يذكر "سعيد جبر" في أوراقه التي تركها، وقد عرفنا بها بعد انقطاعه عنّا واختفائه الطويل؛ فقد عثرنا عليها -بالصدفة- حينما بيع أثاث بيته وعفشه في مزاد علنيّ لاستيفاء المستحق عليه من ديون للمؤجر وغيره من الدائنين..
إذ يقول " سعيد" في صدر مذكراته وبخط منمّق أقرب إلى الخط الديواني:
-إن القهر درجات؛ أهونه حينما يعجز المرء عن النظر في أعين من أحسن إليهم. أشدها وطأة على النفس حينما يستشعر الفرد الهوان من نفسه وأمامها؛ حينما تتخلى عنه رئتاه فلا يسعفه النفس الطبيعي؛ تأبى عيناه أن تدمع ولو من باب المجاملة له.
في ورقة ثانية – صفراء قديمة – يشير "سعيد جبر" إلى أن الخيبة، بل كل الخيبة أن يخون المرء ذكاءه؛ فتطيش كل حركاته على رقعة الشطرنج، يخسر كل جنوده واحدًا بعد الآخر، حتى وزيره الأثير يتركه لشأنه.
ثم في نهاية مذكراته – التي لم تتعد عشر أوراق من القطع الصغير – ينهي "سعيد جبر" حكمته التي استقاها من الحياة- بحسب زعمه هو-، يقول بلهجة نظن أنها تقطر أسى ومرارة:
-القهر؛ أن يبلغ المرء أرذل عمره، لا يزال قلبه يخفق بالأمل، يعلم في قرارة نفسه بعبث الحلم.
ثم..
حينما فضضت الغلاف السميك القديم، المتهتك، الذي يحوي بين دفّتيه هذه المذكرات، إذا به يقول في ملاحظة صغيرة محفورة بسن قلم خلا من الحبر؛ كأنما لم يرغب أن يراها أحد:
-القهر، كل القهر أن تحمل متاعك القليل وتذهب مع الذاهبين إلى السفينة؛ تحلم بمكان أسوة بكل زوجين اثنين، لكن يرفضك الجميع؛ الحيوانات والطيور والبشر الذين آمنوا – على قّلتهم- بل لا يعبأ بك صاحب السفينة؛ يعطيك ظهره بعدما يعبس في وجهك.
أن أكتب هذا الكلام، أن لا يقع في يديّ أحد ليقرأه، أو أن يُقرأ ثم يتجاهله قارئه، أو أن يسخر منه.