أحمد عبدالله إسماعيل - ضجيج الصمت...

لم تعكس المرآة سوى وقار اثنين وثمانين عامًا؛ تجاعيد وجهه هي وصفات طبية محفورة لمئات المرضى الذين مروا من تحت يديه. الدكتور رفعت، الرجل الذي لم تعرف يداه سوى لمس جباه المحمومين حتى تربع على عرش قلوب المرضى، وجد نفسه اليوم يمسك بورقة صفراء باردة، كُتب عليها حكم قضائي بالحبس في قضية "مشاجرة".
أطبق الصمت على غرفته التي اعتزل فيها الطب منذ شهور بسبب وهن جسده. "مشاجرة؟!" همس لنفسه بذهول. هو الذي كان يغلق باب عيادته وهو يشعر بالذنب إذا تأخر دقيقة عن مريض، هو الذي لم يرفع صوته يومًا إلا لينبه ممرضة إلى ضرورة الدقة، يُتهم بين عشية وضحاها بالبلطجة؟
تذكر اليوم المشؤوم في إدارة المرور. ذهب بروح الطبيب المنضبط؛ ليرخص سيارته العجوز التي تشبهه، ففاجأه الموظف خلف الزجاج، بعينين جامدتين: يا دكتور، عليك حكم غيابي في مشاجرة وضرب!
ضحك رفعت في البدء، ظنها دعابة ثقيلة، لكن صرامة الأختام الرسمية جمدت الضحكة في عروقه. جن جنونه؛ فالشخص الذي ادعى عليه لم يقابله قط، والمكان الذي وقعت فيه المشاجرة لم تطأه قدماه يومًا. كان في ذلك التاريخ، كما هو دائمًا، إما بين جدران عيادته يصارع المرض، وإما في سريره يصارع التعب.
جاءه ابن زميله القديم، شاب يحمل حقيبة جلدية حديثة وروحًا نفعية، وقال له ببساطة: يا عمّي، احفظ ماء وجهك، ولا ترخص السيارة هذا العام. انتظر حتى يسقط الحكم بمرور المدة، وستنتهي القصة.
نظر إليه الدكتور رفعت طويلاً. تحدث الشاب عن "سقوط الحكم" كأنه وضع يده على الجرح، لكن رفعت لم يتنفس الصعداء كما توقع، بل ظل يفكر في "سقوط الكرامة". كيف ينام وفي سجلات الدولة كُتب أن "الحكيم" قد صار "مُدانًا"؟ كيف يواجه أحفاده إذا ما بحثوا يومًا عن اسمه ووجدوه ملوثًا بحبر قضية عبثية؟
لم تكن السيارة هي ما يهمه، فقد كلت قدماه عن القيادة على أي حال. ما كان يشغله هو ذلك الخيط الخفي الذي يربط بينه وبين شخص مجهول سرق اسمه، أو موظف أخطأ في تدوين رقم قومي، ليجعله متورطًا في "خناقة شوارع" وهو الذي لم يغادر محراب عطائه.
في المساء، أخرج سماعته القديمة من درج مكتبه، وضعها على قلبه؛ فسمع نبضه منتظمًا رغم الحزن، لكنه أملى عليه قرارًا واحدًا: "الحق لا يسقط بالتقادم، والاسم الذي لم يُدن طوال ثمانية عقود، لن يلوثه إهمال في ختامه."
قبض على هاتفه واتصل بمحامٍ قديم من جيله، وقال بصوت عاد إليه بريقه: غدًا سنقدم معارضة؛ أريد أن أقف أمام المنصة، لأستعيد وجهًا لم يعرف يومًا نظرة القلق.
Rédiger

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى