أ. د. عادل الأسطة ، خربشات ٩ حزيران من كل عام

١
9/6/1967
( حزيران الذي لا ينتهي ) 5

المدينة تحت الاحتلال ، وثمة صوت يخاطب أهل المدينة بتسليم أسلحتهم وعدم إطلاق النار.
ويتساءل الرجال الذين بحوزتهم بنادق عما يفعلون : هل نسلم البنادق أم نحتفظ بها ؟
وسيختلفون في هذا ، والذين وافقوا خافوا من أن تكون القوائم التي وقعوا عليها ، يوم تسلم البنادق ، ما زالت في المقاطعة .
سيقر قرار أبي على تسليم بندقيته ، ومثله ابن خالتي ، خلافا لآخرين قرروا أن يلقوا بها في أماكن محددة ، ولكن من سيقوم بالمهمة ؟
سأجدني وابن خالتي يحمل كل بندقية الشخص الذي يخصه ، وكان ابن خالتي في مثل سني ، ونسير باتجاه مبنى البلدية الجديد ، حيث أعلن مكانا للتسليم .
على مقدمة البندقية شارة بيضاء ، دلالة على الاستسلام ، وبوز البندقية إلى الأسفل . ونسير بلا خوف ولا وجل .
شوارع المدينة فارغة ويسودها الهدوء ، وثمة فراغ ، وثمة شوارع بلا بشر . أهي مدينة النحاس تصفر فيها الريح ؟
ونمشي غير خائفين لإنجاز المهمة حفاظا على سلامة الكبار ، أنا أبي ، وابن خالتي على سلامة أخيه .
ولأول مرة أرى اليهود وجها لوجه .
أسلم البندقية وأعود من حيث أتيت ، تاركا مبنى البلدية الجديد والبنادق فيه تكوم ، البنادق الإنجليزية ام . واحد . الأشبه بالخشبة .
9/6/1967

٢٠١٦

٢
4 - صورة الأتراك :

ستقدم رواية " الحياة بعد الموت "عونا لدارس صورة الأتراك في الأدب العربي ، وهي هنا لا تختلف عن رواية توفيق يوسف عواد " الرغيف " ، في أنها كتبت في الفترة التي كان العرب فيها قريبي العهد من الحكم التركي ، وكلتا الروايتين ، على أية حال ، تلامسان الفترة نفسها وهي الحرب العالمية الأولى ، أي السنوات الأربعة الأخيرة للحكم التركي في بلاد الشام ، وتبدو صورة الأتراك سلبية في المطلق .
يبدو الأتراك متخلفين حقا ويرمون بأيديهم إلى التهلكة ، فهم يخوضون حربا وأوضاعهم الداخلية مزرية ، ويسوقون إلى تلك الحرب مقاتلين غير معدين للحرب ، ويعتمدون على مواطنين يعانون من بطش الحكم وظلمه ، وتبرز الصورة سلبية أكثر وأكثر حين يأتي السارد على وصف الجندرمة ، وهؤلاء بلا أخلاق ولا ضمير وهم من سفلة البشر وأسوأ من الانكشارية الذين طغوا وبغوا - وتتشكل الجندرمة من أكراد وعرب وأتراك وغير هؤلاء،وهم من فظي الأخلاق وشواذ الخلق ، تلوح بمعاطفهم مخاتل السلطة ، وتهب من أردانهم ريح النجاسة ، إذا غضب أحدهم فعقور ، وإذا ضحك فنمر ، بينهم العربي والكردي والاناضولي ، وأكثرهم يجهلون لغة الأهلين ولا يلمون حتى بأحرف لغتهم الهجائية......وهم مقابل ريال أو ريالين يسرحون ذلك الفار ( من الجندية ) ، فيهينون الشيوخ ويروعون الأطفال ويخيفون النساء....) ص27
وتبرز الفقرة السابقة مدى بؤسهم وبؤس من جندهم ، ومدى كراهية العرب لهم . غير أن الصورة السلبية تكتمل حين يأتي السارد على قيادات الأتراك وأبرزهم جمال باشا السفاح ، وهي صورة ستتكرر في روايات لاحقة ، مثل قصة توفيق فياض " الشيخ لافي الملك " ورواية زياد قاسم " الزوبعة " .
إن تتبع صورة جمال باشا في الروايات العربية سيرينا أنها منذ " الحياة بعد الموت "1920 لم تختلف كثيرا ، وفقدان هذه الرواية ، وعدم انتشارها ، لفترة ، هو ما أفقد الرواية قيمة تاريخية لا أدبية .
الرشوة والفساد والظلم والتسلط والجهل والقمع ومعاداة العرب صفات تبرز لحكم الأتراك في الرواية ، ويبدو أنها الصفات التي يراها المؤلف لهم ،

(5) الانجليز :

تنتهي رواية "الحياة بعد الموت"مع انتهاء الحكم العثماني لفلسطين وبلاد الشام ، بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى ، فهل من ذكر للانجليز في الرواية؟
أشير ابتداء إلى أن البيتجالي رحب بقدوم الإنجليز إلى فلسطين ، على أمل الخلاص من طغيان الأتراك وظلمهم ، ولكنه لما رأى سياسة الإنجليز في بلاده غير رأيه ورأى فيهم مستعمرين .
كان ، من قبل ، كتب شعرا يرحب فيه بالإنجليز :
" بني التايمز قد فزتم
وبالإنقاذ قد جئتم
فأهلا أينما بتم
وسهلا فيكم أجمع "
وفي تمهيده لروايته عبر عن كراهيته للأتراك وتخلص بلاده منهم ، فقد أنت المصائب من الحكم البائد الذي ركب الشطط في معاملة الرعايا سيما العرب ، ورأى في الوقت نفسه في الجنرال اللنبي الذي دخل القدس قائدا كبيرا ، حتى أن إحدى الشخصيات التي كانت موالية الأتراك تنتظر الخلاص على يد الإنجليز . يقول كامل : "
- متى ترى عيناي بني التايمز يجولون في شوارع القدس ؟ متى أرى العلم البريطاني يخفق في سماء فلسطين؟ متى يتم ذلك يا ترى؟ متى يجيء يوم الخلاص؟ إن أجدادنا منذ مائة سنة كانوا ينتظرون مجيء بريطانيا العظمى الدولة القوية العادلة إلى هذه البلاد . غدا أو بعد غد ستحقق أحلام الآباء والأجداد نعم غدا.."
كان هذا في 1917-1918 وسوف يتغير الموقف من الإنجليز بعد انتدابهم وسياستهم ، وستبدو صورتهم على حقيقتها ، وقد عبر عنها ابراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي ، وتتلخص تلك الصورة بقول الكرمي :
" لو كان ربي انجليزيا دعوت إلى الجحود ".

(6)
اللغة :

كتب البيتجالي روايته بمستوى لغوي واحد تساوى في إتقانها السارد والشخوص ، على الرغم من الاختلاف بينهم ، علما وثقافة .
إن الرواية التي يسردها سارد عليم غالبا يتخللها الحوار ، إذ يترك المؤلف لشخصياته مجالا لأن تعبر عن أفكارها ومشاعرها وما تعاني منه ، وكثير من هذه الشخصيات لم تتعلم العربية وتتقنها تعلم السارد لها ، وإتقانه أيضأ لها . والسارد كاتب ، مثل المؤلف في هذا الجانب .
كاتب الرواية شاعر بالأساس ، قبل أن يكتب الرواية ، ومحفوظه من الشعر العربي القديم يجد طريقه إلى لغة السرد ، بل إن الرواية ، مثل كثير من روايات زمانها ؛ المؤلفة والمترجمة ، لا تخلو من تضمين أبيات من الشعر القديم .
أحيانا كثيرة تتسلل عبارات شعرية إلى لغة السرد أيضا ، ولا عجب في هذا مادام السارد مثقفا وقارئا ومهنته الكتابة ، حيث يكتب وينشر ويعيش من وراء المكافآت .
وأغلب الظن أن الروائي فعل هذا بقصد ، ولا أخاله يجهل ما كان يجري من جدل في زمنه حول لغة القص ، وتحديدا لغة الحوار ، وبخاصة في مصر ومن الأخوين تيمور .
وأرى أن لغة أميل حبيبي في روايته " الوقائع الغريبة " 1974 غير بعيدة عن لغة " الحياة بعد الموت " ، فاللغة في الروايتين خرجت من لغة التراث وكانت لغة كلاسيكية..
٢٠١٦

٣
العقاب الجماعي :

إسرائيل تعاقب الشعب الفلسطيني بسبب عملية أمس .
سبق وأن عاقبت إسرائيل المستوطنين ، إثر حرق الفتى أبو خضير وعائلة دوابشة ، عقابا جماعيا . سبق وأن حظرت عليهم السفر ودخول تل أبيب و..و..والمسجد الأقصى أيضا
هذه هي العدالة الإسرائيلية .
يحيا العدل
وتحيا دولة إسرائيل دولة أبدية
وتلومون الروائي أمين معلوف !
تحيا العدالة الديموقراطية
9/6/2016

٤
كبوة حزيران :

سمى المصريون خسارتهم حرب حزيران 1967 ب" النكسة " ولم يروا فيما جرى هزيمة .
الشاعر توفيق زياد قال : " كبوة هذي/ وكم يحدث أن يكبو الهمام/ إنها للخلف خطوة/ من أجل عشر للأمام ".
محمود درويش أقر بخسران حلم جميل . لقد خسر لسع الزنابق وكان ليله طويلا على سياج الحدائق، ولكنه :
" وما خسرت السبيلا " ، ثم هاجر ( في المنام كان يرتدي بدلة سوداء وكان واقفا وكنا نتحاور عن خروجه ).
في تلك الأيام عدت من نابلس ، أنا وأمي وإخوتي ، إلى بيتنا في مخيم عسكر القديم ، مشيا علي الأقدام ، ولم نعد إلى يافا كما كنا نحلم .
عرفت أننا خسرنا الحرب ولم أدرك معنى الهزيمة جيدا.
اليوم......الخ...الخ.
2017/ 6/9

٥
أنا و أحمد دحبور :

عرفت الشاعر أحمد دحبور في صيف 1997. حل على مكتبة بلدية نابلس ليلقي الشعر ، فالتقينا وتصادقنا .
لم يهدني الشاعر أي ديوان وأما أنا فأهديته أكثر كتبي ، وكتب كتابة مطولة عن 4 منها :
1 - ليل الضفة الطويل .
2 - اليهود في الرواية العربية .
3 - جدل الشعر والسياسة والذائقة : ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود درويش .
4 - أدب المقاومة من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات .
ولم نتجادل فيما كتبته عنه أو فيما كتبه عني .
أطرف ما في العلاقة حوار مستمر دون إبداء مشاعر حب أو ضغينة - وجهة نظري - .
لماذا لم يهدني أية مجموعة شعرية ؟
حقا لا أعرف مع أنني كتبت عن أشعاره ، في حياته ، كتابة مطولة . ولكن اللافت أن مجموعة " كسور عشرية " له تبدو مهداة لي بطريق غير مباشر . كما لو أنه أراد إهداءها لي ثم تردد فوضعها في مكتبة واشتريتها .
خيال . خيال شرقي على رأي إميل حبيبي .
أما لماذا أتخيل هذا فهذا هو المهم .
النسخة التي بحوزتي من منشورات " الأهالي " - دون ذكر المكان - ( سأعرف لاحقا . دمشق ) وهي نسخة فيها أخطاء طباعية عديدة ، وهذه الأخطاء مصححة بخط يد أظنها يد الشاعر ولم أكتب عليها تاريخ اقتنائي لها ولا المكان الذي اشتريته منها .
هل التفت بيت الشعر وهو يطبع الأعمال الكاملة للشاعر إلى هذه الأخطاء ؟
رحم الله أبا يسار .
2017 / 6 / 9

٦
سؤال الشعر الفلسطيني : أوجه التشابه والاختلاف .
اقرؤوا مقال زكريا محمد في مجلة الهلال المصرية عدد شهر أيار 2017 : " ولد الدهشة : أحمد دحبور " .
ص 116- ص 118.
أعكف على مقال الأحد وأقارب فيه موضوع الموت بين قصيدتين .
طبعا المقاربة ليست تفصيلية . إنها تثير أسئلة بالدرجة الأولى لا بين تجربتين منذ بداياتهما وإنما بين قصيدتين . لماذا شاعت واحدة وانتشرت ولماذا لم تشع الثانية ولم تنتشر ؟
لعل المقال يكون معقولا !!

٧
الشعر الفلسطيني :
سؤال التشابه والاختلاف

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

مرة قال محمود درويش إن شعراء الأرض المحتلة ، وهو منهم ، كتبوا حتى 1970 تقريبا قصيدة واحدة ، ويقصد بهذا أن القصائد التي كتبها الشعراء كانت تتقارب . تشابهت التجربة وتشابه الانتماء وتأثر الشعراء بالفكر الماركسي وكتبوا بوحي من مفهوم الواقعية الاشتراكية كما فهموها : الالتزام ومخاطبة الجماهير والوضوح والبساطة والتعبير عن الهم العام . هل يمكن تعميم ما كتبه على شعراء المنفى .
توقفت سلمى الخضراء الجيوسي في مقدمتها لموسوعتها " موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر " أمام اختلاف توفيق صايغ عن بقية شعراء عصره الذين تشابهوا في الكتابة والأسلوب وتمجيد الذات . ويمكن القول أيضا إن فدوى طوقان ، بسبب تجربتها الخاصة ، كانت صوتا مختلفا عن بقية الأصوات ، فهي كتبت عن الوحدة والحزن والحب والضياع والشعور بالغربة ، ولم تتشابه مع بقية الأصوات الشعرية في التعبير عن الهم الوطني إلا بعد هزيمة حزيران ، حيث غدت شاعرة مقاومة وقاربت موضوعات مختلفة لتلك التي قاربتها في مجموعاتها الشعرية الأربعة الأولى .
هل اختلف شعراء المنفى مع صعود المقاومة الفلسطينية بعد هزيمة حزيران عن بعضهم البعض ؟ ومع أن الإجابة تتطلب مسحا شاملا ، إلا أن أغلب الشعراء تقاربت موضوعات قصائدهم ، فقد كتبوا عن الفدائي وتغنوا به وعبروا عن الأحداث التي مرت بها الثورة : سقوط مخيم تل الزعتر مثلا ، ومن قبل أيلول 1970 ، ومن بعد معارك بيروت في العام 1982 ، ولما اندلعت انتفاضة 1987 لم يبق شاعر ، ربما إلا القليل ، إلا كتب قصائد يتغنى فيها في الانتفاضة .
في أثناء قراءتي لأشعار أحمد دحبور وموازنتها بأشعار محمود درويش ، يمكن القول إن هناك تقاطعات عديدة بينهما ، وكثرت هذه التقاطعات في الأشعار التي كتبها الاثنان بعد مرحلة بيروت ، وفي أثناء الإقامة في تونس ، ومن ثم في الجزء المتاح لهما من الوطن .
استرجع درويش في " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " ماضيه ، وكتب عن أمه ، وكان في " أرى ما أريد " 1990 رثى أباه . واللافت هو إهداء ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " : إلى ذكرى الغائبين :
جدي : حسين
جدتي : آمنة
وأبي : سليم
وإلى الحاضرة :
حورية ، أمي " .
وكنا لاحظنا إهداء أحمد دحبور ديوانه " جيل الذبيحة " ، ولعل الأهم هو كتابة قصائد عن العائلة : الأب والأم والأخت .
خص كلا الشاعرين انتفاضة 1987 بغير قصيدة ، ذاعت قصيدة درويش ولم تذع قصيدة دحبور ذيوع قصيدة درويش ، وكتب كلا الشاعرين قصائد عن العودة ، قصائد لفتت الانتباه : الجزء الأخير من " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " وقسم من " هنا .. هناك " ديوان دحبور ، ولم تغب حيفا عن قصائدهما ، فلكل منها نصيب لهما ، وإن اختلفت التجربة والعلاقة مع المدينة ، في المنفى وفي أثناء العودة .

تجربة الموت :

كل ما أسلفت هو مقدمة للموازنة بين قصيدتين كتبهما الشاعران حول تجربة الموت . مطولة " جدارية " 1999 لدرويش و " في حضرة الذئب " 2000 لدحبور .
شاعت " جدارية " واستقبلت نقديا و أنجزت عنها دراسات وكتب ، فيما لا أعرف دراسات أو مراجعات نقدية ل " في حضرة الذئب " التي ظهرت في ديوانه " كشيء لا لزوم له " . وكان دحبور كتب قصيدته في العام 2000 ، العام الذي نشرت فيه " جدارية " التي كتبت في العام 1999.
ثمة رأي مهم للشاعر الألماني ( غوتة ) عن الأدباء الكبار هو : " إن الأدباء الكبار ليسوا أدباء كبارا لأنهم أتوا بأشياء جديدة ، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أظهروا الأشياء كما لو أنها تظهر لأول مرة " . ولم يكن الشاعران أول من كتب عن الموت ، فقد سبقهما مئات الشعراء ، فهل تجاوزت قصيدة دحبور قصيدة درويش فنيا ؟ وإذا كانت الإجابة نعم فلم لم تشع ؟ ولم لم يكتب عنها ؟ .وثمة سؤال آخر هو : هل تأثر الشاعر بصاحب " جدارية " ؟ هل تأثر به حقا ؟
كلا الشاعرين مر بتجربة الموت وكتب عن تجربته الخاصة وهو على سرير الشفاء . ماذا رأى حين فقد الوعي بسبب البنج ؟ من رأى ؟ كيف بدا له الموت ؟ بم أراد الانتصار على الموت ؟ أسئلة الإجابة عنها تتطلب كتابة مطولة .
" هزمتك يا موت الفنون جميعها " كتب درويش ، ومازال ، على الرغم من رحيله ، حاضرا . خلدته قصائده . ولم يخف أحمد دحبور من الموت ، وهو ما سنراه لاحقا لدى سميح القاسم ومقطعه الشهير ، وبدا الموت لأحمد ذئبا وكان هو في حضرته. وكما تحفل " جدارية " بأعلام قديمة وحديثة ؛ عربية وعالمية ، فإن " في حضرة الذئب " تحفل برموز ثقافية أيضا : الأم كمعلمة أولى للشاعر في حب حيفا ، وموريس قبق الذي ترك أثرا كبيرا في الشاعر ، وتيسير سبول الكاتب الأردني الذي انتحر . :
" وأريد الحياة سطرا فسطرا
فانتظرني يا ذئب اختم كتابي ".
هل طلب درويش أيضا مهلة من الموت لينهي ما تبقى له من أعمال ؟
في كتابتي عن " جيل الذبيحة " وازنت بين أشعار درويش وأشعار دحبور وتوقفت أمام ما جعل قصائد درويش تشيع أكثر : الغنائية .
9 / 6 / 2019

٨
واسيني 14 :" التعاطف مع مي ":

يصدر واسيني روايته بعبارات ثلاث هي :" إني أموت ، لكني أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني " (ويعود إلى هذه العبارة في ص344 ) و" أراني في وطني تلك الغريبة الطريدة التي لا وطن لها " -وهما لمي زيادة - وعبارة ثالثة ل (كاميليا كلاودل ) كتبتها في 1934 وترجمتها كما في الهامش- إذ أوردها بالفرنسية- "تقول لي إن الله يعطف على المظلومين ، وإنه طيب...الخ لنسأل الهك الذي يترك البراءة تتعفن في ملجأ المجانين ".
وأظن أن المؤلف الضمني للرواية ياسين الأبيض الذي أتى بعد موت مي وأنهى تحقيقه لمخطوطتها وكتابها معا في العام 2017- أي بعد موت مي ب76 عاما- أظن أنه أنصف الكاتبة التي ظلمها عصرها.
في النقد الأدبي هناك نقد نصفه بالنقد المتعاطف- كما أكتب عن محمود درويش ومظفر النواب-
ونحن أمام رواية تعاطف فيها ياسين الأبيض ، ومن ورائه واسيني الأعرج ، مع بطلة روايته .
لقد أنفق ياسين ثلاث سنوات مع صديقته روز خليل في البحث عن المخطوطة/ افتراضا وتحقيقها ، وأرهقهما العمل لدرجة أنه وهو يغادر المكتبة تخيل مي تخاطبه ملخصة قصتها: "أبقاني عنده شهرين ونصف شهر على مضض مني ،وأنا أطالبه بالعودة. حتى استكمل برنامجه في أمري ،فأرسلني إلى العصفورية ،بحجة التغذية. وباسم الحياة ، ألقاني أولئك الأقارب في دار المجانين أحتضر على مهل ".
وعموما فإن العبارات الثلاثة تقول الرواية ، بعد أن نفرغ من قراءتها ، أنها- أي العبارات- توجز مضمون الرواية والقصد من ورائها.
ينصف واسيني مي فيكتب روايتها/ قصتها ويفضح مثقفي عصرها ممن تخلوا عنها ويرسم صورة مقززة لأقاربها. وتعيش مي في وطنها غريبة طريدة كما لو أنه لا وطن لها ، فهي في لبنان ،وطن أبيها ،تنعت بالمجنونة المصرية ، ولعل سؤال الهوية سؤال أساس من أسئلة الرواية ،
ويحضر الله في الرواية حضورا لافتا وتظل مي تسأله وإن أنصفها في النهاية.

واسيني 15 : " بؤس المثقفين ... بؤسنا "

في معرض الكتاب ، في رام الله ، بحثت عن رواية واسيني الأعرج " مي ليالي إيزيس كوبيا : ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية " 2018 .
اشتريت طبعة دار الآداب التي عرضت في جناح دار الشروق/ فتحي البس ، وكنت قرأت مقالا أو مقالين عن الرواية .
في لقائي الروائي وناقدته المتخصصة فى أعماله ا.د.رزان ابراهيم أصغيت إلى رأيهما في الرواية . قال الكاتب عن علاقة مثقفي عصر مي بها إن اكثرهم كانوا كاذبين ، وهذا ما تبرزه عموما الرواية لأكثرهم .
تبدو صورة أدباء عصر مي وموقفهم من مأساتها ، إلا أقلهم ، صورة سلبية مظلمة ؛ من العقاد إلى طه حسين إلى الرافعي.
الصورة السلبية المظلمة لهم في الرواية ترد على لسان مي ،فالرواية بعد الصفحة ال 48 تقريبا تصاغ بأسلوب الترجمة الذاتية / الضمير الأول.
شخصيا لم اتفاجأ من هذه الصورة لكبار الأدباء العرب . ببساطة لأن أكثرنا خرج من بيئة متخلفة ؛ من القرية أو الحارة أو المخيم ، وتجربتي الشخصية تقول ما تقوله تجربة مي ، وما قالته مي في الرواية .
ببساطة أكثر المتعلمين والأدباء بؤساء جدا . إن تتبع صورة هؤلاء في الرواية يبدو أمرا مجديا ، وقد تصدم صورتهم الكثيرين . ونحن في الرواية نقرأ وجهة نظر صاحبة المخطوطة وإن أصغينا قليلا إلى وجهات نظر قسم منهم بإيجاز .
الغيرة والحسد والجبن وتبني مواقف الآخرين دون التأكد منها ، ولكن هذا لا يعني أن مثقفي عصرها كلهم تشابهوا ، فثمة مثقفون وقفوا إلى جانبها .
جبن أكثر المثقفين ولكن أحد التجار من مدينة الأديبة " الناصرة " وهو التاجر مارون غانم يتبنى قضيتها ويوكل لها محاميا .
بخلاف العقاد وطه حسين والرافعي وقف أمين الريحاني ، إلى جانب مي ، موقفا نبيلا . ومي التي كادت ترى في الآخرين جحيما عادت وذكرت بعض من وقف إلى جانبها وأعاد إليها الروح وبعث فيها الأمل .
عموما يمكن القول إن صورة المثقف العربي في الرواية العربية تبدو سلبية ، والموضوع لفت أنظار الدارسين ، وأتى عليه محمد عزام في كتابه عن إشكالية البطل في الرواية العربية .
قبل سنوات أصدر الروائي السوري خالد خليفة روايته " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " 2013 وأبرز فيها صورة للمثقفين في نظام حكم شمولي وكانت الصورة مظلمة . والموضوع يحتاج إلى متابعة لا في رواية واسيني بل في الرواية العربية بشكل عام .

٩
جوخة 21 :
جوخة الحارثي : المثل الشعبي

ترد الأمثال الشعبية في الرواية ورودا لافتا ، وغالبا ما ترد على لسان ظريفة التي تستحضرها في المواقف التي تريد إبداء رأي فيها في شيء أو سلوك قد لا يروق لها يرتكبه شخص من شخوص الرواية .
يبدو المثل الشعبي استعارة تمثيلية - مشبها به لقول رأي بطريقة تبريء المتكلم أو تعفيه من القول المباشر . إنه خلاصة تجربة تستحضر حين يشاهد المرء حالة مشابهة ليقول قائل المثل لصاحب التجربة الجديدة حكمة ما يتعظ إن كان هناك مجال للاتعاظ أو ليطابق بين حالتين متشابهتين.
لن أقوم بإجراء الاستعارات التمثيلية في كل مكان ورد فيه المثل الشعبي ، ولكني أورد مسردا فيها للقاريء العربي ليقارنها بالأمثال الشائعة في بيئته أو ليلحظ إن كانت هذه الأمثال شائعة فيها . وهذه هي الأمثال التي استطعت رصدها:
- لكن قال المتوصف ( كناية عن قائل المثل ) :" تمشي الريول تخب مين الفؤاد محب ومين ما أشتهي علي كود وتعب " / تمشي الأرجل مسرعة حيث يحب الفؤاد ، وحيث لا أشتهي أشعر بالتثاقل والتعب . 22 ( الرجل بتدب محل ما بتحب )
- ويقول المتوصف :" اللي يودك وده واللي يباك ابغيه واللي يصد بروحه عليك ادعيه " / من يودك بادله الود ، ومن يردك رده ، ومن يصد بنفسه عنك أشير عليك أن تتركه . 22( كما تدين تدان )
- يقول المستوصف :
" أعط المريض شهوته والمعافي الله "22 ( كل وتوكل على الله/ المعافي الله )
- " الحمار لما يشبع يرفس "22 ( نقوله نفسه )
- يقول المتوصف :" المحبوب محبوب جاء ضحى وجاء غروب ، والرامد رامد جاء حاش وسامد " / المحبوب يظل محبوبا مهما كان الوقت الذي يجيء فيه : ضحى أو عند الغروب ، وغير المحبوب يظل غير مرضي عنه مهما اجتهد في الحصاد والسماد . 24 ( وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساوئا )
- لحم الصغر يأكله الكبر" 25 (تقريبا : قرش الصغر ما بتعوض ) .
- " الشمس ما تغطيها كف "48 (الشمس ما بتتغطى بغريال )
- قال المتوصف :" اللي ينقد يطيح المنقود فيه " /من ينقد الناس يصاب بمثل الشيء الذي انتقده فيهم 59 ( اللي بعاير الناس في اشي بطب فيه )
- " آفتي معرفتي ، وراحتي ما أعرف شي "71 ( ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الشقاوة في الجهالة ينعم )
- " كاسر جارك ولا تنام عصر " / من الأفضل أن تشاجر جارك بدل أن تنام عصرا . 76
- " دابة الشقاء الشقاء " 96
- آه ، صدق المتوصف : الوالد شقي " 105
- " ويقول المتوصف :" أنفك منك ولو خاس " 110 ( الدم ما بيصير مية و الظفر أو العظم ما بطلع من اللحم في المثل الشعبي الفلسطيني )
- يقول المتوصف :" النهار حال حد ، والليل حال حد /النهار للإنس والليل للجن " 128.
وأما قاريء الرواية فلا بد أنه سينظر في السياق الذي أورد فيه قائل المثل مثله وحكمته من وراء تذكره.

١٠
ذاكرة أمس ٨٥ :

الحرب التي وحدت فلسطين والسلام الذي قسمها

بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ كتب إميل حبيبي ست قصص قصيرة تحت عنوان " سداسية الأيام الستة " وأتى في إحداها على لقاء أبناء العائلة الفلسطينية بعد تسعة عشر عاما من الفراق .
كان مسعود الذي أقام أهله في الناصرة بعد النكبة يشعر بأنه مقطوع من شجرة ، فلما حلت الهزيمة وزاره عمه الذي لجأ في ١٩٤٨ إلى جنين شعر بالزهو ، فله ، مثل أبناء الناصرة ، أبناء عم يسندونه ، ولم يعد لسان حاله :
" لماذا نحن يا أبت ؟
لماذا نحن أغراب ؟
أليس لنا بهذا الكون
أحباب وأصحاب ؟ "
واستمر لقاء العائلة الفلسطينية الكبيرة في فلسطين كلها حتى نهاية الانتفاضة الأولى وتوقيع اتفاق أوسلو ، ومع مرور الأيام منعنا من زيارة مدننا التاريخية إلا بتصاريح أو بالتحايل أو من خلال فتحات ومعابر أو في أيام الأعياد حيث يشفق أبناء العمومة علينا فيسمحون لنا بزيارة البحر ويافا وحيفا وعكا والتبضع من " مولاتهم " و ...
ولم يعودوا يسمحون لنا بالسفر عبر مطار اللد الذي عدته بعض الأنظمة العربية مطار عدو يحاكم من يسافر عبره .
ما علينا !
بعد توقيع اتفاق السلام صار التنقل في فلسطين التاريخية صعبا جدا ، ولا أعرف ماذا سيكون عنوان قصة إميل حبيبي لو كتبها في هذه الأيام . هل سيغدو عنوان قصته " حين سعد مسعود بابن عمه " العنوان الآتي " حين تعس متعوس بفقدان الاتصال بابن عمه " ؟
شيء واحد لم يتوقف عن ارتكابه الإسرائيليون منذ حزيران ١٩٦٧ ، بل ومنذ عام النكبة ١٩٤٨ ، وهو تسوية مباني الفلسطينيين بالأرض .
في العام ١٩٤٨ سووا بضع مئات من القرى بالأرض ، وفي العام ١٩٦٦ هدموا قرية السموع ، وفور احتلال القدس في ١٩٦٧ جرفوا بوابة مندلباوم وحارة الشرف وسووا قرى يالو وعمواس وبيت نوبا بالأرض وهدموا آلاف المباني بحجة عدم الترخيص ، وفي العام ١٩٨٢ قصفوا مئات المنازل في بيروت ، وهدموا في العام ٢٠٠٦ ضاحيتها الجنوبية ، وأما عن غزة منذ نهاية ٢٠٠٨ فحدث ولا حرج ، والآن يريدون حي الشيخ جراح .
معه حق ( ثيودور هرتسل ) في تصوراته . لقد أراد بناء أحياء كالريفيرا وإنشاء سكك حديد كهربائية تصل إلى بيروت وبلاد الشام وأبعد .
عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في ١٩٦٧ طلبت من أهلها أن يرفعوا الأعلام البيض فوق سطوح منازلهم تفاديا لقصف الطائرات الإسرائيلية لها ، فرفع سعيد المتشائل فوق بيته في حيفا علم الاستسلام / الشرشف على عصا مكنسة ، ما دفع بالسلطات الإسرائيلية إلى سجنه ، معتبرة صنيعه فأل سوء وتعبيرا عن رغبة دفينة لديه بسقوط حيفا بأيدي العرب .
كم فلسطيني ، ممن تظاهروا في حيفا إبان الحرب الأخيرة ، سجنت السلطات الإسرائيلية ، معتبرة صنيعهم فألا سيئا يبشر بزوال دولة إسرائيل ؟
مرة أخرى توحد الحرب الفلسطينيين ولو معنويا ، فلأول مرة تقريبا منذ ١٩٦٧ يتظاهر الفلسطينيون معا ويسندون بعضهم بعضا و ... و ...
صار الفلسطينيون فلسطينيين وتلاشت ، في أيام الحرب ، عبارة " عرب إسرائيل " .
في غزة يقف الغزيون أمام بيوتهم المدمرة يبكون الأطلال ، وفي الشيخ جراح يصمد أهلها تتصدرهم منى الكرد وأبوها وأخوها ، وما عاد البعض يتندر " بكمامتك تحمي حمامتك " . لقد أوشكت مهنة بيع الكمامات تتلاشى ، ومثلها توشك الكورونا تتلاشى إلا على الجسور ، فما زالت الفحوص تجرى . خزينة الدولتين فارغة ولا بد من دعمها ، وصار الجسر مثل المنشار " طالع ماكل نازل ماكل " ، وإذا أردتم التأكد مما كتبت فما عليكم إلا متابعة صفحة الجسر ! الجسر هو الثابت الوحيد في زمني السلم والحرب . لقد ظل جسر الأحزان ولم تنجح فيروز في جعله جسر العودة .
٩ حزيران ٢٠٢١ .

١٠

غضب الأصدقاء :

عندما أقرأ منشورا لصديق ، بخاصة من المتخصصين في الأدب العربي ، وأكتشف خطأ نحويا ، غالبا ما ألفت نظره في التعليقات ولا أكتب له على الخاص ، فإذا ما صوب الخطأ حذفت فورا التعليق .
لماذا أكتب في التعليقات ولا أرسل رسالة على الخاص ؟
السبب كما أرى يعود إلى أن الكتاب يقرأون التعليقات أكثر مما يتصفحون الخاص ، وأيضا حتى تعم الفائدة النحوية .
قسم من الأصدقاء يغضب ويقيم الدنيا ويقعدها ويكتب ويكتب وقد يلغي صداقتي .
شخصيا أكون شاكرا لمن يلفت نظري إلى خطأ في الطباعة أو خطأ نحوي ، ولا أرى في ذلك منقصة أو إساءة . قصدنا هو الحرص على اللغة أولا .
هل تمطر في حزيران ؟ اليوم أمطرت وأجابت المغني العربي اللبناني على سؤاله : معقول تشتي في آب ؟
لا تؤاخذونا !
٩ / ٦ / ٢٠٢٣ .

١١
غزة ( ٢٤٧ ) :
يدهم في النار ويدنا في الماء

إن أردت أن تنظر إلى الصورة من داخل قطاع غزة فاقرأ يوميات كتابها الذين يقيمون هناك . اقرأ مثلا صفحة مخيم النصيرات أو صفحة حي تل السلطان يجمعنا أو صفحة منطقة رفح تل السلطان . ستقرأ العجب العجاب عن حياة الناس فيها وعن جحيم يومهم وليلهم وستشعر بالحزن الشديد وقد تصاب بالاكتئاب ، وعن الموت من وجع الحياة فحدث ولا حرج ، واليوم قرأت في صفحة Riyad Awad ما كتبه قبل خمسة أيام ينعى فيه زميله د. رياض البرعي .
في صفحة مخيم النصيرات كتب أسامة أبو عاصي Osama Abu Asi عن جحيم أمس وأتى على حياة أهل رام الله وتساءل إن كانت غزة ورام الله تنتميان إلى بلاد واحدة ؛ بشر يعانون من ويلات الحرب وآخرون يرقصون ، ولو خطر بباله مثلنا الشعبي " ناس بتاكل جاج وناس بتوقع في السياج " لكتبه . وكنت في يومياتي ، قبل أشهر ، كتبت عن الحياة في نابلس بعيدا عن غزة وتساءلت إن كنا حقا ننتمي إلى وطن واحد ، وعندما عرضت بحياة أهلنا في ١٩٤٨ جلبت لنفسي وجع راس .
لا أعرف إن كان أسامة ، في آخر أسطر كتبها ، قرأ مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية " حزيران عن حزيران يفرق " ، فلم يرق له .
في مقالي ذهبت إلى أن حزيران هذا وحزيران ١٩٨٢ يختلفان عن حزيران ١٩٦٧ . نظرت إلى الصورة من بعيد . من خارج غزة وخيام اللاجئين فيها ، وفيها يعيش الفلسطينيون جحيم النهار والليل ويتمنون شربة ماء بارد في هذا الحر اللاهب .
أي حدث ينظر إليه من زوايا متعددة ومنذ بدء الحرب وأنا أركز على الفارق بين كتابة أدباء غزة وكتابة الأدباء البعيدين عنها ، وغالبا ما أشير إلى كتابات الأولين واقتبس منها لتظهر الصورة مكتملة ، وغالبا ما لا ألوم أيا منهم على ما يصدر عنه .
يدهم في النار ويدنا في الماء .
٩ / ٦ / ٢٠٢٤ .

١٢
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
الجوع الكافر في هذا الزمن الكافر :

عادل الاسطة

في " وتريات ليلية " كتب الشاعر العراقي مظفر النواب :
" لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر ، / فالجوع أبو الكفار /- مولاي ! أنا في صف الجوع الكافر ، / ما دام الصف الآخر يسجد من ثقل الأوزار " .
ثم عاد وكتب قصيدته " في الحانة القديمة " وخاطب فيها امرأة تعمل فيها ، وأقر بأننا مثلها بغايا مع فارق هو أنه لم يفن منها سوى الجسد الفاني ، في حين أن غيرها يبيع اليابس والأخضر ويدافع عن كل قضايا الكون وينسى وجه قضيته .
وفي الحرب الدائرة حاليا في قطاع غزة هلك عديدون من أبنائه جوعا ، ومن يتابع صفحات التواصل الاجتماعي لأبنائه هناك مثل صفحة مخيم النصيرات وصفحة رفح تل السلطان يجمعنا وغيرهما العديد من الصفحات يقرأ العجب العجاب عن قسوة حياة النازحين . رجل يشعر بالعجز والضعف وقلة الحيلة ويتمنى الموت لأنه غير قادر على توفير الطعام لأبنائه ، وامرأة فقدت زوجها ولا تملك مبلغا ضئيلا من المال يمكنها من شراء الطعام فتناشد الآخرين علهم يقرضونها خمسين شيكلا مقابل حجز هويتها وثانية لا تطلب مالا وكل ما تريده أن يحضر القادرون لها الخضار فقط وأغرب ما قراته عصر ٩ / ٦ / ٢٠٢٤ هو عرض امرأة شرفها مقابل إطعام أولادها . أردت مشاركة المنشور على صفحتي ولكني تراجعت وخجلت ؛ تراجعت فقد تذكرت ما كان يثيره نشر قصص قصيرة كهذه ، مثل قصة " الاتتظار " لجمال بنورة { خضوع امرأة لابتزاز موظف مقابل حصولها على لم شمل زوجها المقيم في المنفى } ، وخجلت بخاصة بعد أن قرأت التعليقات التي لفتت انتباهي إلى جوانب عديدة أهمها أن المنشور مريب ويمكن أن نقف وراءه ذبابة إلكترونية صهيونية ، فالحرة تجوع ولا تأكل من ثدييها ، وفتيات غزة شريفات ولا يمكن أن يفعلن هذا مهما بلغ الأمر ، وكنا لاحظنا أشرطة فيديو عديدة يأكل فيها الأطفال النباتات البرية سدا لرمق الجوع وأخرى لأشخاص ميتين من قلة الطعام وسوء الغذاء وثالثة لغزيين يعرضون صورا شخصية لهم قبل الحرب وثانية تظهر حالتهم الحالية وثمة فارق واضح فقد جعلت الحرب منهم عواجيز ، وأطرف تلك الأشرطة هو الشريط الذي تتحدث فيه طفلة في الثامنة من عمرها ، بعفوية وبراءة ، تقريبا ، وتصف ما فعلته الحرب فيها فقد حولتها من فتاة بضة ممتلئة جميلة ذات شعر جميل إلى فتاة نحيلة لم يعد لوجهها وشعرها أي جمال .
اللافت في المنشور الذي أشرت إليه هو أن ناشرته وناشره معا - أي الزوج والزوجة كتبا رقم الواتس اب الخاص بهما . وقد رجحت لهذا أن ذبابة إلكترونية صهيونية وراءه أو أنهما أرادا إدانة العالمين العربي والإسلامي واستثارة النخوة فيهما أو القول لهما ليس لديكم نخوة لأنكم اوصلتمونا إلى هذا ، ومع ذلك فقد استثار في ذاكرتي ما قرأته من أعمال أدبية سابقة بخاصة فلسطينية
وأولها قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " فالسارد يروي قصصا لفلسطينيين دفعتهم ظروفهم القاسية بعد النكبة إلى الانحراف كالسرقة " اللص " والإخبار / التجسس " الوغد " وشرب الخمر وسوء معاملة المرأة / الزوجة " المجرم " والبغاء " البغي " :
" وعرفت البغي "
والبغي هي زوجة شهيد كان ينفق على العائلة " لم يكن لنا سواه ... ولما ماتت أمي في هجرتنا لم يبق أمامي إلا هذه الطريق " ويشعر صديق الشهيد بالحزن حين يعرف الأمر " فقد كان من الممكن أن تنتهي إليها بعض أخواتنا لو لم يخطئنا رصاص اليهود " .
ولا تختلف قصة جمال بنورة " فتاة من فلسطين " عما ورد في هذا الجانب عن قصة سميرة عزام . إن الفتاة تضطر لممارسة الجنس بعد أن فقدت معيلها في حرب ١٩٤٨ . لقد لجأت إلى أقاربها لتقيم معهم ، غير أن أحد أبنائهم قد استغلها جنسيا ، ومن ثم لفظتها العائلة فوجدت نفسها بلا مأوى .
لا أريد أن استقصي النماذج كلها ولكني سوف أتوقف أمام قصيدة ورواية لهما دلالاتهما ؛ القصيدة لمحمود درويش وعنوانها " نخاف على حلم " والرواية لسامية عيسى وعنوانها " حليب التين " .
ظهرت قصيدة درويش في ديوانه " ورد أقل " ( ١٩٨٥ ) وفيها يخاطب الحلم . يخاف عليه ومنه يخاف ويطلب منه أن لا يصدق كثيرا فراشاتنا ، والفراشات دال رمزي سرعان ما يفصح الشاعر عنه حين يقول " لا تصدق إذن صبر زوجاتنا " . لماذا ؟ لأنهن سينسجن ثوبين ثم يبعن عظام الحبيب ليبتعن كأس الحليب لأطفالنا .
في رواية سامية عيسى يستشهد زوج صديقة الفدائي وتضيق الحياة على أمه فاطمة وأولاده وزوجته ويحاول انتهازي في الثورة أن يستغل فاطمة جنسيا ، وهو ما تلاحظه صديقة التي تبحث عن عمل في دبي ، وهناك في صالون النساء الذي يعود إلى نوال ، وهي أيضا لاجئة كانت تقيم في مخيم ، تتزين صديقة . وتهيؤها نوال لرجل الأعمال الخليجي جاسم فتراها جميلة . تتأملها والحسرة تأكلها فتقول : " لو كان لي نصف جمالها لما احتجت أن أعمل قوادة على الإطلاق " .
هل كانت سامية عيسى قرأت قصيدة محمود درويش المذكورة أم أنها هي التي كانت صحفية في الخليج عرفت فلسطينيتين تشبهان نوال وصديقة ؟
لزياد الرحباني أغنية تقول كلماتها :
- أنا مش كافر . بس الجوع كافر .
وأنا ، حين أكتب هذا ، مش فاجر ، ولا الكتاب الذين قاربوا الموضوع فاجرين ، إنما " نحن بشر أيها البشر " ، والعبارة لإميل حبيبي .
كل عام وانتم بخير وشعبنا الفلسطيني بحال أفضل وبخاصة أهل قطاع غزة .

(.الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء ٩ و ١٠ و ١١ و ١٢ / ٦ / ٢٠٢٤ )
( كان من المفترض أن يكون مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٦ / ٦ / ٢٠٢٤ ، ولم أنشره تحسبا ) .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى