د. سيد شعبان - تساؤل...

لا أدري ما الذي جعلني أسرد كل تلك الحكايات؟
هل لأنني أخفقت أن أحقق كل أحلام الشتاء الطويل ومن ثم استعضت عن هذا كله بتلك الكتابات التي لن يقرأها أحد، يبدو أن هذا داء الذين فقدوا ذاكرتهم ومن ثم بدأوا في لوك خيالاتهم، لست معنيا بغير تلك الحروف أسرج مصباحي وأدون النتف وراء الأخرى، لن يقرأ الآخرون ليس لعجز فيهم ولكن لأن إيقاع الحياة تغير كثيرا، اهتماماتهم لم تعد القراءة، فالعصر مصاب بمتلازمة السلطة والثروة، السلطة تسخر من الحكايات تراها زائدة دودية، والثروة تبحث عن الأرصدة لا السطور المحبرة.
كثير من حكاياتي واقع غلف بالرمز من حيوات السابقين ومن أنفاسهم، ذهبوا بعيدا وهذا ميراثهم أنتهبه أدونه في سرد شبه يومي.
تبادرت إجابة إلى نفسي، أنا أسرد لكي أقاوم الموت، أحارب طواحين الهواء، أحاول أن أوجد سببا للحياة المثقلة.
لا أدري متى أمسكت بالقلم، تقول أمي إنني يوم ولدت لم تجد ما تدثرني به غير لفافة من أوراق الصحف، ومن يومها وهذه تسرق زمني، أمسكت بالقلم يوم رسمت الحروف المصورة على واجهات المحال والبنايات في الحارات وشوارع المدينة التي بلا قلب.
سرد وراء آخر، أحلام مسروقة؛ فالغيلان تقف عند بوابتها الحجرية، رغم أن المارين مدجنون كما أرادوا، يتسربون لا يشعر بهم أحد؛ تسخر منهم الحوائط والطرقات، إنهم حشرات زائدة بل فضلات آدمية تبيدها مصانع الدمار الشامل.
يبدو أنني مجنون أمسك بقلمه، فالبنايات الصفراء علاج كما الأقبية غل لهؤلاء الذين تراودهم أحلام فجر جميل.
للكتابة عندي طقوس لا تتغير، أغلق النافذة حتى لا تنكشف أسراري؛ فالعصافير تتلصص على المفردات لتغزل منها العش، أرتشف من كوب الشاي، أهرب من عالمي لأوجد مفتاحا للأبواب المغلقة.
هذا التساؤل لا أجد له إجابة واحدة، كل ما سلف يبدو غير منطقي؛ أكتب لأتنفس خارج دائرة الحصار المفروض علي منذ ولدت حتى الدثار الذي ربما يتكفل بي، أخاف الموت ذلك الوحش المفترس، كل يوم يغرس أنيابه، أهرب منه، أقاومه طالما أمسكت بقلمي، أما حين يحال بيني وبينه فستكون تلك نهايتي!
أكره أن أكون الحمل الوديع، أعانق الحوائط المزينة بشارات الحياة، فالمدجنون خطر على العالم، يحيلون الشمس إلى ذبالة تراقصها الريح، ترى لو لم يكره الحالمون كل سواد الليل هل كان بالإمكان أن ينظروا القمر؟
هذه كتاباتي بقية من زجاجة العطر التي لامست راحتي يوم أن منحوني وظيفة مدون القبيلة أو صاحب خزانة الأوراق في بلاط الوالي، تملكني الزهو، ومن يومها وأنا أسير في المحروسة مجنونا، كم سخروا من تلك الحرفة التي تذر صاحبها عاريا كيوم ولدته أمه!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى