القضايا التي، من واجب الأحزاب السياسية التي ستنجح في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة، أن تعطيها الأولوية

ما أقصِده بعنوان هذه المقالة، هو أن بلادَنا، في شهر شتنبر من السنة الجارِية، مُقبلةٌ على انتخابات تشريعية جديدة. وكل مواطن (امرأة أو رجل)، غيور على هذه البلاد، ينتظر أن تكونَ هذه الانتخابات التَّشريعية الجديدة بمثابة قطيعة une rupture مع النهج السياسي la démarche politique الذي مارسته في الماضي والحاضر، وبنَت عليه تدبيرَها للشأن العام، إذ كان، من المفروض أن تُضفيَ على عملِها السياسي جرعةً عاليةً من الديمقراطية. وأعني ب"جرعة عالية من الديمقراطية"، إزالة كل العراقيل les obstacles التي تُعِيق تقدُّمَ البلاد وازدِهارَها، أو بعبارةٍ أخرى، إزالة كل العراقيل التي تقف بمثابة حجر عترة أمامَ تنمية البلاد اجتماعيا، اقتصاديا وثقافياً.

لكن أي جزبٍ سياسي، إن لم تكن له جرأة سياسية قوية une forte audace politique مشفوعة بإرادةٍ سياسية وبعزيمةٍ أقوى من الجُرأة، لن يقدِرَ على إزالة هذه العراقيل. بل أحسن ما يمكن أن يفعلَه، هو التطبيع مع هذه العراقيل، كما فعلت أحزابٌ سياسية كثيرة وصلت، قبله، إلى سدة الحكم، عن طريق الانتخابات التَّشريعية. لماذا؟

لأن العراقيل التي تعيق تنميةَ البلاد وتقدمَها وازدهارَها، أصبحت هيكَلِية structurelles ومُهَيكِلة structurants. بمعنى أن هذه العراقيل أصبحت ثقافةً، هي التي، على ضوئها، يتِمُّ تدبير الشأن العام.

أما القضايا التي، من واجب الأحزاب السياسية التي ستنجح في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة، أن تعطيها الأولوية، في التَّعامُل معها، هي : توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ توزيعا عادِلاً ومُنصفا distribution juste et équitable de la richesse produite par le pays، ومُحاربة الفساد la corruption والفقر la pauvreté والأمية l'analphaɓétisme.

كثيرٌ من الدراسات العلمية، وعلى رأسِها الدراسات التي قام ويقوم بها برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD أو البنك الدولي la banque mondiale أو صندوق النقد الدولي le FMI، بيَّنت، بوضوح، أن القضاءَ على هذه الآفات، أو على الأقل، التخفيف من وقعها على التنمية، يرفع نسبة النمو، وبالتالي، يرفع من قيمة الثروة التي تنتِجها البلادُ، ويُسهِّل الولوج إلى الخدمات العمومية، من صحة وتعليم، وبالأخص، يساهِم في استقلالية المرأة وتحريرها اجتماعياًُ واقتصادياً favorise l'autonomie sociale et financière de la femme.

أما ما أقصده ب"التوزيع العادِل والمُنصف" للثروة التي تُنتِجها البلاد، ليس التوزيع بالتَّساوي distribution égalitaire على المواطنين، لكن أن ينالَ كل ذي حق ما يستحِقُّه من حقوق.. وهنا، لا بُدَّ من الإشارة أن المواطنين لا يستفيدون، مباشرةً، من الثروة التي تنتِجها البلاد. وهنا، يُفرض علينا السؤال التالي : "مَن المُستفيد من هذه الثروة؟".

المستفيد المباشر من هذه الثروة، هي الأقلية l'oligarchie التي تتحكَّم في السلطة والمال، أي تجمع بين السلطة، من خلال مشاركتِها في تكوين الأغلبية البرلمانية وفي الحكومة، وبين المال، أي الرأسمال الذي يتحكَّم في اقتصاد البلاد. والتحكُّم يأتي عن طريق البرلمان الذي يُشرِّع والحكومة التي تُنفِّد ما شرَّعه البرلمان. الكل يصبُّ في مصلحة الأقلية.

ولا داعيَ للقول أن توزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد، توزيعا عادِلاً ومنصِفاً، يُساعِد على تنشيط نسبة النمو الاقتصادي stimulation du taux de croissance économique، وذلك عن طريق تقوية القدرة الشرائية للمواطنين. وهو الشيءُ الذي ينمِّي الاستقرار الاجتماعي la stabilité sociale ويُقوِّي الأمن، ويُسهل الولوجَ إلى الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، وعلى رأسها، التعليم والصحة. وتنشيطُ نسبة النمو الاقتصادي يعني الزيادة في النشاط الاقتصادي، والزيادة في النشاط الاقتصادي تعني خلق مناصب الشغل، وخلق مناصب الشغل يعني محاربة البطالة التي وصلت في ظل الحكومة الحالية إلى 13%، وهو رقمٌ مخيفٌ.

ومن بين الآفات التي، من واجب الأحزاب السياسية التي ستنجح في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة، أن تُعطيها الأولوية، محاربة الفساد والفقر والأمية.

فيما يخص محاربة الفساد والفقر والأمية، كل المواطنين يعرفون أنها آفات اجتماعية تُعتَبَر بمثابة العدو الأول للتنمية. والدستور المغربي لسنة 2011، الذي يُُعتَبَر القانون الأسمى للبلاد، أشارَ إلى أهمية الشفافية la transparence في ممارسة السياسة، عبرَ تدبير الشأن العام la gestion de la chose publique. كما أشار نفس الدستور إلى ضرورة محاسبة السياسيين المكلفين بتدبير الشأن العام إذا خرقوا القانون أو كانوا في حالة تنازع المصالح conflit d'intérêts أو استغلوا نفوذَهم. ومن أهم التدابير التي جاء بها دستور 2011، في فصلِه رقم 36، التزام السلطات العمومية بمَنع كل أشكال الانحراف المرتبطة بتدبير الأموال العمومية وإبرام الصفقات، وكل ما من شأنه أن يُعيقَ المنافسة الشريفة، دون إغفال مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة" relier la responsabilité politique à la reddition des comptes. ومن أجل إعطاء هذا المبدأ قوةً سياسية وقانونية، أنشأت البلادُ "المجلس الأعلى للحسابات" la cour des comptes والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته l'instance nationale de la probité et de la prévention et de la lutte contre la corruption.

وعلى ذكر الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومُحاربته، مهمتها الأساسية هي إعداد تقرير سنوي يرصد مدى انتشار الفساد في المجتمع المغربي. التقرير الذي أعدته الهيئة برسم سنة 2025 بيَّن أن الفسادَ يزيد انتشارا من سنة إلى أخرى وأن بلادَنا، بسبب الفساد، يضيع من ثروتِها ما لا يقل عن 5 ملايير أورو، أي ما يفوق 50 مليار درهم أو 5000 مليار سنتيمتر.

أما القضاء على الفقر، أو على الأقل، التخفيف من وَقعه على التنمية، فإنه يقلِّص الفوارق الاجتماعية أو الطبَقِية، وأهمُّ شيء، فإنه قد يُساعد على رفع نسبة النمو الاقتصادي، من خلال رفع مستوى المعيشة والاستهلاك.

أما القضاء على الأمية، فإنه يُساهم، بكيفيةٍ فعالة، في بناء رأسمالٍ بشري واعي ومُثقَّف، يعرف ما عليه من واجبات des obligations وما له من حقوق des droits، إضافةً إلى اكتساب كفاءات تؤهِّله للمساهمة في تنمية البلاد. وعليه، فإن القضاءَ على الأمية، يُساهم في التخفيف من البطالة.

أما القضاءُ عليهما، أي الفقر والأمية، فإنهما، يُساهمان، بفضل رفع مستوى الوعي وتقليص الفوارق الاجتماعية، في الأمن والاستقرار الاجتماعيين، وكذلك، في تحسين الوضع الصحي.

هذا هو ما ينتظره المغاربة من الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة من تغييرٍ في النهج السياسي الذي سارت عليه الأحزاب السياسية، إلى يومنا هذا، والذي لم يُحدِث أي تغيير ملموس على أرض الواقع. بمعنى أن الأحزاب السياسية، إذا لم تتصدَّى لما يُعرقِل مسيرة البلاد الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية، فإنها، فقط وحصرياً، تُكرِّر نفسَ المسرحية التي سبق أن أعدَّتها وأخرجتها أحزاب سياسية نجحت، قبلها، في انتخابات تشريعية سابقة. فسنرى هل أحزابُنا السياسية واعِيةٌ بضرورة هذا التغيير أم لا!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى