هي مجرد لحظات، لقد تهيأت لذلك جيدًا، درّبت نفسي على هذه الوقفة. ثق أنني لن أقاوم، بل لن أشعر بشيء، إذ فعليًّا فقدت الشعور من زمن بعيد.
أرجوك نفّذ وبسرعة..
هكذا أخبر "عبد الله روبي" "عشماوي" وهو يربط يديه من الخلف، قبل أن يضع العصابة السوداء الشهيرة على عينيه ورأسه.
لا يتحدث عشماوي مع زبائنه،...
رأيتها عدة مرات على مدار سنوات لا تقل عن العشر, في كل منها كنت منشغلًا بجريدتي.
لكن ظللت أعرف بمرورها من..
عطرها العتيق الذي يلتصق بذرات الهواء لفترة,
من حفيف أوراق شجرة عجوز لم تكن تهتز طربًا إلّا عند قدومها,
من ترحيب بائعة الجرائد القابعة بناصية "بهجت" وهي تقول لها بصوت مسموع:
-أهلًا بست...
قلتُ وأنا أقف عند رأسه: لقد طالت رقدتك هذه المرة يا شيخنا. علمتُ من الطبيب أن النازلة هيّنة، خطرها بسيط، فلا تستسلم للمرض. ثم تتبّعت بعيني الوميض الصادر من الشاشاتٍ والأجهزةٍ الطبيةٍ التي تعلو رأسه.
بصوتٍ واهن، ردّ الرجل: لقد نال منّي التعب فوق ما يتخيّل إنسان.
سألته: ألك حاجةٌ أقضيها؟
أجابني...
عادة الأهل في الجنوب، أنهم يعشقون منازلة الشمس وقت الظهيرة في أشهرِ الصيف الحارقة، لا يعرفون قيمة السَمَرْ إلّا في جوف الليل، ذلك وقت تنقطع فيه الأرجل، تغفو أعين المخبرين، غير أن الأنفس المتعبة تجد فيه راحة ما بعدها راحة.
تتواصل الأرواح بهمس في البداية، ثم تُطرح بتحفّظ رسمي رؤوس موضوعات، لكن...
لطالما رأينا "أم سعيد" ترفع يديها، تولّي وجهها للسماء، تدعو لصغيرها "سعيد" سرًّا وفي العلن. تُلحّ في الدعاء، تتوسل، تبكي بحرقة. فكنا نغبط ولدها "سعيد جبر" ونحسده على هذه النعماء.
فلمّا التقيت الشيخ بعد أربعين عامًا، وجدته لا يزال على عهدي به رقيق الحال، يقف عند بداياته الأولى. وقد عرفته دون...
قالت: لطالما طفتُ بالمقام كلما مررت به، قبل أن يتوارى عن ناظري، التفتُ إليه، أرميه بابتسامة تخرج من قلبي.
ثم لوّحت بإصبعها في وجهي، أكملت: لم يرني أحد أبدًا وأنا أفعل هذا، غير أنني أحسّ كل مرة كأن النجوم ترمقني من بعيد، تتغامز، لا تنسى أن تلمزني بأشعتها، ترسلها وتلسعني برودتها، أفيق لنفسي.
ثم…...
"لا بيخاف ولا بيختشي"
هكذا حسم " جابر " خفير المبنى الحكومي الأمر، أصدر حكمَه بصورةٍ قاطعة، قال ذلك وهو يعلم جيدًا أننا لن نراجعه في مقولتِه، وإلّا ما جئناه نطلبُ رأيه في "أيمن سلَّام" زميلِنا في العمل منذ فترةٍ بعيدة.
لقد قابلت " أيمن" قبل أربعين عامًا على سلالم مبنى قبة الجامعة؛ بهيئته...
عظيم الجسم، طويل، شديد بياض الوجه باحمرار، حاد الملامح ، قاسي النظرة، جهير الصوت حتى أنه عندما يهمس إليك بسرِ، تجد خلق الله على مسافة غير قليلة قد سمعوا القصة، فصعب أن تحدّثه في شأن خاص.
رغم هذا كان رقيق القلب، رؤوفًا بالقطط، لا يعرف التلوّن في الكلام، صريح في حديثه حد الوقاحة، حتى عفّ الناس عن...
عزمتها على فنجان قهوة في حتة بعيدة –كما تقول الأغنية الشهيرة–، اخترت نقطة تلتقي فيها الألوان الثلاثة – الأصفر، الأخضر، الأزرق – في ودّ نادر. في مقهى "لوبوليس"، هو في ذاته بقعة أسطورية أحسب أن عقلي من أوجده وخيالي جعله حقيقة.
حين جمعتني بها ترابيزة صغيرة من الخوص، أهديتها رزمة من الأقلام الرصاص...
"أيوب" من قدامى قطاع الطرق، غير أنّه هجر الشقاوة، وأعلن توبته منذ فترة ، أقام "حانوتًا" صغيرًا يبيع فيه الحلوى للأطفال.
بجعبته حكايات تأسر الألباب، كنا كلما جالسناه ـ بعد أن نشتري بضاعته، يحكي عن مغامرات خاضها ولا حصر لها، حينما نستمع إليه نشعر بسعادة غير أنها تنتهي كل مرة بقلق.
عدا عجوز، كانت...
ثم أمسكَ "إسحق خليل" يدي، وقال:
- اقترب.
لمّا دنوتُ منه، وجدتُ حرارته مرتفعة، وقد بدت عليه أعراضُ النزع الأخير، تلك التي يمرّ بها من يوشك أن يصل إلى محطّته الأخيرة ـ
ثم همس:
- لا حياة دون تجربةٍ حقيقية، لكنّي أخشى عليك المرور بالتجربة. هي قاسية، قادرة على أن تُبدّل حالك إلى آخر لا أرغبه لك...
المتاح عنه من معلومات قليلة ، إن شئت الدقة فهي شحيحة لديّ، لا تختلف عمّا يعرفه الباقون. لكن ذكراه عالقة بذهني، وذكرياتي عنه باقية مستقرة في أعماقي.
أدركته في الأعوام التي سبقت وقوع مأساته. كان حسن الصوت، يعشق الغناء، يقلّد أصوات كبار المطربين والمقرئين في عصره.
لم يترك فرحًا إلا ورأيته يُنَحّي...
أخبرني أنه يكتب لنفسه، أنه سئم -منذ سنوات- انتظار رأي الآخرين في نصوصه. وأنه الآن يعكف على كتابة قصصه، ما إن ينتهي من واحدة منها، حتى يذهب ليتوضأ، ثم يرتدي أجمل ملابسه، ينثر بضع زخّات من زجاج عطر غالية الثمن، يدفنها بين طيّات ملابسه في دولابه ذي الضلفة المكسورة. ثم يقف أمام مرآة كبيرة بحجمه...
"مفيش ميت بيدفع أجرة."
تلملم الشمس بقايا أشعتها الذهبية الدافئة، بدا أنها تتثاءب وترغب في الرحيل مبكرًا كعادتها في أيام الخريف.
حينها كنتُ أنتظر سيارة أجرة على ناصية أحد شوارع "المهندسين"، للذهاب إلى ميدان "الجيزة"، ومنه أقفز لأقرب عربة لأعود إلى بيتي بعد عمل يوم شاق.
ما أكثرها أيام الشقاء، حتى...
وبداخلها...
ذنوب قديمة ملقاة بإهمال في كيس بلاستيكي أسود، ومعها مفتاح صدئ لباب لم يُفتح منذ ثلاثين عامًا تقريبًا، كذلك وشايات ونميمة لم تشارك فيها، لكن تصرّ أن تحتفظ بها حتى حين.
أقلام أحمر شفاه، بعضها سليم، أخرى مستعملة حتى منتصفها أو كادت تفرغ، تتفاوت ألوانها بين الأحمر الفاقع حتى تقترب من...