محمود حمدون

نعم ونؤكد أن.. الدَفْعَة كانت قوية، وهو لا يعرف من أين أتته أو من دفعه هكذا. لكنه – على العموم – هوى من أعلى نقطة في سطح القصر، والقابع بدوره في أعلى جبل صخري يكاد يلمس السماء بقمته الحادة. وقع "سنمار"؛ وراح يتدحرج بعنف على الصخور. فكان طبيعيًّا أن يُعلن عن موته بمجرد أن أوقعه خصومه في حركة...
ثم قال لي: -ألم ننهكَ عن ذلك؟ قلت: بلي. -لمَ عُدتَ إذن؟ -قد أدمنت الذنب، بعده يكاد يقتلني الندم، لكن يقيني أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. -ماذا تريد؟ قلت: الغفران، بدء صفحة جديدة. -أوشك الدفتر أن ينفد، أو لعله قد نفد بالفعل. قلت: لا، لا تزال هناك ورقة مطوية في نهايته، أخفيتها منذ...
توقفت أمام العمارة الشاهقة؛ ظللت أتطلع لها في صمت، أستجمع أفكاري، أسترد ذكريات قديمة عن مُضيّفي، من قبيل الاطمئنان الظاهري، قلت: نعم.. العنوان مضبوط، كما هو مكتوب: .. الشارع. رقم العمارة. العلامات الإرشادية من" محل عصير القصب. المقهى الصغير البلدي الذي تفوح منه رائحة المعسّل العطنة بكثافة. محل...
ثم أطاح "سعيد جبر" بيمينه برقعة الشطرنج – فجأة في عزّ اللعب الدائر – فتناثرت القطع بطول مقهى "الشوشاني" وعرضه. منها ما أصاب زبونًا ينتظر طلبه، ومنها ما وقع في الخارج؛ غاصت في عمِّة " حسّان" ماسح الأحذية الكهل الصعيدي؛ فلم يهتم أو يلتفت، فقط ظل في عالمه وصمته وترقبه للجهة الأخرى من الطريق. كذلك...
يذكر "سعيد جبر" في أوراقه التي تركها، وقد عرفنا بها بعد انقطاعه عنّا واختفائه الطويل؛ فقد عثرنا عليها -بالصدفة- حينما بيع أثاث بيته وعفشه في مزاد علنيّ لاستيفاء المستحق عليه من ديون للمؤجر وغيره من الدائنين.. إذ يقول " سعيد" في صدر مذكراته وبخط منمّق أقرب إلى الخط الديواني: -إن القهر درجات؛...
وما جرى أن "صفوان" خرج من بيته وفي رقبته لافتة من الورق المقوّى، مدلاة بحبل من عنقه، مساحتها بالكاد تغطي صدره العاري، يرتدي بنطلونًا قصيرًا، أو ما يُقال عنه "شورت". وفي يده قلم سميك السن، غليظ الخط من الحبر الأسود، راح ينادي على المارة، وبخاصة من لا يعرفهم، يقول: -من لديه عِبرة أو عِظة أكتبها...
هذه لحظة تتكرر على فترات، لكن ليست كل مرة كسابقاتها إذ تنحرف فيها رتوش صغيرة جدًا لا تكاد تُلاحظ. في كل مرة يختلط فيها الوهم بالواقع، يمتزج الخيال بالحلم؛ لم يكن ما رأيته عبثًا، بل حقيقة عشتها من قبل. كل مرة أقول: لقد مشيت في هذا الطريق من قبل، رأيت ذلك الشيخ الثمانيني الذي يتكفف الناس، لا...
لمّا رأتني "أم محمد" بائعة الجرائد، أشارت لي أن أقترب منها؛ بل برضاء نادر وافقت أن أتجاوز الخط الأحمر الأخير- ذلك الذي لم تسمح لأحد من قبل بعبوره إليها -. ثم ردّت سلامي، وهي تعيد رزمة "الأهرام" لتنسيق تحرص عليه بشدة ؛ وألّا تخرج نسخة عن الصف، قالت ,وهي تمسح يدها في جلبابها الأسود: "-فلان" يقرؤك...
هي مجرد لحظات، لقد تهيأت لذلك جيدًا، درّبت نفسي على هذه الوقفة. ثق أنني لن أقاوم، بل لن أشعر بشيء، إذ فعليًّا فقدت الشعور من زمن بعيد. أرجوك نفّذ وبسرعة.. هكذا أخبر "عبد الله روبي" "عشماوي" وهو يربط يديه من الخلف، قبل أن يضع العصابة السوداء الشهيرة على عينيه ورأسه. لا يتحدث عشماوي مع زبائنه،...
رأيتها عدة مرات على مدار سنوات لا تقل عن العشر, في كل منها كنت منشغلًا بجريدتي. لكن ظللت أعرف بمرورها من.. عطرها العتيق الذي يلتصق بذرات الهواء لفترة, من حفيف أوراق شجرة عجوز لم تكن تهتز طربًا إلّا عند قدومها, من ترحيب بائعة الجرائد القابعة بناصية "بهجت" وهي تقول لها بصوت مسموع: -أهلًا بست...
قلتُ وأنا أقف عند رأسه: لقد طالت رقدتك هذه المرة يا شيخنا. علمتُ من الطبيب أن النازلة هيّنة، خطرها بسيط، فلا تستسلم للمرض. ثم تتبّعت بعيني الوميض الصادر من الشاشاتٍ والأجهزةٍ الطبيةٍ التي تعلو رأسه. بصوتٍ واهن، ردّ الرجل: لقد نال منّي التعب فوق ما يتخيّل إنسان. سألته: ألك حاجةٌ أقضيها؟ أجابني...
عادة الأهل في الجنوب، أنهم يعشقون منازلة الشمس وقت الظهيرة في أشهرِ الصيف الحارقة، لا يعرفون قيمة السَمَرْ إلّا في جوف الليل، ذلك وقت تنقطع فيه الأرجل، تغفو أعين المخبرين، غير أن الأنفس المتعبة تجد فيه راحة ما بعدها راحة. تتواصل الأرواح بهمس في البداية، ثم تُطرح بتحفّظ رسمي رؤوس موضوعات، لكن...
لطالما رأينا "أم سعيد" ترفع يديها، تولّي وجهها للسماء، تدعو لصغيرها "سعيد" سرًّا وفي العلن. تُلحّ في الدعاء، تتوسل، تبكي بحرقة. فكنا نغبط ولدها "سعيد جبر" ونحسده على هذه النعماء. فلمّا التقيت الشيخ بعد أربعين عامًا، وجدته لا يزال على عهدي به رقيق الحال، يقف عند بداياته الأولى. وقد عرفته دون...
قالت: لطالما طفتُ بالمقام كلما مررت به، قبل أن يتوارى عن ناظري، التفتُ إليه، أرميه بابتسامة تخرج من قلبي. ثم لوّحت بإصبعها في وجهي، أكملت: لم يرني أحد أبدًا وأنا أفعل هذا، غير أنني أحسّ كل مرة كأن النجوم ترمقني من بعيد، تتغامز، لا تنسى أن تلمزني بأشعتها، ترسلها وتلسعني برودتها، أفيق لنفسي. ثم…...
"لا بيخاف ولا بيختشي" هكذا حسم " جابر " خفير المبنى الحكومي الأمر، أصدر حكمَه بصورةٍ قاطعة، قال ذلك وهو يعلم جيدًا أننا لن نراجعه في مقولتِه، وإلّا ما جئناه نطلبُ رأيه في "أيمن سلَّام" زميلِنا في العمل منذ فترةٍ بعيدة. لقد قابلت " أيمن" قبل أربعين عامًا على سلالم مبنى قبة الجامعة؛ بهيئته...

هذا الملف

نصوص
43
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى