-انظر انظر كيف يتحابّ هذان الكلبان!
لم أنتبه إلى مصدر الصوت، فقد كان هناك آخرون في الجوار، ولأنني في محطة استراحة أمضيت فيها بعض الوقت لأمر شخصيّ، والجو مبهج، حيث الأفق بصفاء مناخه يمتد بالنظر إلى ما وراء المنظور فيه.
-انظر انظر كيف يتحاب هذان الكلبان!
بالإيقاع نفسه تردد الصوت، مما دفّع بي إلى التركيز، ومعرفة مصدره. كان المتكلم رجلاً يبدو عليه التقدّم في السن، لكنه موفور الصحة، ولا يخفي أناقة في المظهر والمحيّا، على مبعدة مترين منّي، كان يقتعد كرسياً، مركّزاً نظره إلى الأمام.
لم يكن ينظر إلي. دفعني فضول لأن أتحرّى طبيعة ما سمعته ومغزاه. نظرت إلى الجهة التي ثبت عليها نظره. من على مسافة قريبة نسبياً، كان ثمة كلبان لا يكفّان عن الحركة، وفي دائرة من الأرض معشوشبة ، يتنطوطان، ويتشابكان برجليهما الأماميتين، ويمسحان رأسيهما ببعضهما بعضاً، ويتمرغان معاً في العشب الأخضر الطويل والطري، كأنهما يمارسان السباحة ، ويتشاممان لبعض الوقت، ويتماسحان وقوفاً، ميمنة وميسرة، ويتقابلان، ليتبادلا النظرات، ليعودا إلى الحركات نفسها.
كلبان فتيّان في المظهر، لكن حركاتهما تدل على أنهما أكبر مما يجري تقديره بالنظر من خلال حركاتهما تلك.
بدأتُ أركّز عليهما، ودون أن أنظر إلى الرجل.
-يا له من حب، يا له من شغف، يا لها من خفة روح، يا له من وفاء متبادل..
أثارني تعليقه هذا، وأنا أصغي إليه، ودفع بي إلى النظر ناحيته، لحظة شعوري أنه يقصدني بكلامه، أو يتكلم لأنه يعلم أن هناك من يسمعه، وهو قريب منه، وكنت الأقرب إليه، كما لو أنه أراد أن يعبّر عما هو داخله من شعور ما، لغاية في نفسه.
-أتتكلم معي حضرتك؟
سألته وأنا ألتفت إليه، حيث كان على يساري.
-أليس ما تراه رائعاً، مدهشاً، مشهد لا يفوَّت..يا إلهي..
قالها، بعد أن نظر إلي سريعاً ليعود إلى وضعه الأول، وقد مد في " يا " ندائه، قبل أن يتهجى " إلهي "..
تمازج الفضولَ والتقدير لما قاله وهو قريب مني، قوجدتني ألتفت إليه، وفي مثل هذا اللقاء الغريب:
-يبدو عليك أنك تهتم كثيراً ...عفواً، بالكلاب؟
لم أرد أن أتهجى كلمة " الكلاب " مباشرة، لأمر يخص العلاقة، وحساسيتها المعتادة في أوساطنا طبعاً، لكن ذلك شجعه على الكلام بشكل مختلف:
-عفواً؟ ولماذا عفواً ؟ إنها خبرة عمر بكامله .
-خبرة ماذا؟
لم يلتفت إلي، إنما تكلم، وقدَّرت أنه ، هذه المرة، يرد علي، وبصره يتجه إلى الأمام، كما لو أنه لا يريد مفارقتهما:
-خبرة معايشة عالم الكلاب.. الكلاب التي نستهين بها.. نعم، أنا مختص بالكلاب، يا للروعة !
هنا التبس علي الأمر في تعليقه الأخير، وقد رفع يديه عالياً، مع ثبات نظره، أتراه كان يقصد بها وصفَه لحركات الكلبين، أم ما اعتبره حتى الآن تخصصاً، كما سمّاه:
-أي روعة.. أي روعة؟
بصورة عفوية، كررت السؤال هذا!
في هذه المرة التفت إلي، وترك الكلبين مستمرين فيما سمّاه حباً خاصاً بهما:
-يظهر عليك أنك بعيد عما أتكلم عنه..أنا لا ألومك..يندر أن تجد من يعطي موضوعاً بمثل هذه الأهمية حقه.
ثم نظر إلى جهة الكلبين، وأشار بيده اليمنى، وهو يمدها على طولها:
-لا بد أنك تنظر إليهما، على أنهما مجرد حيوانين، أو كلبين، يقومان ببعض الحركات.. ولكن هل فطنت إلى هذه الحركات، إلى الرسائل التي يرسلانها إلى من حولهما.
-إنهما كلبان لا أكثر. ماذا ترى غير ذلك؟
-يا للأسف..يا للإهانة التي نلحقها بمن لا نعرف عنهم، ولا نعرف عنه شيئاً، وبأنفسنا كذلك.
استغربت في داخلي ما تفوه به، ودون أن أعلّق هذه المرة..حيث استدرك قائلاً، كما لو أنه كان ينتظر فرصة كهذه:
-العالم من حولنا كله، الحيوانات كلها، والكلاب في الواجهة. الكلاب التي تحيط بنا، تعيش معنا، ترانا، وتشدنا إليها، تتبعنا، وتراقبنا عن بعد وعن قرب، وتركّز بعيونها الدقيقة النظر مع حاستها الشمية ذات المدى الطويل جداً" يا لضعف شمّنا هنا!". لا أحد يعطي لكل ذلك حساباً، أو أهمية.. ولا بد أنها تظل لصيقة بنا، وهي على يقين، كما تابعتها، أنها لن تستطيع إحداث تغيير تغيير في سلوكاتنا، ولكنها تستمر في البقاء والمجاورة، رأفة بنا، أو لأمر هام وخطير يتوقف عليها ناحيتَنا، وفي علاقاتها مع بعضها بعضاً، أو عوالم خفية علينا تماماً في ترتيباتنا.. ولم أجد من تتبّع كل هذه الحركات، ومن خلالها، سوى ما يشين ويهين.. وهناك ما يتردد بيننا، حين يريد أحدهم إهانة آخر، أو احتقاره بقوله" يا كلب "؟ يا لها من إهانة تخص الكلب، وتشهد على سفه القائل..
-ولكن..
لم يعطني فرصة لأطرح عليه سؤالاً هو استفسار عما يريد قوله، وقد استرسل في الكلام:
-لو أنك، وأقولها بصراحة، أدركت حقيقة الحركات في هذين الكائنين الجميلين، لوقفت ورفعت صوتك، وكررت : يا للروعة كثيراً. كل حركة لها معناها.. لقد جسّدا كل الحركات التي تعني الحب الكامل، الوفاء الكامل حباً..أشركا كامل جسميهما في ذلك.. بعيداً عن المحيطين بهما. إنه الاستغراق في الحب الكلبوني، كما أسمّي.. هوذا الحب الفعلي، أن تتحد مع الآخر خارجاً وداخلاً، في غيبوبة كاملة، وأنت تزداد يقظة روحية..هل سأل أحدهم: ماذا تعني الغيبوبة الروحية؟ وماذا يعني مشهد كلبوني رائع كهذا؟ ما توصلت إليه، وقد أفنيت عمراً كاملاً في دراسة الكلاب، بأجناسها وأنواعها، وفي كل ما يخصها.. لم أجد كائناً مثلها، في العشرة المشتركة..
-إنها مبالغة.!
قلتها مباشرة، وهو في حماسه، وبدا طبيعياً، وأكثر حماساً ليقول:
-نهزأ بالآخر ونشتمه ونقول عن أنه كلب، أو كونه يعوي أو ينبح إشارة إلى الكلب.. ماذا عرفنا عن الكلب ونباحه هااا؟لا شيء.. ليس لدينا أي معلومة دقيقة عن الكلاب في مجموعها.. وكيف أنها تختلف عن الحيوانات الأخرى.. تختلف عنا في علاقاتها، في إخلاصها لعملها، في استماتتها دفاعاً عن الذين يهتمون بها، في استيعابها لما يقال لها، أو الحركات التي تعنيها. بالمقابل، لم نتمكن حتى الآن أن نتعرف على حركة ، ولو حركة واحدة منها..هل حقاً أن الكلب ينبح، ودون أن يقصد بذلك أكثر من شيء نحن غفل عنه؟ أن نباحه ليس واحداً، أن هناك إشارات تتوقف على الكلاب وحدها في ذلك..آه..لو أننا عرفنا القليل مما يخصها لما كنا كما نحن عليه الآن من بؤس وشقاء، والأهم من تنابذ وشقاق وسوء فهم وتفاهم.., الكلاب مثلنا، حين نصنف البشر على أنهم جماعات، ملل ونِحل، أمم ومذاهب.. الكلاب هي كذلك وليس كذلك.. إنها واحدة في الاسم، ولا فرقة بين كلب وكلب، لا تحتاج إلى مثل هذا الكلام الكثير الذي يتعبنا كثيراً، وأحياناً دون جدوى لكي يفهم بعضنا البعض الآخر.. الكلاب لا تحتاج إلى كل هذه التعقيدات ودلالتها على أننا غير ما ندّعي..
دفعني الفضول هنا لأسأله:
-تتحدث عن جماعات الكلاب، وأممها وعاداتها.. أإلى هذه الدرجة ؟
رفع يده اليمني، وأشار بحماس لافت:
-لا عادات لدى الكلاب.. نحن فقط نملكها، لأننا ضعفاء، لأننا حبيسو ما نعتقده ونؤمن به خطأ.. اخترعنا لغات كثيرة، وأشكال كتابة كثيرة وأجهزة ومعدة هائلة، ، وعمّرنا ناطحات سحاب.. ولكن انظر.. ماذا حققنا بذلك؟ المزيد من الشقاء.. الكلاب اقتصادية جداً، تعيش بأجسامها التي تميزها عن غيرها، صريحة في كل شيء، لا تحتاج إلى من يعرّفها على بعضها بعضاً خلافنا..ستستغرب إذا قلت عن أن هناك الكثير الكثير من الأمور الخفية التي تخصها دون أن نعرف عنها شيئاً، رغم قربها الشديد منا، لأننا منغلقون على أنفسنا، بارعون في تنسيب أوصاف وغيرها إلى الكلاب وغيرها، ونحن نقوّلها ما نريد، ونغيّر في أشكالها كما نريد، دون أي اعتبار لها، وما في ذلك من دلالة على أننا عالة على الكون كله، ونحن بمذاهبنا ومعتقداتنا، كلما مضى بنا الزمن، نزداد عداوات وتباعداً عن بعضنا بعضاً، ونعيش مخاوف مشتركة، ونحن سببها.. الكلاب تعيش أمانها الخاص.. وإذا كان هناك ما تخافه، فمصدره نحن، ولو انتبهنا إليها، وتعلمنا منها القليل القليل.. لكان العالم غير ما هو عليه من انقسام وحطاااام..
بلبل الرجل عليّ أفكاري وتصوراتي وحتى فكرتي عن نفسي، لأجدني واقفاً وأنا أدير له ظهري ماضياً إلى الجهة التي حددتها لنفسي، وقبل الوقت المحدد لي، ربما لأنني خشيت جرّاء ما سمعت أن أطلب منه عوناً في كيف يمكن لأحدنا أن يصبح كلباً، ليرتاح مما يجري حوله، أو ما إذا كان الكلاب في عمومها ترضى لأحدنا أن ينتمي إلى عالمها، وفي هذا الخراب الذي يستفحل بنا أو باسمنا هنا وهناك!