وجهه الأسمر أرض محروثة، لم تهتز ملامحه لضحكنا الخافت.
طلبنا منه أن يُعيد ما قاله..
"معنا بالصلاة على النبي جنيه واحد، نريد أن نشتري به مائة رجل، مُقسّمين إلى ثلاث مجموعات: الرجل في المجموعة الأولى ثمنه مليم، وفي الثانية ثمنه قرش، وفي الثالثة بخمسة قروش".
لنا الصبر، لا نعرف هذا الرجل ولا يعرفنا، ومع ذلك يتعامل بطبيعية عجيبة. لا يضع في باله أنه في مدرسة، ووسط المدير والوكيلة وثلاثة مدرسين. صحيح نحن في الصيف بلا طلاب ولا حصص؛ لكنه اقتحمنا بجلوسه المفاجئ وحديثه الغريب، بعد أن سلّمَ الأوراق المطلوبة.
عرفنا أنه ليس من البلد، من قرية.. التي لم نسمع عنها، وأنه في زيارة لابنته المتزوجة فلان من بلدنا، ووجدها فرصة ليأتي ويُقدم ملف حفيده. أنهى كلامه بأنه سيمر غدا لإحضار الورق الناقص، وأهم شيء: ليسمع منا حل الفَزّورة!
بمجرد خروجه بدأنا التفكير بصوت عال. المدير والوكيلة يذكرون المليم والقرش، أما أجيالنا الوسطى فتعرف الشِّلِن ولا أبعد من ذلك. الشّلن، خمسة قروش، تلك الورقة المكتوب عليها: خمسون مليما، ما يعني أن القرش عشرة مليمات، وهذا أيضا يعني أن الرجل من الفئة الثانية يساوي ثمنه عشرة رجال من الفئة الأولى.
ما هذه اللخبطة؟ الجنية مائة قرش، أي ألف مليم. أمسكتُ دماغي!
غِبنا في توهة الحساب.
زميلنا مُدرس الرياضيات سحب ورقة وقلما من على المكتب، وبدأ في فَرض سينات وصادات وكتبَ معادلة. وكيلة المدرسة قالت إن خطأ الرجل وارد، ومن المُحتمل أن يكون نسي شيئا، فاختلاف الفئات والفلوس عامِل بلبلة. واحد منّا شدّ ورقة أخرى وبدأ الافتراض: لو اشترينا من النوع الثاني خمسين رجلا، فالثمن هو خمسون قرشا، يبقى من الجنية خمسون قرشا، أي خمسمائة مليم، يعني ثمن خمسمائة رجل من النوع الأول، وهذا مستحيل. طيب لو اشترينا من النوع الأول أربعين رجلا، سيكون سعرهم أربعين مليما، أي: أربعة قروش، فيبقى من الجنيه ستة وتسعون قرشا مطلوب منا أن نشتري بهم ستين رجلا من النوعين الثاني والثالث. والنوع الثالث ثمن الرجل فيه خمسة قروش، وإذا اشترينا منهم عشرة فسيكون ثمنهم خمسين قرشا، وبالتالي يبقى من الجنيه ستة وأربعون قرشا لابد أن نشتري بهم خمسين رجلا من النوع الثاني، وهذا لن يتم لأن الرجل بقرش، والفلوس لا تكفي إلا ستة وأربعين، وهكذا ينقص أربعة رجال عن المائة. لا لا، لن ينفع هذا الكلام.
واصَلنا عَصر أمخاخنا.
ماذا لو لم نصل إٍلى حل؟ ساعتها سيكون للرجل حق في أن يقول ما يشاء، حتى لو مسخَرنا جميعا.
"الساعة واحدة."
نبّهَنا المدير، فلم يحدث أن بقينا في الصيف حتى هذا الوقت. غالبا في الثانية عشرة نقفل المدرسة ونمشي.
"والعمل؟"
ضحكنا على المأزق العبثي. اتفقنا أن نحاول، وغدا يحلّها الحلّال.
**
صحوتُ مفزوعا على صوت التليفون، بنصف عين رأيت على الشاشة اسم زميلي مُدرّس الدّراسات، نفختُ ضيقا كابسا على صدري. صوته المشروخ بالنوم يسألني عن أخبار اللغز.
قلت: "يا عم حرام عليك، الساعة ثلاثة صباحا. عموما: لا جديد، وأنتَ؟"
"أنا من حوالي ساعة رحتُ في النوم، وفي الماء أيضا! في مركب كبير، وفي ليل أسود من الكُحل. نائم على بطني ومربوط من يديّ ورجليّ، بجواري صف ممتد من الأجساد. المياه هناك في الأسفل، رصاصية مخيفة، ترفعنا موجاتها وتُخفضنا. ملامح الرؤوس المتجاورة غير واضحة، وكل مجموعة مفصولة عن الأخرى بحاجز خشبي. ظهَر اثنان من القائمين على السفينة، يحملان رجلا، ويقتربان به من الحاجز. أغمضتُ عينيّ انتظارا لصوت (الطّشّة) المرعبة، بعدها تخيلتُه يهبط ببطء مثل سمكة ميتة. وفجأة وجدناهم يفكّون قيودنا، بدأنا في القفز، سبحنا حتى الشطّ الضبابي. وعند أول خطوة على التراب أحسست أنني أغوص، تشفطني الأرض، أنزل في بطنها حتى صدري، أختنق. صحوتُ وأنا أكُح وأنفخ".
"كابوس؟"
"ومن بعدها لا نوم."
"والفَزورة؟"
"صاحبك عَلّامَة الرياضيات شغّال."
"ربنا يسهل."
**
في طريقي أغني، أتمايل على إيقاع يسكُنني:
(أَحَدِّتَك حَدوتَة.. بالزّيت ملتُوتَة
حِلِفت ما كُلها.. حتى ييجي تاجِرهَا
تاجِرها فُوق السُّطوح
والسُّطوح من غِير سِلّم
والسِّلّم عَند التّاجر
والتّاجر عايز مسمار..)
لن تنتهي الكلمات الحلزونية التي حفظناها في عُمرنا الخام. توقفتُ عن الدندنة وعبرتُ البوابة.
المدير على مكتبه، وأنا وزميلي. لم نر الوكيلة، سألنا عنها وعرفنا أنها ذهبت إلى الإدارة لتسليم ورق.
وحبيبنا أبو الرياضيات؟ غائب؟ يا سلام، كنا خمسة واليوم ثلاثة!
المدير يضحك: "وماذا سيحدث، سنطلب من الرجل أن يقول الحل، ما المشكلة؟ يعني نترك أشغالنا ونقعد لحل الفوازير؟"
تأخّرَ صاحبنا، ربما لن يأتي، سيعمل خيرا لو لم يأت. حكى زميلي للمدير عن كابوسه، وأنا قلت إن موضوع الرجال بالمليم والقرش حين نفكر فيه نكتشف متاهة كبيرة. مائة رجل بالتمام، يقفون في صف، مائة بني آدم، سُود وبيض وبألوان الطيف، يأكلون ويشربون ويتبولون، كيف تُنظمهم؟ هل بالخوف؟ أضاف زميلي أن الأصعب هو التصرف فيهم، وفرزهم حسب الهيئة والقوة الجسمانية. استغربَ المدير أننا سرحنا بخيالنا إلى بعيد، وعُدنا إلى عصر العبيد، وأننا..
دخلَ الرجل..
خمنتُ أنه في السبعين، رغم ذلك لا يزال خفيفا وعفيّا في الجلباب المرحرح. ملامحه كما بالأمس، زادت عليها البشاشة والثقة. سلّم علينا، وأعطى الورق للمدير.
جلس على أقرب كرسي.
قال: "في مَثَل سمعته من زمان.. (الرّاجِل يِحْبَل ولا يِوْلِدْش)"!
مرة أخرى نضحك وننظر لبعضنا، حتى الأمثال فيها ألغاز. والله رجل رائق، ومصمم على تهييج أعصابنا. نظرات المدير تتصنّع الانشغال فيما أمامه، على وشك أن يقول له: سلمتَ الورقة، فماذا تنتظر؟
"لا تستغربوا، يحبَل يعني يخزّن لوقت اللزوم. ما أخبار الفزورة؟"
مرَّ على وجوهنا، صمتُنا يُخبره بالنتيجة. هزّ رأسه وقام فجأة، فوقفنا وسلَّمنا عليه. سأله المدير عن الحل..
"سأقوله للأستاذ".
وأشار ناحيتي!
لم أجد وقتا لأتكلم. تأبطَ ذراعي بتلقائية، وسرنا في اتجاه البوابة.
**
رأسه يروح يمينا وشِمالا، في صوته بحّة حلوة وهو يدندن:
(أَصوم عن الزّاد وأفطَر على المُر
الله يا ليل الله..
واكُف قَدَمي عن اللي حَدِيتُه مُر
الله يا ليل الله..)
التفتَ لي: "سبحان الله يا أستاذ، فيك شَبه كبير من المرحوم ابني. ألف رحمة عليه، ولك الصحة وطول العمر. خُذ يا سيدي."
أعطاني ورقة مُصفرة، مُطبّقة لمربعات صغيرة، وبعض حوافّها مقطوعة. فتحتها برفق، رأيت كتابة بالرصاص، الخط باهت لكنه جميل ومُنسّق، كلمات وأرقام مرصوصة بالمليم والقرش. عرفتُ أنه الحل المُنتظَر..
"بُص يا أستاذ، لا تتعب نفسك، الورقة قديمة والكلام غير واضح. باختصار: حِسبة المائة رجل ستكون كالآتي: من الفئة الأولى نشتري ثمانين رجلا بسعر الواحد مليم، يعني كلهم بثمانين مليما، أي ثمانية قروش. ومن الفئة الثانية نشتري رجلين بقرشين، لحد الآن اشترينا اثنين وثمانين رجلا بعشرة قروش. من الفئة الأخيرة نشتري ثمانية عشر رجلا ثمن الواحد خمسة قروش، فيكون ثمنهم تسعين قرشا. هكذا نكون اشترينا المائة رجل بمائة قرش، جنيه بالتمام."
أخذتُ مجهودا في التركيز لمتابعة الحل السحري، الذي بدا بسيطا على لسانه. تكلمَ دون أن يتلجلج أو يُخطئ في رقم واحد.
"ليكن في علمك، الورقة عمرها أكثر من أربعين سنة، من أيام المرحوم أبي، كانت في صندوق له. الله أعلم خط مَن هذا، لأنه لم يتعلم. يا ما حكى لي عن شُغله في حفر التّرع ومع التّراحيل، بلاد وبلاد طافوها، شيل وحَط لحد ما انكسرت ظهورهم. كان يغيب بالشهور، ولما يرجع؛ يناديني لأقرأ ألغازه قدام أصحابه السهرانين، ينبسط من ابنه الذي يقرأ رغم خروجه من المدرسة. في مرّة، من زمان، سمعته يقول فزورة الرجال لواحد مهندس قريبه، ولحد الآن لا أنسى منظر البشمهندس المحتاس في الأرقام. أنا نفسي لسنين طويلة كنت أنسى الحل فأرجع أشوف الورقة، عُمري ما خَرّجتها من محفظتي إلا للحبايب، مهما كنت في غيط أو شُغل فاعِل."
وقفَ على أول الشارع، بملامح طارحة بالود.
"حتى لما ترفع حاجبك وتستعجب من حاجة، نفس ابني الله يرحمه. مات في الغربة واندَفن هناك، ربنا يخليك لأولادك."
شدَدتُ على يده.
طمأنتُه لو احتاج أي شيء من المدرسة، وهو ردّ بابتسامة لم تتغير: "وانتَ اعمل حسابك على فزّورة جديدة!"
***
طلبنا منه أن يُعيد ما قاله..
"معنا بالصلاة على النبي جنيه واحد، نريد أن نشتري به مائة رجل، مُقسّمين إلى ثلاث مجموعات: الرجل في المجموعة الأولى ثمنه مليم، وفي الثانية ثمنه قرش، وفي الثالثة بخمسة قروش".
لنا الصبر، لا نعرف هذا الرجل ولا يعرفنا، ومع ذلك يتعامل بطبيعية عجيبة. لا يضع في باله أنه في مدرسة، ووسط المدير والوكيلة وثلاثة مدرسين. صحيح نحن في الصيف بلا طلاب ولا حصص؛ لكنه اقتحمنا بجلوسه المفاجئ وحديثه الغريب، بعد أن سلّمَ الأوراق المطلوبة.
عرفنا أنه ليس من البلد، من قرية.. التي لم نسمع عنها، وأنه في زيارة لابنته المتزوجة فلان من بلدنا، ووجدها فرصة ليأتي ويُقدم ملف حفيده. أنهى كلامه بأنه سيمر غدا لإحضار الورق الناقص، وأهم شيء: ليسمع منا حل الفَزّورة!
بمجرد خروجه بدأنا التفكير بصوت عال. المدير والوكيلة يذكرون المليم والقرش، أما أجيالنا الوسطى فتعرف الشِّلِن ولا أبعد من ذلك. الشّلن، خمسة قروش، تلك الورقة المكتوب عليها: خمسون مليما، ما يعني أن القرش عشرة مليمات، وهذا أيضا يعني أن الرجل من الفئة الثانية يساوي ثمنه عشرة رجال من الفئة الأولى.
ما هذه اللخبطة؟ الجنية مائة قرش، أي ألف مليم. أمسكتُ دماغي!
غِبنا في توهة الحساب.
زميلنا مُدرس الرياضيات سحب ورقة وقلما من على المكتب، وبدأ في فَرض سينات وصادات وكتبَ معادلة. وكيلة المدرسة قالت إن خطأ الرجل وارد، ومن المُحتمل أن يكون نسي شيئا، فاختلاف الفئات والفلوس عامِل بلبلة. واحد منّا شدّ ورقة أخرى وبدأ الافتراض: لو اشترينا من النوع الثاني خمسين رجلا، فالثمن هو خمسون قرشا، يبقى من الجنية خمسون قرشا، أي خمسمائة مليم، يعني ثمن خمسمائة رجل من النوع الأول، وهذا مستحيل. طيب لو اشترينا من النوع الأول أربعين رجلا، سيكون سعرهم أربعين مليما، أي: أربعة قروش، فيبقى من الجنيه ستة وتسعون قرشا مطلوب منا أن نشتري بهم ستين رجلا من النوعين الثاني والثالث. والنوع الثالث ثمن الرجل فيه خمسة قروش، وإذا اشترينا منهم عشرة فسيكون ثمنهم خمسين قرشا، وبالتالي يبقى من الجنيه ستة وأربعون قرشا لابد أن نشتري بهم خمسين رجلا من النوع الثاني، وهذا لن يتم لأن الرجل بقرش، والفلوس لا تكفي إلا ستة وأربعين، وهكذا ينقص أربعة رجال عن المائة. لا لا، لن ينفع هذا الكلام.
واصَلنا عَصر أمخاخنا.
ماذا لو لم نصل إٍلى حل؟ ساعتها سيكون للرجل حق في أن يقول ما يشاء، حتى لو مسخَرنا جميعا.
"الساعة واحدة."
نبّهَنا المدير، فلم يحدث أن بقينا في الصيف حتى هذا الوقت. غالبا في الثانية عشرة نقفل المدرسة ونمشي.
"والعمل؟"
ضحكنا على المأزق العبثي. اتفقنا أن نحاول، وغدا يحلّها الحلّال.
**
صحوتُ مفزوعا على صوت التليفون، بنصف عين رأيت على الشاشة اسم زميلي مُدرّس الدّراسات، نفختُ ضيقا كابسا على صدري. صوته المشروخ بالنوم يسألني عن أخبار اللغز.
قلت: "يا عم حرام عليك، الساعة ثلاثة صباحا. عموما: لا جديد، وأنتَ؟"
"أنا من حوالي ساعة رحتُ في النوم، وفي الماء أيضا! في مركب كبير، وفي ليل أسود من الكُحل. نائم على بطني ومربوط من يديّ ورجليّ، بجواري صف ممتد من الأجساد. المياه هناك في الأسفل، رصاصية مخيفة، ترفعنا موجاتها وتُخفضنا. ملامح الرؤوس المتجاورة غير واضحة، وكل مجموعة مفصولة عن الأخرى بحاجز خشبي. ظهَر اثنان من القائمين على السفينة، يحملان رجلا، ويقتربان به من الحاجز. أغمضتُ عينيّ انتظارا لصوت (الطّشّة) المرعبة، بعدها تخيلتُه يهبط ببطء مثل سمكة ميتة. وفجأة وجدناهم يفكّون قيودنا، بدأنا في القفز، سبحنا حتى الشطّ الضبابي. وعند أول خطوة على التراب أحسست أنني أغوص، تشفطني الأرض، أنزل في بطنها حتى صدري، أختنق. صحوتُ وأنا أكُح وأنفخ".
"كابوس؟"
"ومن بعدها لا نوم."
"والفَزورة؟"
"صاحبك عَلّامَة الرياضيات شغّال."
"ربنا يسهل."
**
في طريقي أغني، أتمايل على إيقاع يسكُنني:
(أَحَدِّتَك حَدوتَة.. بالزّيت ملتُوتَة
حِلِفت ما كُلها.. حتى ييجي تاجِرهَا
تاجِرها فُوق السُّطوح
والسُّطوح من غِير سِلّم
والسِّلّم عَند التّاجر
والتّاجر عايز مسمار..)
لن تنتهي الكلمات الحلزونية التي حفظناها في عُمرنا الخام. توقفتُ عن الدندنة وعبرتُ البوابة.
المدير على مكتبه، وأنا وزميلي. لم نر الوكيلة، سألنا عنها وعرفنا أنها ذهبت إلى الإدارة لتسليم ورق.
وحبيبنا أبو الرياضيات؟ غائب؟ يا سلام، كنا خمسة واليوم ثلاثة!
المدير يضحك: "وماذا سيحدث، سنطلب من الرجل أن يقول الحل، ما المشكلة؟ يعني نترك أشغالنا ونقعد لحل الفوازير؟"
تأخّرَ صاحبنا، ربما لن يأتي، سيعمل خيرا لو لم يأت. حكى زميلي للمدير عن كابوسه، وأنا قلت إن موضوع الرجال بالمليم والقرش حين نفكر فيه نكتشف متاهة كبيرة. مائة رجل بالتمام، يقفون في صف، مائة بني آدم، سُود وبيض وبألوان الطيف، يأكلون ويشربون ويتبولون، كيف تُنظمهم؟ هل بالخوف؟ أضاف زميلي أن الأصعب هو التصرف فيهم، وفرزهم حسب الهيئة والقوة الجسمانية. استغربَ المدير أننا سرحنا بخيالنا إلى بعيد، وعُدنا إلى عصر العبيد، وأننا..
دخلَ الرجل..
خمنتُ أنه في السبعين، رغم ذلك لا يزال خفيفا وعفيّا في الجلباب المرحرح. ملامحه كما بالأمس، زادت عليها البشاشة والثقة. سلّم علينا، وأعطى الورق للمدير.
جلس على أقرب كرسي.
قال: "في مَثَل سمعته من زمان.. (الرّاجِل يِحْبَل ولا يِوْلِدْش)"!
مرة أخرى نضحك وننظر لبعضنا، حتى الأمثال فيها ألغاز. والله رجل رائق، ومصمم على تهييج أعصابنا. نظرات المدير تتصنّع الانشغال فيما أمامه، على وشك أن يقول له: سلمتَ الورقة، فماذا تنتظر؟
"لا تستغربوا، يحبَل يعني يخزّن لوقت اللزوم. ما أخبار الفزورة؟"
مرَّ على وجوهنا، صمتُنا يُخبره بالنتيجة. هزّ رأسه وقام فجأة، فوقفنا وسلَّمنا عليه. سأله المدير عن الحل..
"سأقوله للأستاذ".
وأشار ناحيتي!
لم أجد وقتا لأتكلم. تأبطَ ذراعي بتلقائية، وسرنا في اتجاه البوابة.
**
رأسه يروح يمينا وشِمالا، في صوته بحّة حلوة وهو يدندن:
(أَصوم عن الزّاد وأفطَر على المُر
الله يا ليل الله..
واكُف قَدَمي عن اللي حَدِيتُه مُر
الله يا ليل الله..)
التفتَ لي: "سبحان الله يا أستاذ، فيك شَبه كبير من المرحوم ابني. ألف رحمة عليه، ولك الصحة وطول العمر. خُذ يا سيدي."
أعطاني ورقة مُصفرة، مُطبّقة لمربعات صغيرة، وبعض حوافّها مقطوعة. فتحتها برفق، رأيت كتابة بالرصاص، الخط باهت لكنه جميل ومُنسّق، كلمات وأرقام مرصوصة بالمليم والقرش. عرفتُ أنه الحل المُنتظَر..
"بُص يا أستاذ، لا تتعب نفسك، الورقة قديمة والكلام غير واضح. باختصار: حِسبة المائة رجل ستكون كالآتي: من الفئة الأولى نشتري ثمانين رجلا بسعر الواحد مليم، يعني كلهم بثمانين مليما، أي ثمانية قروش. ومن الفئة الثانية نشتري رجلين بقرشين، لحد الآن اشترينا اثنين وثمانين رجلا بعشرة قروش. من الفئة الأخيرة نشتري ثمانية عشر رجلا ثمن الواحد خمسة قروش، فيكون ثمنهم تسعين قرشا. هكذا نكون اشترينا المائة رجل بمائة قرش، جنيه بالتمام."
أخذتُ مجهودا في التركيز لمتابعة الحل السحري، الذي بدا بسيطا على لسانه. تكلمَ دون أن يتلجلج أو يُخطئ في رقم واحد.
"ليكن في علمك، الورقة عمرها أكثر من أربعين سنة، من أيام المرحوم أبي، كانت في صندوق له. الله أعلم خط مَن هذا، لأنه لم يتعلم. يا ما حكى لي عن شُغله في حفر التّرع ومع التّراحيل، بلاد وبلاد طافوها، شيل وحَط لحد ما انكسرت ظهورهم. كان يغيب بالشهور، ولما يرجع؛ يناديني لأقرأ ألغازه قدام أصحابه السهرانين، ينبسط من ابنه الذي يقرأ رغم خروجه من المدرسة. في مرّة، من زمان، سمعته يقول فزورة الرجال لواحد مهندس قريبه، ولحد الآن لا أنسى منظر البشمهندس المحتاس في الأرقام. أنا نفسي لسنين طويلة كنت أنسى الحل فأرجع أشوف الورقة، عُمري ما خَرّجتها من محفظتي إلا للحبايب، مهما كنت في غيط أو شُغل فاعِل."
وقفَ على أول الشارع، بملامح طارحة بالود.
"حتى لما ترفع حاجبك وتستعجب من حاجة، نفس ابني الله يرحمه. مات في الغربة واندَفن هناك، ربنا يخليك لأولادك."
شدَدتُ على يده.
طمأنتُه لو احتاج أي شيء من المدرسة، وهو ردّ بابتسامة لم تتغير: "وانتَ اعمل حسابك على فزّورة جديدة!"
***