خالد عطية - الدولة العربية بين الإعاقة والبنية والقدرة

ليس أكثر ما يلفت في حال الدولة العربية اليوم أنها ضعيفة، ولا أنها قوية على نحو مشوّه. الأكثر إيلاماً أنها تبدو، في كثير من الأحيان، مكتملة في شكلها ومفقودة في وظيفتها. لدينا حدود، ودساتير، وحكومات، وبرلمانات، وجيوش، وأجهزة إدارية، ووزارات، وعلاقات دبلوماسية، واعتراف دولي كامل. ولدينا في الوقت نفسه مجتمعات تشعر، في لحظات كثيرة، أن الدولة التي يفترض أن تكون إطاراً لحمايتها وتمثيل مصالحها قد تحولت إلى شيء آخر: جهازاً لإدارة العجز، أو لإدارة البقاء، أو لإدارة علاقة مختلة بين الداخل والخارج. وهذه ليست مشكلة تقنية في أداء الدولة. إنها مشكلة أعمق: ماذا بقي من معنى الدولة حين تصبح الدولة موجودة، لكن قدرتها على إنتاج الإرادة العامة محدودة؟

ولعل المأساة العربية المعاصرة يمكن رؤيتها من هنا تحديداً. نحن لا نعيش غياب الدولة، بل نعيش حضورها الناقص. الدولة حاضرة في حياة المواطن بكل أجهزتها، لكنها غائبة في اللحظة التي يحتاج فيها المجتمع إلى أن تتحول إرادته إلى قوة سياسية. حاضرة في ضبط المجال العام، لكنها أقل حضوراً في إنتاج المجال العام. حاضرة في إدارة الموارد، لكنها ليست دائماً قادرة على تحويل هذه الموارد إلى استقلال تاريخي. حاضرة في إعلان السيادة، بينما تتفاوت قدرتها الفعلية على ممارسة هذه السيادة. (العراق بعد ٢٠٠٣، ولبنان في أزمته الممتدة، وليبيا واليمن في مسارات انهيار الدولة، تقدم، كل بطريقته، صوراً مختلفة لدولة موجودة في شكلها القانوني، لكنها عاجزة عن تحويل وجودها إلى قدرة سياسية جامعة.) ومن هنا فإن سؤال الدولة العربية لا يعود سؤالاً عن وجودها أو غيابها، ولا حتى عن قوتها أو ضعفها. إنه سؤال عن الدولة التي لم تكتمل وظيفتها التاريخية.

وهذه هي النقطة التي كنت قد توقفت عندها في مقال سابق، حين قرأت الحوار بين الدكتورة غانية ملحيس والدكتور سمير الزبن حول جذور المأزق. يومها لم أجد أن المشكلة يمكن اختزالها في أن الدولة العربية «فشلت»، كما لم أجد أن القول إنها «صُممت للفشل» يكفي لتفسير ما حدث بعد ذلك. كان ما رأيته أقرب إلى حالة من عدم الاكتمال: دولة نشأت، لكنها لم تنجح بصورة كاملة في التحول إلى دولة مواطنين؛ وطنية تشكلت، لكنها لم تحسم علاقتها بالمجال العربي الأوسع؛ سيادة أُعلنت، لكنها ظلت متفاوتة القدرة على الفعل؛ ومجتمع وجد نفسه داخل الدولة، من دون أن يصبح دائماً شريكاً كاملاً في إنتاجها. (يمكن رؤية هذا التوتر، بأشكال مختلفة، في مصر والعراق وسوريا ولبنان: دول قائمة ومؤسسات راسخة في مجالات عدة، لكن العلاقة بين الدولة والمواطنة والمجتمع والهوية السياسية بقيت موضع نزاع مستمر.) كنت أظن أن هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نبقى عنده.

لكن النقاش الذي أعاد الدكتور إياد البرغوثي فتحه حول «الإعاقة البنيوية» و«الإعاقة الوظيفية»، ثم رد الدكتورة غانية ملحيس عليه، يدفعان السؤال إلى مكان أكثر إزعاجاً. لأن الدولة غير المكتملة لا تبقى بالضرورة مجرد دولة ناقصة. قد يتحول النقص، مع الزمن، إلى بنية. وقد تتحول البنية إلى مصالح. وقد تتحول المصالح إلى مؤسسات. وقد تتحول المؤسسات إلى آليات تعيد إنتاج النقص نفسه. (لبنان مثال واضح على كيف يمكن لتسويات سياسية وتوازنات طائفية أن تتحول، مع الزمن، من ترتيبات سياسية إلى بنية تعيد إنتاج النظام نفسه؛ والعراق بعد ٢٠٠٣ يقدم صورة أخرى لتحول التوازنات السياسية والهوياتية إلى آليات دائمة لتوزيع السلطة والموارد.) وهنا يصبح العجز شيئاً مختلفاً عن مجرد العجز. يصبح طريقة في اشتغال الدولة. وهذا، كما أفهمه، هو جوهر السؤال الذي يضعه إياد أمامنا: هل نحن أمام إعاقة تاريخية بقي أثرها، أم أمام إعاقة أصبحت جزءاً من الوظيفة السياسية التي تُعاد صياغتها من الداخل والخارج؟

لكن إذا كان هذا السؤال ضرورياً، فإنه لا يكفي. لأننا إذا جعلنا البنية تفسيراً لكل شيء، نصل بسهولة إلى نتيجة مريحة وخطيرة في آن واحد: لا أحد مسؤول، لأن الجميع أبناء البنية. وهنا تأتي أهمية قراءة غانية. فحتى لو كانت الدولة قد ولدت في شروط تاريخية معيقة، وحتى لو كانت علاقاتها بالخارج قد حدّت من قدرتها، وحتى لو كانت البنية التي قامت عليها الدولة العربية تحمل منذ البداية عناصر اختلال، فإن قرناً كاملاً من التاريخ لا يمكن اختصاره في لحظة التأسيس. هناك بشر حكموا، وهناك نخب اختارت، وهناك مؤسسات كان يمكن أن تتطور ولم تتطور، وهناك مجتمعات قاومت وأخرى انسحبت، وهناك فرص ضاعت، وفرص لم تُرَ أصلاً، وهناك فاعلون استفادوا من استمرار العجز، كما أن هناك فاعلين حاولوا الخروج منه. (وتونس بعد ٢٠١١ مثال مهم على ضرورة النظر إلى الفاعلين والمؤسسات والخيارات التي تشكلت بعد لحظة التحول، لا إلى طبيعة النظام السابق وحدها.) وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا فعلنا نحن بكل ما ورثناه؟

ليس المقصود بـ«نحن» تحميل المجتمع العربي مسؤولية تاريخ لم يصنعه، ولا تجاهل حجم التدخل الخارجي والاستعمار والتبعية والصراعات الإقليمية والدولية. المقصود شيء آخر: أن نرفض أن يتحول تفسير العجز إلى إعفاء من مسؤولية الفعل. فالبنية تفسر نقطة البداية، لكنها لا تفسر وحدها قرناً كاملاً. والخارج قد يفرض شروطاً، لكنه لا يكتب كل تفاصيل التاريخ. والنظام قد يضيّق المجال، لكنه لا يلغي المجتمع. والمجتمع قد يكون مقهوراً، لكنه لا يبقى بالضرورة بلا قدرة على الفعل. (تجارب النقابات والحركات الاجتماعية في تونس والمغرب والسودان، رغم اختلاف سياقاتها ونتائجها، تذكّر بأن المجتمع لا يختفي تماماً حتى في البيئات المقيدة.)

وهنا، في تقديري، تبدأ المسألة التي تهمني أكثر من الخلاف نفسه بين إياد وغانية. لماذا لم نستطع أن نحوّل الفعل إلى قدرة؟ هذه هي الكلمة التي أظن أنها غابت طويلاً عن نقاش الدولة العربية. فنحن كثيراً ما تحدثنا عن القوة، وعن السيادة، وعن الاستقلال، وعن الديمقراطية، وعن التنمية، وعن الدولة، وعن المجتمع، وعن المقاومة، وعن الإصلاح. لكننا قلما سألنا: ما الذي يجعل مجتمعاً أو دولة قادرين على تحويل كل هذه الأشياء إلى تراكم؟ قد يكون لدينا غضب هائل ولا قدرة، وقد يكون لدينا موارد هائلة ولا قدرة، وقد تكون لدينا نخب كثيرة ولا قدرة، وقد تكون لدينا لحظات ثورية كبرى ولا قدرة، وقد تكون لدينا دول قوية في أجهزتها، لكنها عاجزة عن إنتاج مجتمع قادر على المشاركة في صناعة مستقبلها. (الانتفاضات العربية منذ ٢٠١١ تقدم المثال الأوضح: قدرة هائلة على التعبئة وكسر حاجز الخوف، لكنها لم تتحول في عدد من الحالات إلى قدرة مؤسسية مستقرة، بينما استطاعت تونس، لفترة، أن تنقل جزءاً من التعبئة الاجتماعية إلى التفاوض والمؤسسات.)

فالقدرة ليست أن تستطيع الدولة أن تمنع؛ القدرة أن تستطيع أن تبني. وليست أن تستطيع أن تسيطر؛ القدرة أن تستطيع أن تستمر. وليست أن تستطيع أن تبقى السلطة في مكانها؛ القدرة أن تستطيع أن تحول تجربة المجتمع إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى تراكم، والتراكم إلى خيارات تاريخية. ومن هنا يصبح مفهوم القدرة، بالنسبة لي، ليس مفهوماً تقنياً ولا ترفاً من ترف العلوم السياسية. إنه سؤال واقع. لماذا ينهار ما نبنيه كلما تغيرت السلطة؟ لماذا نبدأ من الصفر مع كل أزمة؟ لماذا تتحول الثورات إلى لحظات ثم تنتهي؟ لماذا لا تستطيع مجتمعاتنا، رغم كل ما عانته، أن تحول تجاربها إلى مؤسسات تحمي الذاكرة والخبرة والمصلحة العامة؟ ولماذا تستطيع الدولة في حالات كثيرة أن تكون قوية في مواجهة المجتمع، بينما تكون ضعيفة في مواجهة الخارج؟

هذه المفارقة الأخيرة ربما تختصر جانباً كبيراً من المأزق. فالدولة التي تمتلك قدرة كبيرة على ضبط مواطنيها، لكنها لا تمتلك القدرة نفسها على حماية استقلال قرارها، تنتج شكلاً من القوة لا ينبغي أن نخلطه بالقدرة. (تظهر هذه المفارقة، بدرجات مختلفة، في عدد من التجارب العربية التي تكون فيها أدوات السيطرة الداخلية أكثر تطوراً من قدرة الدولة على حماية استقلال قرارها في بيئة إقليمية ودولية ضاغطة.) والمجتمع الذي يستطيع الاحتجاج، لكنه لا يستطيع تنظيم قوته في مؤسسات، يمتلك فاعلية لحظية لا قدرة تراكمية. (وهذا ما ظهر في عدد من تجارب ما بعد ٢٠١١.) والاقتصاد الذي ينتج الثروة دون أن ينتج استقلالاً اجتماعياً وسياسياً، قد يصنع الثراء لكنه لا يصنع بالضرورة قدرة وطنية. (تجارب الاقتصادات الريعية العربية، وبخاصة النفطية، تجعل هذه المسألة أكثر وضوحاً: وفرة الموارد يمكن أن تبني دولة قوية مالياً من دون أن تنتج بالضرورة قاعدة إنتاجية واجتماعية واسعة.)

لهذا لا أعتقد أن المشكلة العربية يمكن حلها بإضافة مؤسسة جديدة، أو تغيير حكومة، أو استبدال نخبة بأخرى. المشكلة أعمق. نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة الدولة إلى بناء القدرة. والفرق بينهما كبير. إدارة الدولة تعني أن تبقى الدولة تعمل. أما بناء القدرة فيعني أن يصبح المجتمع والدولة أكثر قدرة، بعد كل تجربة، مما كانا عليه قبلها. إذا خرجنا من أزمة، ثم عدنا إلى النقطة نفسها، فنحن أدرنا الأزمة ولم نبن قدرة. وإذا تغير النظام ولم تتغير قدرة المجتمع على إنتاج القرار، فقد تغير النظام ولم تتغير البنية. وإذا امتلكنا موارد جديدة ولم نمتلك قدرة إنتاجية مستقلة، فقد زادت مواردنا ولم تزد قدرتنا. وإذا انتصر المجتمع في معركة سياسية ثم خسر مؤسساته، فقد حقق انتصاراً لحظياً ولم يراكم قدرة. (العراق وليبيا واليمن تقدم، كل في سياقه، أمثلة مؤلمة على الفارق بين تغيير السلطة أو تفككها وبين بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، بينما تقدم تونس مثالاً أكثر تعقيداً على أن الانتقال السياسي لا يصبح تراكمياً ما لم تسنده قدرة اقتصادية ومؤسسية واجتماعية.)

وهنا أعود إلى «الدولة غير المكتملة» التي بدأت منها. ربما لم تكن المشكلة أن الدولة العربية لم تكتمل لأنها توقفت في منتصف الطريق فحسب. ربما المشكلة أن شروط التراكم نفسها ظلت مكسورة. كل جيل يرث دولة لم تكتمل، لكنه لا يرث بالضرورة المؤسسات والخبرة والقدرة التي تسمح له بإكمال ما بدأه الجيل السابق. وهكذا لا يصبح عدم الاكتمال مرحلة مؤقتة، بل يتحول إلى حالة مستمرة. (وهذا ما يمكن ملاحظته في دول عربية شهدت تغيرات سياسية متكررة من دون أن تنجح في بناء ذاكرة مؤسسية مستقرة؛ فكل تحول يعيد ترتيب السلطة، لكنه لا يراكم بالضرورة قدرة الدولة والمجتمع على إدارة التحول التالي.)

وهنا يصبح الفرق بين الإعاقة والقدرة واضحاً. الإعاقة ليست مجرد نقص. إنها النقص حين يتحول إلى نظام يعيد إنتاج نفسه. أما القدرة فهي اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع والدولة بتحويل النقص نفسه إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تراكم. (وتكشف بعض التجارب العربية، مثل تراكم القدرات الإدارية والاقتصادية في دول الخليج أو تطور بعض المؤسسات والوسائط الاجتماعية في المغرب وتونس، أن القدرة ليست غائبة أو حاضرة بصورة مطلقة، وإنما تتوزع وتتفاوت بين مجال وآخر.)

ومن هذه الزاوية لا أرى تعارضاً بين ما يطرحه إياد وما تفتحه غانية. إياد يذكّرنا بأننا لا نستطيع أن نفهم العجز من دون فهم البنية التي جعلته ممكناً ومفيداً. وغانية تذكّرنا بأن البنية لا تتحرك وحدها، وأن هناك فاعلين يعيشون داخلها ويعيدون إنتاجها أو يحاولون تغييرها. أما السؤال الذي أراه ضرورياً بعدهما فهو: ما الذي يجعل الفاعل قادراً على تجاوز مجرد الفعل إلى بناء القدرة؟

هنا فقط يمكن أن يعود المجتمع إلى قلب النقاش. ليس المجتمع بوصفه ضحية دائمة، ولا بوصفه بطلاً رومانسياً، بل بوصفه المجال الذي تُبنى فيه القدرة أو تُفقد. فلا يمكن لدولة أن تصبح دولة مواطنين إذا ظل المجتمع خارج إنتاجها. ولا يمكن لمجتمع أن يصبح فاعلاً إذا لم يمتلك مؤسسات تحفظ فاعليته. ولا يمكن للمواطنة أن تكون أكثر من شعار إذا لم توجد قاعدة اقتصادية واجتماعية تجعل المواطن قادراً على ممارسة حقوقه. ولا يمكن للسيادة أن تكون كاملة إذا كانت الدولة لا تملك إلا القدرة على إدارة الداخل بينما تتآكل قدرتها على الفعل في الخارج.

وهنا أيضاً أجد أن الوطنية والقومية العربية لا ينبغي أن توضعا في مواجهة بعضهما. لقد عانينا طويلاً من الثنائية التي تجعل بناء الدولة القطرية خيانة للمشروع العربي، أو تجعل الانتماء العربي تهديداً للدولة الوطنية. ربما يكون الخلل في السؤال نفسه. الدولة التي لا تستطيع بناء مواطنتها لا تستطيع أن تكون قاعدة لمشروع عربي فاعل. والمشروع العربي الذي لا يستطيع أن يرفع قدرة دوله ومجتمعاته يبقى، في نهاية المطاف، أقرب إلى الخطاب منه إلى القوة التاريخية الفاعلة. المطلوب إذن ليس الاختيار بين الدولة والأمة، بل بناء دولة قادرة داخل أمة تستطيع أن توسع مجال قدرتها. (وتكشف تجارب التكامل العربي المتعثرة، من محاولات الوحدة السياسية إلى ضعف التكامل الاقتصادي، أن المشكلة لم تكن دائماً في غياب الشعور بالانتماء، بل في غياب القدرة المؤسسية التي تحول هذا الانتماء إلى مصالح مشتركة ومؤسسات مشتركة.)

ومن هنا أصل إلى موقفي. لا أعتقد أن الخروج من المأزق العربي يبدأ بإسقاط البنية في الخطاب، ولا يبدأ بإدانة الفاعلين وحدهم، ولا يبدأ باستعادة الدولة بوصفها جهازاً. يبدأ من سؤال أكثر تواضعاً وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: كيف نبني شيئاً يبقى؟ مؤسسة تبقى بعد صاحبها، خبرة تبقى بعد الأزمة، مجتمعاً لا يعود إلى الصفر بعد كل هزيمة، اقتصاداً لا يعيش بالكامل على ما يأتيه من الخارج، مجالاً عاماً يستطيع أن يحول الألم إلى معرفة، والمعرفة إلى فعل، والفعل إلى مؤسسة، ودولة لا تكون قوتها في أن يخافها مجتمعها، بل في أن يكون مجتمعها قادراً على إنتاجها ومساءلتها والدفاع عنها.

عندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث عن اكتمال الدولة، لا بمعنى اكتمالها النهائي، وإنما بمعنى خروجها من حالة التعليق التاريخي. ولذلك أظن أن المسار الذي بدأ من حوار غانية وسمير، ثم عاد في نقاش إياد وغانية، لم يعد في حاجة إلى سؤال جديد عن «من صاحب التفسير الصحيح». السؤال الذي يهمني الآن مختلف: إذا كنا قد عرفنا البنية التي أعاقتنا، وعرفنا الفاعلين الذين أعادوا إنتاجها، فهل تعلمنا بعد كل ذلك كيف نبني القدرة على تغييرها؟

لأن أخطر ما في المأزق العربي ليس أننا لم نفهم ما حدث. ربما فهمنا الكثير. الأخطر أننا كثيراً ما فهمنا، ثم عجزنا عن تحويل الفهم إلى قدرة. وهنا يصبح السؤال عن الدولة العربية سؤالاً عن أنفسنا أيضاً. ليس: لماذا لم تكتمل الدولة؟ بل: لماذا لم نستطع، حتى الآن، أن نُكمل شروط اكتمالها؟

وهذا هو الفارق بين أن نبقى أسرى تاريخنا، وبين أن نبدأ أخيراً في إنتاج تاريخ آخر.

————————————————————

هامش مفاهيمي: أقصد بـ«الإعاقة البنيوية» القيود التي تنشأ من شروط تكوّن الدولة وبنيتها التاريخية، ومن طبيعة علاقتها بالمجتمع والاقتصاد والخارج، بحيث تحدّ من قدرتها على إنتاج سيادة ومؤسسات ومواطنة مكتملة. أما «الإعاقة الوظيفية» فتشير إلى اللحظة التي لا تعود فيها الإعاقة مجرد أثر موروث، بل تصبح جزءاً من طريقة اشتغال الدولة والنظام، فتُعاد إنتاجها لأنها تخدم مصالح أو وظائف قائمة داخل البنية. أما «القدرة»، كما أستخدمها في هذا المقال، فلا تعني مجرد قوة الدولة أو قدرتها على السيطرة، وإنما قدرة الدولة والمجتمع معاً على تحويل الموارد والخبرة والفعل الاجتماعي والسياسي إلى مؤسسات مستقرة وتراكم تاريخي؛ أي أن يصبح المجتمع والدولة، بعد كل تجربة، أكثر قدرة على الفعل مما كانا عليه قبلها. ومن هنا يكون الفارق بين القوة والقدرة أن القوة قد تمكّن من السيطرة، بينما القدرة تمكّن من البناء والاستمرار والتراكم وتغيير شروط الفعل نفسها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى