غانية ملحيس - حين تضيع الوجهة قبل أن تضيع البوصلة

أعاد مقال الصديق يحيى بركات " المجاهد الذي حذّرني من الهزيمة قبل أن تقع" إلى ذاكرتي سؤالا لم يفارق حركات التحرر الوطني منذ أكثر من قرن.
كان الرجل يتحدث عن أولئك الذين يفقدون إيمانهم بالنصر قبل وقوع الهزيمة، وعن الخطر الكامن في تحوّل الواقعية من أداة لفهم الواقع إلى ذريعة للاستسلام له. وكان تحذيره واضحا:” احذروا اليوم الذي ينجح فيه اليأس في ارتداء ثياب الحكمة.”

غير أنني، وأنا اقرأ المقال، وجدت نفسي أفكر في سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت المشكلة تبدأ حين تضيع البوصلة، فماذا عن الوجهة نفسها؟
في كثير من تجارب التحرر الوطني انشغل الناس بالسؤال: من الذي يحكم بعد الاستقلال؟
لكن التجربة التاريخية تقول إن هذا السؤال، على أهميته، ليس السؤال الأكثر جوهرية. فالقضية لا تتعلق أساسا بمن يجلس خلف المكتب بعد رحيل المستعمِر. ولا بتاريخ هذا الشخص النضالي. ولا بعدد السنوات التي قضاها في الجبال أو السجون.
بل تتعلق بالسؤال الذي يسبق الأشخاص جميعا، بالهدف الذي يسير نحوه المجتمع كله.
فالعبرة في المحطة الأخيرة التي تتجه إليها السكة، لا في هوية سائق القطار. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يقود؟ بل: إلى أين نتجه؟
هنا تحديدا تظهر واحدة من أكثر الإشكاليات التباسا في تجارب العالم الثالث. إذ جرى الخلط طويلا بين ثلاثة مفاهيم مختلفة: التحرير، والاستقلال، والحرية. بينما هي في الحقيقة محطات مختلفة في مسار تاريخي طويل.
• فالتحرير يعني إنهاء الوجود المباشر للمحتل.
• أما الاستقلال فيعني تفكيك الإرث الذي خلّفه الاحتلال في الاقتصاد والسياسة والقانون والثقافة والتعليم وأنماط التفكير.
• فيما الحرية أوسع من ذلك كله، لأنها تتعلق بقدرة المجتمع على امتلاك مصيره وصناعة مستقبله بإرادته الحرة.
ولهذا نجحت شعوب كثيرة في إنجاز التحرير. لكن عددًا أقل نجح في تحقيق الاستقلال. وعددًا أقل من ذلك نجح في بناء الحرية.
فالاستعمار لا يغادر دائما مع آخر جندي. وقد يرحل جيشه وتبقى مؤسساته. وقد يغادر جنوده بينما تستمر علاقات التبعية التي صنعها.
من هنا لم تكن معركة الاستقلال في الجزائر أقل تعقيدا من معركة التحرير. ولم تكن التحديات التي واجهتها فيتنام بعد انتصارها أقل صعوبة من الحرب نفسها.
وهذه التجارب لا تقدم نموذجا واحدا أو نتيجة واحدة، لكنها تكشف قاعدة مشتركة: أن حركات التحرر لا تُختبر فقط في لحظة مواجهة الخصم، بل أيضا في قدرتها على الحفاظ على تعريفها للهدف بعد تغيّر الظروف. فالتحدي لا يكون دائما في امتلاك مشروع التحرر، بل في قدرة هذا المشروع على البقاء واضحا عندما تفرض موازين القوى تسويات ومراحل انتقالية.
ولهذا فإن كل تجربة تحرر تواجه لحظة فاصلة: هل تبقى الأدوات السياسية والتنظيمية خادمة للهدف الأصلي، أم يتحول الحفاظ على ما تحقق إلى بديل عن تحقيق ما لم يتحقق بعد؟

والمفارقة الفلسطينية تبدو أكثر تعقيدا من كل ذلك، ففي معظم تلك التجارب جاء الجدل بعد التحرير. أما في الحالة الفلسطينية فقد بدأ الجدل قبل التحرير نفسه.
فالمشكلة ليست فقط أن التحرير لم ينجز. بل أن تعريف التحرير نفسه بدأ يتغير قبل تحقيقه. ولعل هذه هي النقطة التي تجعل التحذير الذي نقله يحيى بركات أكثر راهنية اليوم. فالمجاهد الجزائري كان يخشى اليوم الذي يقتنع فيه أبناء القضية بأن النصر مستحيل. فيما واجهت التجربة الفلسطينية معضلة إضافية: اليوم الذي بدأ فيه بعض أبنائها يعيدون تعريف حقوقهم الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف تحت وطأة القوة.
فبدل أن يكون النقاش حول الممكن السياسي كمحطة على الطريق، بات حول حجم الهدف الممكن الذي تحول تدريجيا إلى نهاية الطريق.
وهكذا انتقل جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية، عبر مسار طويل ومعقد: من مشروع تحرير إلى مشروع سلطة. ومن تغيير موازين القوى إلى إدارة نتائجها. ومن التفكير في المستقبل التاريخي للقضية إلى التفكير في إدارة الوقائع التي فرضتها موازين القوى القائمة.
وهنا تستعيد واقعة قديمة دلالتها الخاصة. فعندما استقبل ماو تسي تونغ أول وفد قيادي من حركة فتح عام 1969، وشرح له أعضاء الوفد أهداف الثورة الفلسطينية المتمثلة في تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية، لم يتمنَّ لهم تحقيق الهدف، بل تمنى لهم الثبات عليه.
بدت لهم العبارة يومها غريبة، لكنها تبدو اليوم أكثر وضوحًا.
فماوتسي تونغ لم يكن يشكك بإمكانية التحرير. بل كان يدرك أن الصراعات التاريخية الكبرى قد تمتد عبر أجيال. فبعض الأهداف لا تتحقق خلال عمر جيل واحد. لكنها تضيع في لحظة واحدة، إذا فقدت الحركة الوطنية وضوح رؤيتها، أو غيرت أهدافها الثابتة تحت وطأة موازين القوى المتغيرة.
ولذلك فإن القضية الفلسطينية لا تواجه اليوم أزمة قيادة فقط. ولا أزمة مؤسسات فقط. ولا أزمة تمثيل فقط. بل تواجه، قبل ذلك كله، أزمة تتعلق بالعلاقة بين الوسيلة والغاية، بين الثورة والهدف، بين التحرير والاستقلال، وبين الدولة والحرية.
فالثورة ليست غاية. والدولة ليست غاية. والسلطة ليست غاية.
وأما الغاية فهي الحرية: التحرير، والعودة، وامتلاك الشعب الفلسطيني القدرة على صنع مصيره.
والشعوب لا تُهزم فقط عندما ينتصر عليها أعداؤها، بل حين يصبح الحفاظ على الواقع أهم من تغييره، ويتحول الممكن المؤقت إلى سقف نهائي. وحين يصبح التكيّف مع الطريق بديلًا عن الوصول إلى الغاية. عندها لا تضيع البوصلة فقط، بل تضيع الوجهة نفسها.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي تستحق أن نتوقف أمامها اليوم.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى من يدير حاضرها. بل إلى من يحافظ على معناها التاريخي. وإلى من يدرك أن الثبات على الهدف، كما قال ماو تسي تونغ ذات يوم، قد يكون أقصر الطرق لبلوغه.


غانية ملحيس
09/06/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى