنها تتحول إلى ثروة مهدورة لا تقل خطورة عن هدر الموارد الاقتصادية.
---
ثالثًا: من هدر الموهبة إلى هدر المستقبل
يكشف الفصل الثاني عن علاقة عميقة بين تعطيل المواهب وتعطيل المستقبل.
فالإنجازات الكبرى في التاريخ لم تكن نتاج الموارد وحدها، بل نتاج العقول التي أحسنت توظيف الموارد.
ومن ثم فإن خسارة موهبة واحدة قد تعني خسارة:
اكتشاف علمي.
مشروع اقتصادي.
مدرسة فكرية.
اختراع نوعي.
فرصة تنموية.
إن المجتمعات لا تخسر فقط عندما يهاجر علماؤها، بل تخسر قبل ذلك عندما تفشل في اكتشافهم أو توفير البيئة التي تسمح لهم بالازدهار.
---
رابعًا: البطالة الحقيقية ليست بطالة الوظائف
يطرح هذا الجزء مفهومًا أوسع من البطالة التقليدية.
فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في غياب العمل، بل في غياب التوافق بين الإنسان وقدراته.
فقد يكون الفرد موظفًا، لكنه يعمل بعيدًا عن ميوله واستعداداته وإمكاناته.
وهنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها:
البطالة المقنّعة للقدرات.
وهي من أخطر صور الهدر الحضاري؛ لأنها تستنزف العمر والإمكانات معًا.
---
خامسًا: بين فشل التخطيط ووهم المؤامرة
يتناول الفصل الثالث واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل.
فهل تعود أزمة الطاقات الكامنة إلى سوء التخطيط؟
أم إلى وجود أجندات تستفيد من تعطيل الإنسان؟
إن التحليل الأكاديمي الذي يقدمه هذا الجزء يرفض التفسيرات المطلقة.
فلا يمكن رد الظاهرة إلى مؤامرة شاملة.
ولا يمكن تفسيرها بالكامل بوصفها مجرد أخطاء إدارية.
بل إن الواقع يشير إلى تفاعل معقد بين:
ضعف التخطيط الاستراتيجي.
البيروقراطية.
مقاومة التغيير.
اختلال تكافؤ الفرص.
المصالح الضيقة.
قصور الرؤية المستقبلية.
وهذا التفاعل هو الذي ينتج بيئات غير قادرة على استثمار الطاقات البشرية بكفاءة.
---
سادسًا: الأزمة الحقيقية هي أزمة رؤية
بعد تحليل مختلف العوامل يتضح أن جوهر المشكلة يكمن في الرؤية.
فالمجتمع الذي يرى الإنسان مجرد رقم سيعامل الإنسان كرقم.
والمؤسسة التي ترى الموظف مجرد منفذ للأوامر ستقتل المبادرة والإبداع.
والنظام التعليمي الذي يرى الطالب وعاءً للحفظ سيُنتج حافظين أكثر مما يُنتج مفكرين.
ومن هنا فإن أي إصلاح حقيقي يبدأ بإعادة تعريف الإنسان داخل الثقافة والمؤسسة والدولة.
---
سابعًا: التحول من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل
إن الرسالة المركزية لهذا الجزء تتمثل في أن الأمم لا تتقدم لأنها تدير واقعها فقط، بل لأنها تصنع مستقبلها.
وصناعة المستقبل تبدأ عندما تنتقل الدولة والمجتمع من:
إدارة المشكلات إلى بناء الإمكانات.
قياس العلامات إلى اكتشاف القدرات.
استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.
توظيف الأفراد إلى تمكينهم.
فكل أمة لا تستثمر طاقاتها الكامنة إنما تؤجل مستقبلها بيدها.
---
ثامنًا: الفرضية الفكرية للجزء الأول
يقوم هذا الجزء على فرضية حضارية أساسية يمكن تلخيصها في العبارة الآتية:
"إن نهضة الأمم أو تعثرها ترتبط بدرجة قدرتها على اكتشاف الطاقات الكامنة في الإنسان وتنميتها واستثمارها أكثر مما ترتبط بحجم الموارد المادية التي تمتلكها."
ومن هذه الفرضية تتفرع بقية أفكار الكتاب وأجزائه اللاحقة.
---
تاسعًا: من التشخيص إلى المشروع الحضاري
لا يهدف هذا الجزء إلى توصيف الأزمة فقط.
بل يسعى إلى نقل القارئ من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التفكير في الحلول.
فالغاية ليست إثبات وجود المشكلة.
بل بناء مشروع حضاري جديد يجعل من اكتشاف الطاقات الكامنة قضية وطنية وقومية واستراتيجية.
وهنا ينتقل الكتاب في أجزائه القادمة من سؤال:
لماذا تُهدر الطاقات؟
إلى سؤال أكثر أهمية:
كيف نكتشف الطاقات الكامنة ونحولها إلى قوة حضارية تصنع المستقبل؟
---
الخلاصة الفكرية
إن الرؤية الفكرية التي يقدمها هذا الجزء يمكن اختزالها في حقيقة حضارية كبرى:
ليست المشكلة أن الأمم تفتقر إلى العباقرة، بل إن كثيرًا من العباقرة يعيشون ويموتون دون أن تكتشفهم أممهم. وليست الأزمة أن الطاقات غير موجودة، بل أن أدوات اكتشافها وتنميتها واستثمارها ما زالت أقل من حجمها بكثير.
ولهذا فإن المعركة الحضارية الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لن تكون على النفط أو المعادن أو الأسواق فقط، بل ستكون على اكتشاف الإنسان وتحرير قدراته الكامنة وإطلاق طاقاته الخلاقة.
فالحضارات لا تبدأ من الأرض، بل من العقل.
ولا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالإنسان القادر على تحويل الموارد إلى نهضة.
ولا تصنع مستقبلها بما تملك من ثروات، بل بما تطلقه من طاقات كامنة كانت تنتظر من يكتشفها.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الدكتور زهير شاكر
***
الكلمة الختامية الأكاديمية
الجزء الأول: أزمة الطاقات الكامنة في العالم العربي
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
في ختام هذا الجزء من الموسوعة، لا نكون قد وصلنا إلى نهاية البحث، بل إلى بداية السؤال الحضاري الأكبر الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والمفكرين والتربويين والاقتصاديين وقادة المجتمعات في القرن الحادي والعشرين: كيف يمكن للأمة أن تكتشف ما تختزنه من طاقات كامنة قبل أن تضيع في زحام الإهمال أو التهميش أو سوء التوجيه؟
لقد سعى هذا الجزء إلى تفكيك إحدى أكثر القضايا تعقيدًا وأهمية في مسيرة التنمية الإنسانية، وهي قضية الهدر الصامت للثروة البشرية. ذلك الهدر الذي لا يظهر في الموازنات العامة، ولا يُقاس بالأرقام الاقتصادية المباشرة، لكنه يترك أثره العميق في مسار الحضارات والأمم عبر الأجيال.
وقد خلصت هذه الدراسة إلى حقيقة محورية مفادها أن أزمة العالم العربي ليست أزمة ندرة في المواهب أو محدودية في القدرات، بل هي في جوهرها أزمة اكتشاف وتوجيه واستثمار. فالعقول المبدعة موجودة، والقدرات الاستثنائية حاضرة، والطاقات الخلاقة متوافرة في مختلف البيئات والفئات الاجتماعية، غير أن الفجوة ما تزال واسعة بين الإمكان الكامن والإنجاز المتحقق، وبين ما يستطيع الإنسان أن يكونه وما تسمح له المنظومات المختلفة أن يصبحه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة ليس نقص الموارد، بل أن تعيش وهي لا تعرف حجم ما تمتلكه من ثروة بشرية. فالموارد الطبيعية قد تنضب، والأسواق قد تتغير، والتكنولوجيا قد تنتقل من مكان إلى آخر، أما الإنسان المبدع فهو المورد الوحيد القادر على تجديد جميع الموارد الأخرى وإعادة إنتاجها بصورة مستمرة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة أعداد المؤسسات أو البرامج أو الشهادات، بل في بناء فلسفة حضارية جديدة ترى الإنسان بوصفه نقطة البداية والنهاية في مشروع النهضة. فلسفة تؤمن بأن كل طفل يحمل مشروع معرفة محتملًا، وكل شاب يحمل إمكانية إبداع قد تغير واقع مجتمعه، وكل إنسان يختزن طاقة قد تصبح يومًا مصدرًا لإضافة نوعية في مسيرة الحضارة الإنسانية.
لقد بين هذا الجزء أن هدر الطاقات الكامنة لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ عندما تُختزل قيمة الإنسان في علامة، أو تُحصر إمكاناته في شهادة، أو تُقاس قدراته بأداة واحدة لا ترى إلا جزءًا محدودًا من شخصيته. وعندما تتكرر هذه الاختزالات عبر الزمن، تتحول إلى ثقافة، ثم إلى مؤسسات، ثم إلى منظومات تعيد إنتاج الهدر جيلاً بعد جيل.
كما أظهر التحليل أن تفسير الأزمة لا يجوز أن يقع في فخ التبسيط؛ فليست كل المشكلات مؤامرة، وليست كلها أخطاء عفوية. بل إن الواقع الحضاري يتشكل من تفاعل معقد بين التخطيط والرؤية والثقافة والمؤسسات والمصالح والقدرة على إدارة التغيير. ولهذا فإن تجاوز الأزمة يتطلب مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والتنمية، وبين التعليم والإبداع، وبين الموهبة والمستقبل.
إن الرسالة الجوهرية لهذا الجزء يمكن تلخيصها في أن مستقبل الأمم لن يتحدد بما تملكه من موارد مادية بقدر ما سيتحدد بما تكتشفه وتحرره وتطوره من طاقات بشرية. فالمنافسة العالمية القادمة لن تكون بين الدول الأكثر امتلاكًا للثروات الطبيعية، بل بين المجتمعات الأكثر قدرة على اكتشاف العقول وتنمية المواهب وإطلاق الإبداع.
ومن هنا فإن هذا الجزء لا يمثل خاتمة لفكرة، بل يمثل مدخلًا لمشروع فكري ومعرفي أوسع يسعى إلى بناء نظرية عربية معاصرة في فهم الطاقات الكامنة، واكتشاف العبقرية الإنسانية، وتحويل رأس المال البشري إلى قوة حضارية منتجة.
وفي الأجزاء القادمة من هذه الموسوعة سننتقل من تشخيص الأزمة إلى استكشاف البنية العلمية للموهبة والعبقرية والإبداع، ومن تحليل الهدر إلى بناء نماذج الاكتشاف والرعاية والتمكين، ومن السؤال عن أسباب التعثر إلى البحث في آليات النهضة وصناعة المستقبل.
ويبقى الإيمان العميق الذي يحكم هذه الموسوعة بأكملها هو أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق إنسانًا بلا قيمة، ولم يودع في النفس البشرية تلك الطاقات العظيمة عبثًا، وإنما جعل في كل إنسان إمكانية للتعلم والنمو والعطاء والإبداع، وجعل مهمة الحضارات الراقية أن تكتشف تلك الإمكانات وتوفر لها البيئة التي تسمح لها بالازدهار.
فالحضارات العظيمة لا تُبنى حين تكتشف ما في باطن الأرض فحسب، بل حين تكتشف ما في أعماق الإنسان.
والأمم لا تبلغ ذروة تقدمها عندما تمتلك الثروة، بل عندما تكتشف أن الإنسان نفسه هو الثروة الكبرى.
والله وليّ التوفيق.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
المدينة العربية للعلم والمعرفة والإبداع




IMG-20261005-WA0000.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى