يحيى بركات - أحيانًا… لا ينتهي النص عند النقطة

أحيانًا…
لا ينتهي النص عند النقطة.
بل يبدأ… من هناك.
ما سيأتي ليس ردًا على مقال،
ولا دفاعًا عن فكرة،
بل حركة كاميرا أخرى…
فُتحت بعد قراءة تعليق
د. غانية ملحيس على النص السابق.
تعليقٌ لم يقف عند ما كُتب،
بل ذهب إلى ما يصنعه.
ومن هنا…
لم يعد ممكنًا البقاء داخل المشهد،
بل صار لزامًا أن نخرج قليلًا…
لنرى ما لا يُرى.

حين لا يعود الجدار جدارًا
هذا النص…
لم يُكتب بعد المقال،
بل بعد ما كُتب عليه.
حين يتحول التعليق إلى عدسة،
والقراءة إلى كشف…
لا يعود النص كما كان.
هذه ليست متابعة لنص…
هذه قفزة إلى ما خلف النص.
الكاميرا هذه المرة…
لا تبدأ من البيت.
ولا من الحاجز.
ولا من الشاحنة.
تبدأ من مكانٍ لا يُرى.
من فكرةٍ تعمل… بصمت.
في المشهد السابق،
كان كل شيء واضحًا بما يكفي لنبكي:
عامل يختبئ داخل شاحنة نفايات،
أبٌ يحسب ما تبقى من كرامته،
مدينةٌ تتجاور فيها الواجهات المضيئة مع العتمة.
كان الألم قريبًا…
مرئيًا…
يكاد يُلمس.
لكن القرب، أحيانًا، يخدع.
لأنه يجعلنا نرى ما يحدث…
ولا نرى كيف يحدث.
ليس لأن الطريق أُغلق…
بل لأن الطرق كلها… أُعيد رسمها.
بهدوء.
بدقة.
وبصبرٍ يشبه الزمن نفسه.
لم يعد هناك جدار نقف أمامه ونقول: هذا هو.
الجدار لم يختفِ…
هو فقط… تفتّت.
صار في أشياء صغيرة:
في راتبٍ لا يكفي،
في تصريحٍ يُمنح ويُسحب،
في ساعة انتظارٍ لا تُحتسب،
في سوقٍ يعيد توزيع الخسارة كأنه يوزع فرصًا،
في مدينة تُضيء… كي لا تُرى عتمتها.
الجدار لم يعد يُواجه…
بل يُعاش.
بهذا المعنى،
لم يعد العامل يمرّ عبر الحاجز.
هو يسير داخله…
طوال الوقت.
ما نراه ليس خللًا في النظام.
بل النظام… وهو يعمل.
الشاحنة لا تظهر لأن شيئًا انهار،
بل لأنها تؤدي وظيفتها،
كجزءٍ من بنيةٍ تعرف كيف تدفع الإنسان خطوةً إضافية نحو الحافة… دون أن تسقطه دفعة واحدة.
السقوط المفاجئ يُقاوَم.
أما السقوط البطيء… فيُعتاد.
في لحظةٍ بعيدة،
كتب غسان كنفاني سؤاله:
لماذا لم يطرقوا الخزان؟
كان السؤال أخلاقيًا،
حادًا،
كأنه يطلب من الموتى أن يدافعوا عن أنفسهم.
اليوم…
يبدو السؤال مختلفًا.
ليس لأننا تعلمنا الجواب،
بل لأن الخزان نفسه… تغيّر.
لم يعد خزانًا واحدًا،
يمكن أن يُطرق.
صار شبكة.
شبكة لا جدار لها،
ولا صوت لها،
ولا نقطة واحدة يمكن أن تضع يدك عليها وتقول: هنا يجب أن أطرق.
في رجال في الشمس،
كانوا يموتون لأنهم لم يطرقوا.
أما هنا…
فنحن نعيش داخل خزانٍ لا يسمع الطرق.
وهنا تتغير طبيعة المأساة.
لم تعد في الصمت فقط،
بل في أن الصوت نفسه… فقد معناه.
المدينة التي نراها ليست انقسامًا بين عالمين.
ليست واجهةً مضيئة وأخرى مظلمة.
هي تصميم.
تصميم دقيق لاقتصادٍ يُنتج الواجهة،
ويُنتج، في الوقت ذاته، من يقف أمامها… عاجزًا عن الدخول.
ليس هناك فيلمٌ وآخر.
هناك سيناريو واحد،
موزّع بعناية،
لكلٍّ فيه دوره،
وحدوده،
وإمكانه المحدد سلفًا.
وفي قلب هذا السيناريو،
يتغير معنى “نحن”.
لا تختفي فجأة.
لا تُهزم بضربة واحدة.
تُعاد كتابتها… ببطء.
حتى يصبح كل فردٍ فيها
مشروع نجاةٍ منفردة.
حتى يصبح الآخر
ليس امتدادك…
بل احتمال خسارتك.
وهكذا،
لا يعود المجتمع جسدًا واحدًا،
بل حشدًا من الأفراد
يتجاورون… دون أن يلتقوا.
في مكانٍ آخر من الكادر…
غزة.
ليست ذروة الألم فقط،
بل اختصاره.
هناك،
تصل البنية إلى أقصاها دفعة واحدة:
قصف،
جوع،
محو.
وهنا…
تعمل البنية نفسها،
لكن بإيقاعٍ أبطأ:
إنهاك،
تآكل،
تنظيم تفاوت،
إعادة تشكيل للحياة… على حافة العدم.
الفرق ليس في الجوهر،
بل في السرعة.
لهذا…
لا يكفي أن نسأل: كيف ننجو؟
النجاة، في هذا السياق،
قد تكون جزءًا من المشكلة.
لأنها، حين تُترك للفرد وحده،
تتحول إلى آلية داخل النظام نفسه،
تعيد إنتاجه… بدل أن تكسره.
السؤال الحقيقي…
ليس كيف نطرق الجدار.
بل:
كيف نرى الجدار…
حين لا يعود جدارًا؟
كيف نراه…
وهو موزّع بين القانون،
والسوق،
والسلطة،
والوقت،
واللغة،
والخوف الصغير الذي يسكن القرارات اليومية؟
كيف نراه…
قبل أن يعيد تشكيلنا على صورته؟
لأن الخطر ليس في الشاحنة وحدها.
الخطر…
أن يصبح ما خارجها
امتدادًا لها.
أن تتحول المدينة كلها
إلى خزانٍ أكبر،
أكثر أناقة،
أكثر إضاءة…
لكن بالمنطق نفسه.
هنا…
لا تعود الكاميرا مجرد أداة.
تصبح موقفًا.
لأن الكاميرا التي ترى الألم…
تجعلنا نشعر.
أما الكاميرا التي ترى البنية…
فقد تجعلنا نفهم.
وبين الشعور والفهم…
توجد المسافة الوحيدة
التي يمكن أن يبدأ منها شيء مختلف.
ربما لم يعد السؤال:
لماذا لم يطرقوا؟
وربما لم يعد السؤال:
هل ما زال هناك جدار يُطرق؟
ربما السؤال الآن…
أبسط، وأخطر:
كيف نخرج…
من مشهدٍ
صُمّم
كي لا يُغادره أحد؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15/4/2026



FB_IMG_1776204956418.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى