يحيى بركات - من شيرين أبو عاقلة إلى آمال خليل: حين يصبح الإفلات من العقاب هو الزناد

حين نقف أمام المشهد، نحن لا نبحث عن ربط شكلي أو مقارنة باردة بين الأسماء؛ نحن نفتح المعادلة كلها من جذورها. الصحفي في هذه البلاد ليس هدفاً منفصلاً، بل هو الامتداد الطبيعي للمدني، والشاهد الذي يُقتل لأنه "يشهد"، يُقتل بذات المنطق الذي يُقتل به من "يُشاهَد". إنها حكاية تبدأ برصاصة، وتستمر لأن العالم قرر أن يغمض عينيه عن القاتل، مانحاً إياه "الرخصة" ليفعلها مرة أخرى، وألف مرة.

في جنين، لم تكن شيرين أبو عاقلة تبحث عن بطولة عابرة، كانت ابنة تلك الأزقة، تعرف كيف تقف، وكيف ترصد، وكيف تترك مسافة للأمان. وقفت بوقارها المعهود، ترفع ميكروفونها، وعلى صدرها كلمة واحدة تختصر وجودها: "PRESS". لم تكن هناك فوضى، ولا اشتباك يبرر "الخطأ". كان هناك جندي، وكانت هناك رصاصة قناص مباشرة في الرأس. سقطت شيرين، لكن الحقيقة ظلت معلقة في الهواء، واضحة كالشمس: صحفية، معروفة، غير مسلحة.. قُتلت بدم بارد.
هنا، وقف العالم أمام اختباره الأخلاقي الأول. الصورة كانت جاهزة، والشهود حاضرون، والتحقيقات الدولية لاحقاً أكدت ما رأته الأعين. لكن، ماذا حدث؟ لم يُستدعَ جندي، ولم تُفتح محكمة، ولم يُفرض ثمن. وفي تلك اللحظة تحديداً، لم يُغلق ملف شيرين، بل فُتح باب واسع أمام القاتل، باب يهمس له: "يمكنك أن تضغط الزناد مرة أخرى، ولن يسألك أحد".
ومن هذا الباب، دخل القتل إلى غزة على مصراعيه. هناك، لم يعد القصف يفرق بين الكاميرا والجسد. عمارات تسقط، غرف تنضغط فوق ساكنيها، أم تحاول حماية طفلتها من سقف يهتز، وصراخ يبتلعه الغبار. حين تُرفع الحجارة، لا أحد يسأل من كان صحفياً ومن كان مدنياً؛ فالجميع في ميزان الموت واحد. أكثر من 28 ألف امرأة وفتاة، لسن مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هن مدن كاملة من الحياة أُطفئت. والصحفي الذي كان يوثق هذا الانطفاء، قُتل في المشهد نفسه، ليس لأنه أخطأ المكان، بل لأنه كان في المكان الصحيح.. حيث الحقيقة التي لا يريدها القاتل.
هذه الروح التي تسجل في غزة، هي ذاتها التي تراقب في الضفة؛ حيث الحكاية لا تحتاج لحرب مفتوحة. ليلة واحدة تكفي ليكسر جندي باباً، ويُسحب شاب من سريره، ولتمر جرافة تقتلع شجرة زيتون عمرها أكبر من عمر الجنود الذين يقتلعونها. وفي القدس، حين يُفتح باب المسجد الأقصى، لا يكون ذلك إيذاناً بالصلاة، بل إيذاناً باقتحام يزيح المكان خطوة أخرى نحو الوراء.
ثم ننتقل بالكاميرا إلى الجنوب اللبناني، إلى بلدة الطيري. آمال خليل لم تكن زائرة عابرة، كانت ابنة الأرض، تعرف القرى كما يعرف الإنسان تفاصيل بيته. في ذلك اليوم، كانت مع زميلتها زينب فرج. سيارة تُقصف أمامهما، تجريان للاحتماء في بيت عادي، جدران وسقف ظنا أنهما ملجأ. يتم الاتصال، التنسيق، إبلاغ الجهات المعنية أن هناك صحفيتين محاصرتين. الجميع يعلم مكانهما، ومع ذلك، تأتي الطائرة، وتأتي الضربة، ويُقصف البيت نفسه. زينب تُصاب وتُخرج، وآمال تبقى تحت الركام لساعات، في انتظار إذن لم يأتِ إلا بعد أن فارقت الروح الجسد.
لو توقفنا هنا، قد يقول قائل: "هذه هي الحرب". لكن الحقيقة أعمق وأبسط. لو حوسب قاتل شيرين أبو عاقلة في جنين، هل كان جندي آخر سيتجرأ على قصف بيت في لبنان يضم صحفيتين معروفتين؟ لو كان هناك ثمن، هل كان القتل سيبدو بهذه السهولة وهذا الاستهتار؟
المسألة ليست في تفاصيل الحوادث، بل في "القاعدة" التي كرسها الصمت الدولي. حين يقتل القاتل ولا يُعاقب، يتعلم أن القتل ممكن، ثم يتعلم أنه سهل، وفي النهاية يوقن أنه بلا ثمن. وفي مكان آخر من العالم، نرى العجب؛ حين تعتقل إيران شخصاً يُشتبه بارتباطه بـ الموساد، تقوم الدنيا ولا تقعد. تتحرك العواصم، وتصدر البيانات، ويظهر دونالد ترامب غاضباً، وتُستحضر كلمات "حقوق الإنسان" و"العدالة" و"القانون". لكن هنا، حين يُقتل الفلسطيني، أو يُعتقل، أو يُشرّع الكنيست قوانين لإعدامه، يصمت العالم. ليس لأن القانون غائب، بل لأن تطبيقه "انتقائي"، يُقرأ حين يكون الضحية مناسباً، ويُنسى حين يكون القاتل إسرائيل.
شيرين لم تكن البداية، وآمال ليست النهاية؛ ما بينهما طريق طويل عُبّد بالصمت. لم تعد المشكلة اليوم في أن الصحفي أو المدني يُقتلان، المشكلة الكبرى هي أن القاتل لم يعد يخاف. ولو خاف مرة واحدة بعد شيرين، لربما فكر مليون مرة قبل أن يضغط الزناد في غزة، أو يقصف بيتاً في جنوب لبنان. لكن حين غاب الخوف من الحساب، حضر القتل بكل وحشيته، وانكشفت الحقيقة المرة: أن العالم يرى، ويقرر ألا يفعل شيئاً.
الخاتمة:
في عالمٍ يدّعي أنه يحكمه القانون،
لا تُقاس العدالة بالنصوص… بل بمن يُطبَّق عليه النص.
صحفي يُقتل في أوكرانيا…
فتتحرك أوروبا، تُعقد الاجتماعات، تُفرض العقوبات، وتُستدعى الأخلاق من أعلى الرفوف.
ومئات الصحفيين يُقتلون في فلسطين ولبنان…
فلا تُستدعى حتى الكلمات.
وهنا، لا يعود السؤال: من القاتل؟
بل: من قرر أن هذا القاتل… لا يُحاسَب؟
حين تصبح العدالة انتقائية،
تفقد معناها،
وحين يفقد القانون حياده،
يتحول من أداة حماية… إلى غطاء.
وفي هذه اللحظة بالذات،
لا يُقتل الصحفي وحده،
ولا يُقتل المدني وحده…
بل يُقتل الإيمان نفسه
بأن هذا العالم… يمكن أن يكون عادلاً.

يحيى بركات
مخرج وكاتب
23/4/2026





1776906998786.png 1776907037649.png


1776907097533.png 1776907115359.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى