الدكتور حسين عبدالبصير - حين يعود القلم إلى اليد

في صباح هادئ، وجدتني أبحث عن قلم.

لم أكن أريد أن أكتب شيئًا مهمًا. لم تكن هناك محاضرة أستعد لها، ولا خطاب رسمي أنتظر أن أنتهي منه، ولا مقال يطاردني موعد نشره. كنت أريد فقط أن أمسك قلمًا وأضعه فوق ورقة بيضاء.

فعلت ذلك.

وفجأة شعرت أنني أعود إلى مكان قديم أعرفه جيدًا.

منذ سنوات طويلة ونحن نكتب بأصابعنا أكثر مما نكتب بأيدينا. لوحة المفاتيح اختصرت الطريق، والهاتف جعل الكتابة ممكنة في كل لحظة، وصارت الكلمات تظهر على الشاشة قبل أن نشعر بثقلها. نكتب بسرعة، نمحو بسرعة، نعيد ترتيب الجمل في لحظة، ثم نضغط زرًا فتصبح الصفحة جاهزة.

لكن شيئًا ما ضاع في الطريق.

ضاعت تلك المسافة الصغيرة بين الفكرة واليد.

عندما نمسك القلم، لا تأتي الكلمة بالسرعة نفسها. تتردد قليلًا. تفكر قبل أن تظهر. تتحول الفكرة في الرأس إلى حركة في اليد، ثم إلى حبر فوق الورق. وبين هذه المراحل يولد شيء لا تمنحه لوحة المفاتيح بسهولة: الإحساس بأنك أنت الذي كتبت.

كنت أحب في الكتابة بالقلم أن الصفحة تعرف صاحبها.

للخط مزاج. له سرعة وانفعال وتعب وفرح. يمكن أن تعرف من شكل الكلمات إن كان صاحبها مستعجلًا أو هادئًا، غاضبًا أو سعيدًا، مرهقًا أو ممتلئًا بالحياة. أحيانًا تكشف الكتابة اليدوية عن الإنسان أكثر مما تكشفه الكلمات نفسها.

الورقة أيضًا لا تشبه الشاشة.

للورق رائحة وملمس وصوت. يمكن أن تقلبه، تطويه، تضع عليه خطًا، تكتب في الهامش، تضع دائرة حول كلمة، ثم تعود بعد أيام فتجد أثر اللحظة القديمة أمامك. أما الشاشة فتمحو الماضي بسهولة شديدة. كلمة كتبتها منذ دقيقة يمكن أن تختفي كأنها لم تكن.

ربما لهذا السبب أشعر أن العودة إلى القلم ليست عودة إلى الماضي، وإنما محاولة لاستعادة شيء من البطء الذي فقدناه.

نحن نعيش في زمن سريع إلى درجة تجعل الإنسان أحيانًا لا يعرف ماذا يريد، لأنه لم يمنح نفسه وقتًا كافيًا لكي يعرف.

الكتابة بالقلم تجبرك على التمهل.

حين أكتب باليد، لا أستطيع أن أقفز فوق الفكرة بسهولة. أكتب جملة، ثم أتوقف. أنظر إليها. أغير كلمة. أشطب أخرى. أترك مساحة. أضع علامة استفهام في الهامش. أحيانًا أكتب كلمة ثم أعود إليها بعد دقائق فأكتشف أنها لم تكن الكلمة التي أبحث عنها.

هذه الأخطاء الصغيرة جزء من الكتابة.

بل ربما هي الكتابة نفسها.

فالإنسان ليس آلة تنتج جملًا مصقولة. الإنسان يتردد، ويتراجع، ويكتشف نفسه وهو يكتب. لذلك أحب الصفحة التي تحمل آثار التفكير: كلمة مشطوبة، جملة ناقصة، سهم يصل بين فكرتين، وملاحظة كتبت على عجل في طرف الورقة.

كل ذلك يجعل النص حيًا.

أتذكر دفاتر الدراسة القديمة، ودفاتر الملاحظات التي حملتها في مراحل مختلفة من حياتي. بعض الصفحات لم تعد مهمة، لكنني عندما أراها أتذكر أين كنت، وماذا كنت أفكر، ومن كانوا الأشخاص الذين ملأوا تلك السنوات.

الخط يحفظ الزمن.

قد تنسى تاريخًا، لكنك عندما ترى صفحة كتبتها بيدك قبل عشرين عامًا يمكن أن يعود إليك صباح كامل كنت قد ظننت أنك نسيته. يعود المكان، والوجوه، والقلق، والحلم، وحتى شكل الضوء في الغرفة.

لهذا تبدو لي الكتابة اليدوية أحيانًا مثل نوع من التصوير.

نحن لا نصور الأشياء فقط، بل نصور أنفسنا من دون أن ندري.

القلم كان رفيقًا في لحظات كثيرة من حياتنا. كتبنا به رسائل الحب، وطلبات العمل، وواجبات المدرسة، وملاحظات المحاضرات، وأسماء الأشخاص الذين أحببناهم، وربما أسماء الذين حاولنا أن ننساهم.

كتبنا بالقلم ما لم نستطع قوله بصوت مرتفع.

وهذه واحدة من أجمل وظائف الكتابة.

أن تمنح الإنسان مكانًا يقول فيه ما لا يستطيع قوله أمام الآخرين.

ربما لهذا أشعر هذه الأيام برغبة في العودة إلى الدفتر.

ليس لأن التكنولوجيا سيئة. بالعكس، لقد جعلت الكتابة أسرع وأسهل، وفتحت أمام الكاتب أبوابًا لم تكن موجودة من قبل. وأنا أستخدم الكمبيوتر والهاتف يوميًا، وأعرف قيمتهما جيدًا.

لكن الإنسان يستطيع أن يحب الجديد دون أن يتخلى عن القديم.

أستطيع أن أكتب كتابًا على الكمبيوتر، ثم أجلس في المساء مع دفتر صغير وقلم أكتب فيه فكرة واحدة فقط.

أستطيع أن أترك الهاتف بعيدًا، وأجلس أمام ورقة لا تطلب مني شيئًا.

لا إشعار.

لا رسالة.

لا بريد إلكتروني.

لا خبر عاجل.

فقط ورقة بيضاء وقلم.

في تلك اللحظة أشعر أنني لا أكتب لكي أنجز.

أكتب لكي أسمع نفسي.

ربما يكون هذا هو الحنين الحقيقي للقلم.

ليس الحنين إلى أداة قديمة، وإنما إلى زمن كانت فيه الأشياء تحتاج إلى وقت، وكانت الأفكار تمر عبر اليد قبل أن تصل إلى العالم.

نحن نحتاج أحيانًا إلى أن نبطئ حياتنا قليلًا، لا لكي نهرب من العصر، وإنما لكي نستطيع أن نعيش داخله بوعي أكبر.

ولهذا سأعود إلى القلم.

سأترك بعض الصفحات بيضاء.

سأكتب بخط يدي، حتى لو لم يكن جميلًا.

سأشطب، وأخطئ، وأعيد الجملة.

وسأترك في نهاية الصفحة أثر يدي.

فربما، بعد سنوات، أعود إليها فأجدني هناك.

أنا الذي كنت أكتب.

وأنا الذي كنت أحاول، بكل ما أملك، أن أفهم الحياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى