الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة



لم نكد ننتهي من الحلقة الأولى المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوانها: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى فاجأني صديقي "التميمي" بثلاثة أسئلة من متابعي الحلقة الأعزاء، وتتمحور حول الآتي:

* كيف لأعجمي من بُخارى أن ينتج هذا الكم الهائل من الأحاديث باللغة العربية؟

* كيف لطفل يتيم أن تستقر حالته النفسية ونشأته أن يتربع على عرش الحديث؟

* علوم البخاري كلها متأثرة بالسياسة والسلطة العباسية فهو عالم سلطان فكيف يؤخذ بقوله؟


وسأتناول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الأول والثاني لكونهما يأتيان في سياق الموضوع، بينما سنرجئ السؤال الثالث لمقال قائم بذاته يأتي تاليًا ليس بعيد. على أنه من الضروري أن أنبه أن هذه الأسئلة تأتي في إطار الأسئلة المشروعة، وتبتعد بعيدًا عن قدح القادحين، وتشغيب التافهين، وتشكيك الحاقدين، وتقترب كثيرًا من حرص المسلم على دينه، وسلامة المصدر الذي ينهل منه.

...........................................

جمع الإمام البخاري بين سلامة النشأة الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية السليمة في بواكير حياته، وعلى الرغم من تشابه الكلمات، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً بين المفهومين؛ فسلامة النشأة يُركز على البيئة والمحيط، بينما يُركز الآخر على الأسلوب والممارسة.

يشير مفهوم سلامة النشأة الاجتماعية إلى الوضع القائم والظروف المحيطة بالطفل في مكان نشأته، من توافر بيئة طبيعية، آمنة، ومستقرة اجتماعيًا ونفسيًا، بينما يشير مفهوم التنشئة الاجتماعية السليمة إلى العملية التربوية التي يتلقاها الطفل، والطرق المستخدمة لتشكيل سلوكياته من والديه والمؤسسات التعليمية، ومجموع القيم والمبادئ السائدة والمطبقة في بيئته الداخلية والمحيطة به.

لقد كان من الأوفق ونحن بصدد بعض الإلمام بتاريخ الحديث الشريف، أن نقف على السيرة الحياتية العطرة لأمير المؤمنين في الحديث، صاحب كتاب: "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسننه وأيامه"، وهو من أشهر كتبه بخاصة، وأشهر كتب الحديث النبوي على الإطلاق بوجه عام.

إنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي، الذي شهدت مدينة بخاري مولده في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة.

لقد جاءت إمامة البخاري في علم الحديث النبوي نتاجًا عمليًا للتكامل الفريد بين سلامة النشأة الأسرية والبيئة العلمية الحاضنة التي أحاطت به منذ نعومة أظفاره، مما كان له أكبر الأثر في تكوينه الشخصي الفريد المتميز الذي لا يقيس عليه الباحث في تاريخه أية نماذج سابقة ولاحقة عليه في وضع استثنائي، جعله المُبرز في ميدانه، بما اجتمع عليه من أقوال في حقه مجموعة من أفواه العلماء الربانيين الكبار الذي تتلمذ عليهم أو شهدوا بوادر نبوغه وبشروا به، وهذا النبوغ قد تحقق في زمانهم وبعد زمانهم.

سبق البخاري إلى دراسة علم الحديث والده إسماعيل بن إبراهيم فكان من علمائه المشهود لهم بالورع بل من كبار المحدثين في بخارى، وقد تتلمذ على يد الجهابذة من أهل الحديث، مثل: الإمام مالك بن أنس وحماد بن زيد، ومن تلامذته أهل العراق، ولم يكتفِ بالعلم ميراثًا لولده، بل ترك له ثروة جمعها من كل مصدرٍ حلال، كان له الحق أن يفاخر ويبرئ الذمة بقوله قبيل وفاته: (لا أعلم في مالي درهمًا من حرام ولا درهمًا من شبهة)، فكان من بركة هذا المال على ابنه أن جعله متفرغًا منقطعًا لطلب العلم في بلده أو بالرحلة في طلبه دون أن يشغله عن ذلك شاغل أو عارض من عوارض الدنيا.

يقول المباركفوري في كتابه: “سيرة الإمام البخاري: سيد الفقهاء وإمام المحدثين": (ومن جملة الفضائل والمزايا التي اتصف بها الإمام البخاري أنه كان هو وأبوه من المحدثين ومن أصحاب الفضل، ولم يحصل هذا الفضل في المسلمين إلا لأناس معدودين مختارين).

وقد أحسن والد البخاري اختيار الزوجة الصالحة التي سترعى ابنه بعد وفاته، وتحسن تربيته، وتستكمل مسيرة الأب التي كان يتمنى أن ينشأ ابنه عليها، فوفرت له كل الأجواء التي لا يحس فيها بالحرمان أو النقص أو الفقد أو اليتم، بما أحاطته به من العطف والحنو والرعاية، وكان من ثمار المطعم الطيب استجابة الدعاء من قلبها الذي انشق على ولدها حين أصابه الرمد فأفقده البصر، فاستجاب الله لضراعاتها بلسانها الصادق من قلبها الطاهر، وهي ترى نبوغ ابنها الباكر الذي ينبئ عن مستقبل زاهر يعلن عن نهايته غير المتوقعة، فرد الله على البخاري بصره ليمضي في طريقه نحو ما يحب من العلم الذي يسري في وجدانه قرآنًا يتلى وأحاديث لا يغيب عن ذكرها قول القائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولعل من نافلة القول أن أزيد أن نشأة الإمام البخاري كيتيم في حجر والدته التي كانت امرأة صالحة وذكية، وفرت له بيئة تربوية مستقرة مادية ونفسية، وقد نشأ رسول الله ﷺ يتيمًا وكذلك الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وربيعة الرأي وغيرهم.

لعبت الأمهات دوراً محورياً في الإسلام، حيث تولين رعاية أبنائهن الأيتام وخرجن للعالم أئمة عظام غيروا مجرى التاريخ، ومنهم: ربيعة بن فروخ أحد سادات التابعين، وأحد الأعلام المشهورين، فقيه المدينة المنورة وعالمها، وأحد المحدِّثين العظام والمشهور بـ "ربيعة الرأي" ـ شيخ الأئمة الكبار مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري والليث بن سعد ـ الذي نشأ يتيماً في حجر أمه بعد خروج أبيه للجهاد، وقد أنفقت الأم أموالها البالغة 30 ألف دينار على تعليمه، ورفضت أخذها عند عودة الأب مفضلةً استمرار ابنها في مجالس العلم. وقد توفى والد الإمام الشافعي وهو صغير، فنشأ يتيماً مع أمه التي واجهت فقراً شديداً وكرست حياتها لتربيته وتوجيهه، وصنعت منه فقيهاً يحفظ القرآن والموطأ في سن مبكرة. وأيضًا توفى والد الإمام أحمد بن حنبل وهو طفل، فتكفلت أمه بتربيته حتى كانت توقظه وتجهز له ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة وهو ابن عشر سنوات، وذهبت معه للمسجد لضيق الطريق وظلمته.

من المعروف أن مدينة بخارى التي شهدت ميلاد الإمام البخاري، وهي أوزبكستان الحالية، كانت مركزاً إسلامياً وثقافياً كبيراً تتحدث باللغة العربية وحرصت عليها لكونها لغة العلم والدين آنذاك، وكان العلماء الأعاجم في ذلك العصر كانوا يدرسون النحو، والبلاغة، والفقه العربي منذ صغرهم حتى فاقوا العرب ـ أنفسهم ـ في لغتهم ولا أدل على ذلك من "سيبويه" "شيخ العربية" و"إمام النحاة الذي شهدت قرية البيضاء من بلاد فارس ميلاده.

ومما يدل على ذلك ما روي عن البخاري أنه قال لرجل سأله أن يعلمه الحديث: (يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره)، فقال له: عرفني حدود ما قصدت له ومقادير ما سألتك عنه، قال: (اعلم أن الرجل لا يصير محدثًا كاملا في حديثه إلا بعد أن يتيقن من معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو)... فكيف يشترط البخاري هذا ولا يطبقه على نفسه؟!

وهو ما يعني أن اللغة العربية ليست عرقًا، وإنما لسان ولغة يستطيع كل من يتعلمها أن يتقنها، والشواهد كثيرة في عصرنا، وقد امتلك الإمام البخاري الملكة اللغوية التي أظهرت مؤلفاته فصاحته اللغوية العالية، بل فهمه العميق لدقائق الألفاظ العربية، إلى جانب إلهامًا ربانيًا بالتوجه لدراسة الحديث الشريف، وذاكرة لاقطة متفردة خارقة قادرة على الحفظ من سماع واحد.

بدأ البخاري طلب العلم في مدينته التي كانت مركزاً علميًا وحضاريًا في بلاد ما وراء النهر في القرن الثالث الهجري، بما تتميز به من انتشار حلقات المحدِّثين والفقهاء، واجراء المناظرات الفقهية، ودراسة علوم الشريعة، وخاصة علم الحديث النبوي، كما تتبادل "بخارى" الرحلات العلمية بين علمائها وعلماء بغداد ومكة والمدينة. ولهذا فقد تلقى البخاري العلم على يد كبار محدثي وفقهاء مدينته، وكان أبرز شيوخه: "محمد بن سلام البيكندي"، الذي كان أحد أكابر محدثي زمانه في بلاد ما وراء النهر، وعبد الله بن محمد المسندي، الملقب بـ "المسندي" لأنه كان يعتني بجمع الأحاديث المسندة وترتيبها، و"الداخلي" شيخ بُخارى وفقيهها.

لقد لفت نبوغ البخاري أنظار أساتذته وشيوخه فكانوا لا يتوانون عن متابعته، فكان شيخه البيكندي يثق في نبوغه إلى الحد الذي كان يعرض عليه كتبه ليصحح ما فيها من خطأ وهو لما يزل غلامًا بعد، بل كان يحدث الشيخ زملائه عن تلميذه الصغير الذي يحفظ سبعين ألف حديث، وحين يُحدّث بحديثٍ عن الصحابة أو التابعين لا يذكرهم إلا وهو عالم بمكان وتاريخ ميلادهم، وسيرتهم الحياتية، ومكان وتاريخ وفاتهم، بينما كان لشيخه محمد المسندي الأثر البالغ في توجيهه نحو العناية بالصحيح والمسند.

ذلك أنه لما بلغ البخارِي العاشرةَ من عمره ألهمه الله حفظ الحديث الشريف في هذه السن المبكرة، والمقصود بالإلهام: "العلم الذي يقع في القلب، ويطمئن له الصدر ، يخص الله به بعض عباده"؛ أي أن الله ألقى المعرفة في قلب البخاري الطفل هبة منه بمحبة الحديث وحفظه في قلبه ليصبح بدء أمره توفيقاً ربانياً وتيسيراً من الله عز وجل لنبوغه المبكر، ويقصد البخاري من ذكر ذلك الإلهام أمرين: بيان فضل الله عليه، وأن نبوغه وذكاءه ليسا بمجرد الكد والاجتهاد، بل بتوفيق الله وإعانته له على الحفظ في سن مبكرة، وقد تجلى هذا الإلهام في قوة الحفظ الاستثنائية؛ فقد حفظ في صباه الكتب الكبيرة مثل مصنفات ابن المبارك وغيرها.

وهذا الإلهام إشارة إلى أن من يتعاملون مع البخاري يَتناسوْن الفروق الفردية الفطرية التي ولد بها، أي أنها مواهب ومنح ربانية لا دخل لبشر فيها، ولهذا فقد تميز بالذكاء اللغوي الفطري؛ حتى كان فصيح اللسان في طفولته، ذا بصيرة، سريع البديهة، لديه قدرة فائقةٍ على الحفظ وقريحة وقَّادة، ذلك إلى جانب ما اكتسبه من فروق خاصة به تميز بها عن غيره من أقرانه.

انطلق البخاري النابغة في سن الحادية عشرة قاصدًا أئمة الحديث؛ لينهل من مواردهم، ومما يدل على نبوغه العلمي ما تحدث به عن نفسه في هذه المرحلة: (ثم خرجتُ من الكتَّاب فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ الناس: سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم، فقلتُ: (إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم)، فانتهرني، فقلتُ له: (ارجع إلى الأصل إن كان عندك)، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: (هو الزبير وهو ابن عدى ابن إبراهيم)، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقتْ، قال: فقال له إنسان ـ أي للبخاري ـ : ابن كم حين رددتُ عليه؟ فقال: (ابن إحدى عشرة سنة).

أمَّا عن "الداخلي" الذي كان من شيوخ البخاري؛ فهو الفقيه العلامة، شيخ ما وراء النهر، فقيه المشرق، واسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن بكر بن واصل المحدث الداخلي، وكان صاحبًا لإسماعيل والد الإمام البخاري، وهو من المحدثين الزهاد، ولم يترجم له البخاري في "تاريخه" وكأنه لم يكن عنده من الحديث الشيء الكثير؛ لأنه كان فقيهًا.

وكما أٌلهِمَ البخاري حفظ الأحاديث منذ العاشرة من عمره، فمازالت هذه الرغبة تنمو وتزداد فيه، كذلك كان حريصًا على تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، ومعرفة علل الحديث والإطلاع على أحوال رواة الحديث ومعرفة عدالتهم وضبطهم وأمانتهم وصدقهم ومعيشتهم ومسكنهم ومولدهم ووفياتهم ولقائهم فيما بينهم، ومقارنة الأسانيد بعضها ببعض، ومعرفة اتصالها وانقطاعها، والبلوغ بالفنون الحديثية إلى أسمى مكانتها، واستنباط المسائل من الأحاديث وجمعها ومقارنتها بالآيات القرآنية. وخلاصة القول كما يرى المباركفوري: (أن البخاري كان مغرمًا بهذه الأمور منذ البداية، ومع مرور الأيام وانقضاء الليل والنهار كانت هذه الأفكار تترسخ في قلبه وتَتَقوى).

لقد عاش الإمام البخاري في القرن الثالث الهجري، المعروف بـ "العصر الذهبي" لتدوين السنة النبوية وقيام نهضة علمية أحاطت بالعلوم الإسلامية، ساعد فيها الظروف السياسية والجغرافية المستقرة، وما نتج عنها من التنقل الآمن بين بلدان العالم الإسلامي، والخروج في الرحلات العلمية، وهي سُنة ماضية ومنهجًا علميا معروفًا إذا كان طالب العلم قد انتهى من تعلم الأساسيات في بلده، فعليه بالسفر أو الرحلة للتعلم على أيدي كبار العلماء والراسخين في العلم من خارج بلده.

لهذا كان لزامًا على البخاري أن ينطلق مرتحلا ليطوف بأهم عواصم العلم؛ فأقام بالحجاز ستة أعوام، وتردد على بغداد، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، والجزيرة، يذكر الحافظ بن حجر العسقلاني، في كتاب "فتح الباري"، أن البخاري كان يجالس العلماء ويحاور المحدِّثين، ويجمع الحديث، ويعقد مجالس للتحديث، ويتكبد مشاق السفر والانتقال، لم يترك حاضرة من حواضر العلم إلا نزل بها وروى عن شيوخها، وربما حلَّ بالبلد الواحد مرات عديدة، يغادره ثم يعود إليه مرة أخرى.

لم تكن الحواضر العربية تشكو قلة العلماء، أو اقتصار علم الحديث على التلقي الشفوي بل شهد القرن الثالث الهجري ما يُعرف بـ "التدوين الرسمي الثالث" وازدهار تدوين السنة، فبينما اقتصر التدوين في القرنين الأول والثاني على الاهتمام بالسنة تدوينًا وجمعًا فقط، تناول علماء القرن الثالث السُنَّة من جهتين؛ هما الجمع والتدوين والتصنيف على المسانيد والجوامع والسنن: والمسانيد، هي الكتب الحديثية التي رتَّبها مؤلفوها على ما رواه كل صحابي على حِدَةٍ، بغضِّ النظر عن الموضوع؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يَعْلَى. بينما اشتملت الجوامع على جميع أنواع الحديث في العقائد، والفقه، والرقائق، والآداب، والتفسير، والمناقب، وغيرها؛ كالجامع الصحيح للإمام البخاري، أما السُنن، فهي الكتب التي رُتِّبت على الأبواب الفقهية؛ كسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، رحمهم الله تعالى.

وقد التقى البخاري بكبار أئمة الحفظ والتدقيق في عصره، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وكتب عن ألف وثمانين شيخًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، وهو ما يعني أن هناك تراثًا نقديًا قد سبق البخاري، وهو ما يعني أيضًا أنه نشأ في مجتمع نقدي بامتياز، وهو مجتمع له خبرة طويلة بالنقد، وقد رأى في هذا المجتمع ذلك التعظيم لعلماء الحديث وأئمة النقد، وقد بدأ ذلك التعظيم من بيته الصغير وأسرته الخاصة، فقد كان والده ـ كما ذكرنا ـ ممن يعتني بالحديث وسماعه، وكانت تدور أحاديث في مجالس البيت؛ فهذا العامل المشكّل لشخصية البخاري النقدية: المجتمع النقدي الوارث لعلوم النقد الممتدة، ثم يأتي عامل آخر، وهو الموهبة النقدية التي منحها الحق سبحانه للبخاري، وقد ظهرت موهبته تلك مبكرًا في حياته.

ويلحق بهذه العوامل عامل يتمثل في التفرغ التام من الإمام البخاري لهذه الصنعة، إذ لم ينشغل بشئ آخر غيرها مدة حياته، فلم يًعرف أنه انشغل بالبيع والشراء والعلاقات مع السلطة السياسية أو الناس، بل كان هدفه الأول والآخر هو الحديث رواية ونقدًا، وهو ما وّلد همة عالية واهتمامًا نادرًا بهذه الأحاديث. كما يذكر الدكتور أحمد صنوبر في كتابه: "من النبي إلى البخاري: دراسة في حركة رواية الحديث ونقده في القرون الثلاثة الأولى".

لقد أثمرت النشأة الطيبة للبخاري الصبي فيما تمثل في البخاري الإمام من صفات وثمار المعارف والأخلاق ما تركه لأمته من بعده من الكتب والمؤلفات الهامة التي بدأها وهو في سن الثامنة عشرة من عمره، والتي أجمعت الأمة على قبولها، وجاءت أقوال العلماء الأثبات في تقريظها، والثناء على صاحبها مما لا يتسع المقام لسردها لكثرتها، وسأجتزئ بعضها الذي يقف خير شاهد ودليل على أنه كما يقول الإمام ابن كثير: (أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمُقتدىَ به في أوانه، والمُقدم على سائر أضرابه وأقرانه)، وكما قال عنه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: (هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل)، وقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي: (البخاري شيخ الإسلام وإمام الحفاظ. كان رأسًا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة)، وقال تاج الدين السبكي: (كان البخاري إمام المسلمين وقدوة المؤمنين وشيخ الموحدين والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين).

وأختم مقالي متمثلا قول ابن حجر العسقلاني: (ولو فتحتُ باب ثناء الأئمة عليه ـ أي الإمام البخاري ـ ممن تأخر عن عصره لفنىَ القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحرٌ لا ساحل له).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى