يحيى بركات - من خارج الكادر… إلى صورةٍ كُتبت بالدم حكاية السينما حين صُنعت للسلطة… ثم انتُزعت للحقيقة

لا تبدأ الحكاية من فيلم.
ولا من مهرجان.
ولا من ممثل يقف تحت الضوء ويقول جملة كُتبت له بعناية.
تبدأ من مكانٍ أبعد قليلًا.
من الظل الذي يسبق الصورة.
من العالم الذي لا يظهر في الكادر… لكنه يقرّر من سيظهر فيه.
هناك، في تلك المسافة التي لا تُصوَّر، تتحرك الأسماء التي لا تضع توقيعها على الأفلام، لكنها تلامس المال، تلامس النفوذ، تلامس الأبواب التي تُفتح من الداخل ولا تُرى من الخارج. ومن هنا يمكن أن يمر اسم مثل جيفري إبستين لا بوصفه صانع سينما، ولا بوصفه كاتبًا أو منتجًا، بل كإشارة إلى تلك المنطقة التي تُصنع فيها البيئة التي تُنتج الصورة. لا فيلم له، لا قرار له داخل استوديو، لكن وجوده القريب من هذا العالم يذكّرنا أن ما سنراه لاحقًا لم يبدأ على الشاشة، بل قبلها بكثير.
ومن هذه العتبة… ندخل إلى هوليوود.
هوليوود لم تُبنَ بوصفها جهاز دعاية.
لم يجلس مؤسسوها ليكتبوا بيانًا سياسيًا عن العالم.
كانت في بدايتها بابًا خلفيًا، ملاذًا، مساحة مفتوحة لمهاجرين—كثير منهم يهود—جاؤوا من أوروبا، من شرقها ووسطها، يحملون خوفهم وذكاءهم معًا، ويبحثون عن مكانٍ في بلدٍ لم يكن يفتح أبوابه بالتساوي للجميع.
أسماء يجب أن تُقال كما هي، لا كشعارات بل كوقائع:
لويس بي. ماير.
أدولف زوكور.
كارل لايمل.
الإخوة وارنر.
هؤلاء لم يأتوا ليصنعوا “مشروعًا صهيونيًا” في هوليوود.
جاؤوا ليصنعوا صناعة.
ليثبتوا وجودًا.
ليفتحوا لأنفسهم بابًا في عالمٍ كان مغلقًا في وجوههم في مجالات أخرى.
لكن…
الصناعة، حين تكبر، لا تبقى صناعة.
تصبح ذاكرة.
تصبح القدرة على أن تقول للعالم، بهدوء، دون خطابة مباشرة:
هذا هو البطل.
هذا هو الخطر.
هذا هو الذي يجب أن تحبه… وهذا الذي يجب أن تخشاه.
ثم جاءت أوروبا وهي تحترق.
جاءت المحرقة.
جاءت تلك اللحظة التي انكسر فيها المعنى، واحتاج العالم إلى قصة يفهم من خلالها ما حدث.
هنا لم تعد السينما ترفيهًا.
أصبحت ضرورة أخلاقية.
لم تقل: هذه الحقيقة الكاملة.
قالت: هذه الزاوية.
وفي هذه الزاوية، تشكلت صورة قوية جدًا:
اليهودي ضحية نجت.
العالم صامت خذلها.
النجاة بطولة.
ثم، من هذه الزاوية، تحوّل الامتداد إلى دولة.
وأصبح الإسرائيلي، في المخيال السينمائي، امتدادًا لتلك النجاة.
أفلام مثل “إكسودس” لم تكن مجرد عمل فني ناجح.
كانت إعادة كتابة بداية كاملة.
لم تُخترع القصة من العدم، لكنها أُعيد ترتيبها.
أُعيد توزيع الضوء فيها.
والضوء، في السينما، ليس بريئًا.
الضوء يقرر من يُرى بوضوح… ومن يبقى في العتمة.
في هذه الإضاءة، دخل العربي إلى الكادر متأخرًا، ناقصًا، بلا عمق كافٍ، بلا تاريخ مركّب، أو بوظيفة درامية جاهزة:
العائق.
الغضب.
الخطر.
لم يُكتب كإنسان كامل.
بل كوظيفة.
وهكذا…
لا تحتاج إلى تشويه الآخر صراحة.
يكفي… أن لا تكتبه بالكامل.
لكن إذا عدنا أبعد قليلًا، سنجد أن استخدام الصورة سياسيًا لم يبدأ في هوليوود أصلًا.
بدأ قبل ذلك.
في الثلاثينيات…
حين لم تعد الكاميرا بريئة.
لم تكن مجرد أفلام.
كانت مشروعًا.
مشاهد طويلة لحقول تُحرث.
شباب يزرعون.
نساء يبتسمن تحت شمسٍ تبدو وكأنها تشرق لأول مرة على هذه الأرض.
لا صوت للفلاح الذي كان هنا.
لا أثر لقرية قائمة.
لا ظل لذاكرة.
الصورة تقول شيئًا واحدًا:
هذه أرض تنتظر.
مؤسسات مثل الصندوق القومي اليهودي، وحركات الاستيطان المبكرة، لم تستخدم الكاميرا لتوثيق الواقع، بل لإعادة صياغته. فهمت مبكرًا أن من يزرع الصورة… يحصد الوعي.
كانت الأفلام تُعرض في أوروبا وأمريكا.
في قاعات صغيرة.
أمام جمهور يبحث عن أمل بعد حربٍ وانهيار.
فيُقال له، دون تصريح مباشر:
هناك مكان.
أرض حليبٍ وعسل.
أرض بلا شعب.
وفي نفس اللحظة…
كانت فلسطين تُرى… لكنها لم تُروَ.
مرّت الكاميرات منذ أيام الأخوين لوميير.
صوّرت الشوارع، الوجوه، الأسواق، الحياة العادية.
كانت الأرض مليئة.
لكن هذه الصور بقيت لقطات… بلا رواية.
بينما هناك، في مكان آخر،
كانت الرواية تُبنى بعناية.
ثم…
جاء الصمت.
عام 1948.
لم تتوقف الكاميرا فقط…
توقفت الحكاية.
شعب يُهجّر.
مدن تُفرغ.
استوديو لم يولد… يُغلق قبل أن يُفتح.
السينما الفلسطينية التي كانت يمكن أن تنمو، لم تتوقف لأنها ضعيفة فقط، بل لأن المجتمع نفسه تعرّض للاقتلاع. المخرج صار لاجئًا. الجمهور صار لاجئًا. المكان الذي كان يمكن أن يحتضن الفيلم… اختفى أو تغيّر جذريًا.
لم تُهزم السينما.
انقطعت.
ثم…
عادت.
لكن هذه المرة، لم تعد من باب الاستوديو.
عادت من الخندق.
هنا يجب أن تُقال الأسماء كما هي، لأنها ليست تفصيلًا في الهامش، بل بداية الطور الحديث الفعلي:
سلافة جاد الله.
هاني جوهرية.
مصطفى أبو علي.
معهم تأسست وحدة أفلام فلسطين في أواخر الستينيات.
وهنا تغيّر كل شيء.
لم تعد السينما صناعة.
كانت فعلًا.
كاميرا على الكتف.
فيلم يُهرّب كما تُهرّب الرسائل.
صورة تقاوم… لا تزيّن.
سلافة جاد الله لم تكن “أول مصورة” فقط.
كانت في قلب هذا الفعل.
حين أُصيبت وهي تعمل، لم تخرج من الحكاية… بل أصبحت جزءًا من معناها.
هاني جوهرية لم يكن مصورًا فقط.
كان شاهدًا يدخل إلى قلب الحدث.
استشهد وهو يصوّر.
هنا…
الكاميرا ليست أداة.
هي موقع اشتباك.
أما مصطفى أبو علي، فقد حاول أن يعطي لهذا الفعل شكلًا، أن يبني أرشيفًا، أن يحوّل الصورة من لحظة عابرة إلى ذاكرة.
ثم، مع الوقت، تغيّر الإيقاع.
خرجت السينما من صوت البندقية…
إلى صوت الإنسان.
ميشيل خليفي.
إيليا سليمان.
رشيد مشهراوي.
لم تعد الحكاية فقط “نحن نقاوم”.
بل أصبحت:
نحن نعيش… رغم كل شيء.
في “عرس الجليل”، لم يكن الفلسطيني فقط في موقع المواجهة، بل في موقع الحياة.
في أفلام إيليا سليمان، صار الصمت نفسه لغة، وصارت المفارقة تكشف ما لا تقوله الخطابات.
وفي سينما رشيد مشهراوي، خرجت غزة من كونها خبرًا سياسيًا إلى كونها حياة يومية مكتملة.
ثم…
وصلت السينما الفلسطينية إلى العالم.
هاني أبو أسعد.
“الجنة الآن”.
“عمر”.
لم يعد الفيلم الفلسطيني محليًا فقط.
دخل المهرجانات الكبرى.
وصل إلى الأوسكار.
لم يعد الفلسطيني يطلب أن يُرى.
أصبح… يُرى.
وفي الوثائقي، جاءت مي المصري، لتدخل إلى قلب الحياة التي لا تُرى: النساء، الأطفال، المنفى، التفاصيل التي لا تحتمل الاختزال.
ثم آن ماري جاسر، التي أعادت وصل التاريخ بالحاضر، لتقول إن ما يحدث ليس لحظة منفصلة، بل سلسلة طويلة.
وهكذا…
إذا نظرنا إلى المسار كله، نفهم شيئًا واحدًا:
السينما الفلسطينية لم تولد متأخرة.
هي وُلدت… ثم قُطعت… ثم عادت.
واليوم…
لم تعد الكاميرا حكرًا على أحد.
الهاتف نفسه صار كاميرا.
والبث المباشر صار نافذة.
جيل جديد في العالم يرى غزة بلا مونتاج، بلا وسيط، بلا إعادة كتابة مسبقة.
يرى ما لا يمكن تجميله.
ولا يمكن إخفاؤه بسهولة.
وهنا…
تنهار الزوايا القديمة.
لم يعد ممكنًا أن تبقى الحكاية كما كُتبت في الثلاثينيات،
ولا كما أعادت هوليوود صياغتها لاحقًا.
لقد قيل يومًا: هذه أرض بلا شعب.
لكن الشعب لم يختفِ.
لم يغادر الصورة.
بل عاد… بالكاميرا.
عاد بالصوت.
عاد بالفيلم.
عاد بالأرشيف.
عاد بالبث المباشر الذي جعل الدم نفسه يكتب ما لم تُرد الشاشات أن تقوله.
الخاتمة
ليست المشكلة أن السينما كذبت.
بل أنها اختارت.
اختارت زاوية… وكررتها… حتى بدت كأنها العالم كله.
لكن هناك لحظة…
تخرج فيها الحكاية من يد من يكتبها.
حين لا تعود الكاميرا كافية.
ولا المونتاج.
ولا حتى السردية.
حين تصبح الحياة نفسها… هي الفيلم.
وهنا، كصانع صورة، أقول ما أؤمن به:
السينما ليست ما نُصوّره فقط…
بل ما نقرر ألا نُصوّره.
وإذا كانت السينما، عبر تاريخها، قد ساهمت في إخفاء شعب…
فإن ما يحدث اليوم يقول شيئًا آخر:
لن يبقى أحد خارج الكادر بعد الآن.
حتى لو لم تكن هناك كاميرا.
لأن الدم…
حين يُكتب…
يصير هو الصورة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
18/4/2026

1776523799375.png


1776523851091.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى