علي سيف الرعيني -| الركض بين القبور !!

تحت شمس لاهبة لا تعرف الرحمة كنا نركض بين القبور نتبادل الضحكات ونخترع ألعابا لا تشبه ألعاب الأطفال الذين عرفوا الحدائق والساحات الآمنة كانت الأرض جافة والحجارة ساخنة والهواء مثقلًا بالغبار فيما كانت شجيرات الوبل الصغيرة تتشبث بالتربة في عناد غريب تمد جذورها في أرض شحيحة الماء وتمنح المكان شيئًا من الخضرة التي تأبى الاستسلام
لم أكن يومها أدرك المفارقة التي تحاصرني الآن كلما استعدت تلك المشاهد كيف يمكن للطفولة أن تضحك في حضرة الموت؟ وكيف يستطيع طفل أن يطارد الحياة فوق أرض تضم أجساد الذين انتهت حكاياتهم؟ لعلنا كنا صغارًا إلى الحد الذي يجعل الموت مجرد اسم لا نفهمه أو لعل الفقر يأخذ من الطفولة بعض دهشتها فيجعلها تتكيف مع القسوة قبل أن تتعلم كيف تعترض عليها
في تلك المقابر لم تكن الألعاب وحدها ما يشغلنا كان هناك أطفال يتنقلون بين اللعب وبقاءالمتفرج لم تكن المسافة بين الضحكة والحاجة طويلة لحظة واحدة تفصل طفلًا يركض خلف أقرانه عن طفل يراقب وجوه العابرين بحثًا عن صدقة تسد رمق جوعه
وكنت أتساءل ربما من دون أن أستطيع صياغة السؤال كاملا لماذا يحتاج بعض الأطفال إلى التسول بينما يجد آخرون ما يكفيهم؟ ولماذا تبدو الحياة سخيةً مع أناس، وشحيحةً إلى هذا الحد مع أناس آخرين؟ ومن الذي قرر أن يكون نصيب طفل من الدنيا لعبةً جديدة بينما لا يجد طفل آخر سوى الغبار ووجوه المارة وأملٍ صغير في أن يلتفت إليه أحد؟
كانت أسئلتي أكبر من عمري ولم يكن في المقابر من يملك إجابات عنها حتى الكبار الذين اعتادوا المشهد، كانوا يمرون أحيانًا وكأنهم لا يرون شيئًا. وربما كانت قسوة الأيام قد علمتهم كيف يواصلون السير من دون أن يتوقفوا طويلًا أمام وجع الآخرين
لكن ما كان يوجعني أكثر حين أستعيد تلك الذاكرة ليس الفقر وحده بل تلك القسوة التي كان يمارسها بعض الأطفال على الكائنات الصغيرة. كنا نرى طيورًا وحشراتٍ وكائناتٍ ضعيفة تقع في متناول أيدينا وقد تتحول لحظات اللعب إلى أذى لا نفهم عواقبه. كان الطفل الذي يحتاج إلى الحنان قادرًا أحيانًا على إيذاء كائن أضعف منه، في مشهد يختصر تناقضًا عميقًا في النفس البشرية كيف يجتمع الحرمان مع القدرة على إيلام الآخرين وكيف يمكن للقسوة أن تنتقل من يد إلى يد حتى تصبح سلوكًا مألوفًا لا يثير السؤال؟
لم أكن أملك آنذاك وعيا يفسر تلك المشاهد، لكنني اليوم أرى أن الطفل لا يولد بالضرورة قاسيًا وأن البيئة التي تحرمه من الأمان والرحمة قد تعلّمه بعض ما لا ينبغي أن يتعلمه فالطفولة التي لا تجد من يصغي إلى وجعها، قد تعجز عن الإصغاء إلى وجع غيرها، والإنسان الذي لا يعرف معنى الحماية قد لا يدرك دائمًا مسؤوليته عن حماية الأضعف منه
ومع مرور السنوات، تغيرت ملامح القرى لكن بعض الأسئلة بقيت في مكانها مثل تلك القبور التي لم تغادر الأرض ومثل شجيرات الوبل التي ظلت تقاوم العطش. غير أن الموت الذي كان في طفولتي ساكنًا تحت التراب، صار في زمن الحرب أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة. لم يعد حكايةً بعيدةً تنتمي إلى الماضي، بل أصبح احتمالًا يرافق الناس في طرقاتهم وبيوتهم وأماكن عملهم، وصارت المقابر تستقبل من لم يمنحهم الزمن فرصةً كافية ليعيشوا
الحرب لا تقتل الإنسان حين تسلبه روحه فحسب، بل تبدأ بإيذائه قبل ذلك بكثير؛ حين تحاصره في قوته، وتضيّق عليه في رزقه، وتنتزع من أطفاله حقهم في التعليم واللعب والأمان. والحصار لا يقف عند حدود الطرق المغلقة ونقص الاحتياجات، بل يمتد إلى داخل البيوت، حيث تكبر المخاوف، وتتآكل قدرة الأسر على الاحتمال، ويصبح تدبير لقمة العيش معركةً يوميةً لا يعرف أحد متى تنتهي
في ظل هذه الظروف، تتكرر صورة الطفل الذي عرفته في المقابر، وإن اختلف المكان وتبدلت التفاصيل. طفل يبحث عن شيء يأكله، وآخر يحاول أن يصنع من الأشياء القليلة المتاحة لعبةً تنقذه من قسوة يومه، وثالث يحمل في عينيه أسئلةً لا تتسع لها أعمارهم الصغيرة. وما بين هؤلاء جميعًا يقف الكبار، عاجزين أحيانًا عن توفير أبسط حقوقهم، أو منشغلين بصراعات لم يختار الأطفال أن يكونوا وقودًا لها
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى التي تسكن ذاكرتي الحياة والموت لا يقفان دائمًا على طرفين متباعدين بل قد يتجاوران في المكان نفسه وفي اللحظة نفسها. طفل يضحك قرب قبر ونبتة خضراء تشق طريقها في أرض يابسة وأم تبحث عن قوت يومها وأسرة تخشى أن يحمل إليها الغد خبر مفجع
إنها ليست مجرد صور متفرقة من الذاكرة، بل شهادة على قدرة الحياة على الاستمرار، وعلى ما يمكن أن تفعله القسوة حين تصبح واقعًا يوميًا. ومع ذلك، فإن بقاء الإنسان لا ينبغي أن يكون دليلًا على اعتياده الألم، كما أن قدرة الأطفال على التكيف مع الحرب لا تعني أنهم بخير، ولا أن من حق العالم أن يتركهم يتعلمون النجاة بدلًا من أن يعيشوا طفولتهم
كلما تذكرت شجيرات الوبل في تلك المقابر أدركت أن مقاومة الجفاف ليست بطولة كافية إذا ظل العطش قدرًا مفروضا على الجميع. فالنبتة تستطيع أن تمد جذورها في التربة بحثًا عن قطرة ماء أما الطفل فيحتاج إلى يد تمتد إليه، وإلى بيتٍ يحميه ومدرسةٍ تفتح له أبواب المستقبل ومجتمعٍ لا يتركه وحيدا أمام الفقر والخوف
لا أريد لذاكرتي أن تتحول إلى مرثية طويلة للماضي ولا أن أستدعي طفولتي لمجرد البكاء على ما مضى أريدها أن تكون سؤالًا مفتوحا في وجه الحاضر ماذا فعلنا بالأطفال الذين كبروا بين الحرمان والخوف؟ وكم جيلا آخر ينبغي أن يدفع ثمن الحروب والحصار قبل أن نفهم أن الأوطان لا تُقاس بما تحتفظ به من مقابر بل بما تمنحه لأبنائها من فرص للحياة؟
لقد كبرت وبقيت المقابر في ذاكرتي وبقي الوبل شاهدا على شمس لا ترحم وبقيت ضحكات الأطفال تختلط في داخلي بأصوات الحاجة والأسئلة التي لم تجد أجوبة وربما كان أكثر ما يؤلمني اليوم أنني صرت أفهم أشياء كثيرة لم أكن أفهمها آنذاك لكنني لا أملك القدرة على تغيير كل ما يجعل طفولة الآخرين نسخةً أخرى من طفولتنا القاسية
ومع ذلك لا تزال في القلب مساحةٌ للأمل؛ فكما استطاعت نبتة الوبل أن تقاوم الجفاف، يستطيع الإنسان أن يستعيد إنسانيته متى قرر أن يضع حدًا للقسوة، وأن يجعل حماية الأطفال مسؤوليةً لا شعارا والسلام ضرورة
فليس أشد قسوة من أن يتعلم الطفل أسماء القبور قبل أن يتعلم أسماء أحلامه وليس أبلغ عارًا من أن تصبح المقابر مألوفةً في ذاكرته بينما تظل الحياة التي يستحقها بعيدةً عنه!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى