سعيد حجي - الغرفة رقم 292...

بعد أن ملأت جوفي بقليل من البطاطس الطرية وشيء من المرق البارد الذي تركته وجبة الغذاء وراءها كأثر هزيمة صغيرة، خرجتُ من الغرفة رقم 292 متثاقل الخطى، لا بدافع الشغف بالمعرفة كما يتخيل الناس حين يسمعون كلمة "مكتبة"، انما هروبا...
هروبا من رائحة المراحيض التي كانت تزحف في الممر الطويل كأنها روح عفنة تسكن الحي الجامعي كله، وهروبا من ثلاثة "رفاقجية" سكارى في الغرفة المجاورة، كانوا قد بلغوا مرحلة متقدمة من السكر جعلت أصواتهم تبدو كتصادم أواني معدنية فارغة. لم يعد أحدهم يفرّق بين النكتة والفكرة، بين الشتيمة والنقاش الفلسفي. كانوا يضحكون على كل شيء، على السياسة، على الدين، على الحب، وحتى على أنفسهم، ذلك الضحك الذي يشبه بكاء متخفيا...
سرت في الممر وأنا أشعر أن الحي الجامعي معسكر انتظار طويل لشباب عالقين بين الفقر والحلم. الجدران متشققة، الطلاء متآكل، والمصابيح المعلقة في السقف تنشر ضوءا أصفر شاحبا يوحي بأن المكان مريض منذ سنوات...
في الطابق السفلي، كان بعض الطلبة متحلقين حول كأس شاي رخيص وسيجارة مشتركة، يتحدثون بحماس عن مباريات كرة القدم أكثر مما يتحدثون عن الامتحانات. هنا، حتى الأحلام تتكيف مع الفقر؛ تصغر، تنكمش، وتتعلم ألا تطلب الكثير...
دخلت المكتبة أخيرا.
تلك القاعة التي يفترض أن تعجّ بالفكر والكتب والنقاشات العميقة، بدت لي أقرب إلى حضانة ضخمة بلا مربّية. الطالبات يملأن المقاعد لا بعقول منشغلة بالمعرفة، انما بأحاديث هامسة وضحكات قصيرة ونظرات جانبية. بعضهن يمضغن العلك ببطء قاتل، كأن الزمن نفسه قطعة مطاطية لا تنتهي...
الكحل، العطور الرخيصة، الهواتف المضيئة تحت الطاولات، والمرايا الصغيرة التي تظهر فجأة لتعديل منديل أو خصلة شعر... كل شيء كان يوحي بأن المكتبة فقدت وظيفتها الأصلية، وصارت مجرد محطة لقتل الوقت وتبادل النظرات....
جلست في أقصى الزاوية، حيث العتمة الخفيفة والهدوء المكسور بسعال متقطع وتقليب صفحات متثاقل. وضعت أمامي كتابا لنعوم تشومسكي، محاولا أن أتشبث به كما يتشبث الغريق بلوح خشب وسط بحر هائج...
لكن الكلمات كانت تتسرب من رأسي كالماء.
كلما قرأت سطرا شعرت أن ذهني يرفض الاستقبال. الصفحات تنقلب وحدها دون أن تستقر فكرة واحدة في داخلي. اللغة بدت بعيدة، ثقيلة، متعالية على جسد جائع ومرهق. حين يكون الجسد متعبا إلى هذا الحد، تتحول الفلسفة إلى رفاهية قاسية...
كان النعاس يطرق رأسي بإصرار.
عيناي تحترقان، وظهري يؤلمني من ذلك الكرسي الخشبي اللعين.
شعرت أن جسدي يفاوضني بصوت خافت:
"نم... لا أحد ينتظر منك أن تنقذ العالم الليلة."
لكن شيئا عنيدا في داخلي كان يرفض الاستسلام. ربما الكبرياء، ربما الوهم القديم بأن المعرفة يمكن أن تنتشل الإنسان من قاعه. كنت أعاند كما يعاند البائس رغبته في البكاء أمام الناس...
في تلك اللحظة، أدركت كم أن صورة "المثقف الجائع" التي طالما تم تمجيدها في الكتب والأفلام صورة رومانسية كاذبة. الجوع لا يصنع فيلسوفا دائما، أحيانا يصنع فقط إنسانا متعبا، عصبيا، مشتتا، لا يقوى حتى على فهم فقرة بسيطة.
الكتب فجأة صارت تافهة، والطاولة مهترئة، والكرسي قاسيا كاعتراف مؤلم...
حتى الضوء بدا عدائيا، باهتا ومريضا، كأنه يضيء المكان على مضض.
الهواء نفسه كان مشبعا برائحة عرق خفيف ورطوبة قديمة، ذلك الخليط الذي يميز كل الأمكنة المكتظة بالفقراء.
رفعت رأسي قليلا، فرأيت طالبة تعدّل منديلها أمام مرآة هاتفها، تتأمل وجهها بعناية شديدة، كأنها تحاول ترميم شيء خفي بداخلها لا يظهر للآخرين. للحظة شعرت أن هذا المشهد أكثر وضوحا من كل النظريات السياسية التي كنت أحاول قراءتها...
الإنسان، في النهاية، لا يعيش بالأفكار وحدها.
هناك دائما جسد يريد الراحة، قلب يريد الحب، روح متعبة تبحث عن لمسة حنان صغيرة وسط هذا الخراب اليومي.
في الزاوية الأخرى، كان أحد الطلبة نائما فوق كتاب مفتوح، كأن المعرفة نفسها تحولت إلى وسادة للهاربين من الواقع. آخر يحدق في الفراغ بلا حركة، ربما يفكر في أهله البعيدين، أو في مصاريف الشهر، أو في تلك الفتاة التي لا ترد على رسائله...
كل واحد هنا يحمل حربه الخاصة بصمت.
أغلقت الكتاب أخيرا.
شعرت أنني لم أقرأ شيئا، وأن الساعات التي قضيتها داخل المكتبة لم تضف إلى رأسي سوى مزيد من التعب.
حملت الكتاب تحت إبطي، وخرجت ببطء.
في الممر الخارجي، كان المساء قد تمدد فوق الحي الجامعي مثل بطانية سوداء ثقيلة. بعض النوافذ لا تزال مضاءة، وبعض الأصوات لا تزال تتصاعد من الغرف: ضحك، شتائم، أغنية شعبية مشوشة، وصوت ماء يتسرب من حمام مهمل.
مشيت منحني الظهر، كأنني أحمل عمري كله فوق كتفي، لا مجرد كتاب.
وحين عدت إلى الغرفة رقم 292، أدركت شيئا مؤلما:
في الحي الجامعي لا مكان حقيقي للثورات الفكرية كما تصورها الروايات.
هنا، أغلبنا لا يقرأ لكي يفهم العالم، انما لكي ينسى شيئا منه.
نقرأ كي ننسى الجوع الذي ينهش المعدة آخر الليل، كي ننسى الوحدة، كي ننسى الحب المؤجل، والفقر، والخوف من المستقبل، ورسائل الأمهات المليئة بالدعاء والقلق.
نقرأ أحيانا فقط لنشعر أننا ما زلنا نملك قيمة ما وسط هذا الخراب الكبير.
أما الأحلام...
فتبقى معلقة فوق أسِرّة الحي مثل ملابس قديمة لا يجد أصحابها وقتا لغسلها أو ارتدائها من جديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى