حب بين الحلم والدم

تنطلق أسراب الخفافيش من جوف “قبة الشريف” على أطراف القرية، بجوار شاطئ النيل. تحلق عبر سماء القرية حتى المقبرة في أقصى الجهة الجنوبية الشرقية، لتحوم حول “قبة الشيخ قلين” وسط المقبرة. ثم تتجه نحو المسجد المتآكل بفعل ضربات الزمن واخيرا فوق دور الاحزاب التى يعلو ضجيجها. هناك، تؤدي الخفافيش حركاتها البهلوانية، وتُصدر أصواتاً كخلع المسامير الصدئة من أبواب خشبية عتيقة. تندمج ألوان جلودها البنية مع الغروب الأرجواني.

نرميها نحن الأطفال بحصوات صغيرة، تندفع نحوها ظنّاً منها أنها حشرات. كم كان يسعدنا ذلك المنظر. ثم تختفي الخفافيش، وتخسر الشمس معركتها مع الظلام.

ترفع جدتي الأغطية إلى وجوهنا، عسى أن تقينا لسعات البعوض الناقلة للمرض. نُغمض أعيننا، نستمع إلى صوتها الحنون، تحكي لنا عن عوالمها السحرية: حيث الخضرة، والأميرات الحسناوات، وأشجار التفاح التي تسور الحدائق. وعن الأمير الذي يقهر الظلم وينتصر للحق والجمال. عن “حسن الشاطر” و”فاطمة السمحة”. وعن الغول الذي يخاف سيف حسن
يتلاشى صوتها بفعل النعاس، نسمع عواء كلب، ونهيق حمار شبق. ثم نجد أنفسنا نجري في حدائق جدتي الخضراء، نلعب مع الطيور والأرانب البيضاء. ننسى تحت أغطيتها الملوّنة حرارة الليل ولدغات البعوض التي تخترق أحياناً حواجز القماش البالية. سحر الحكايات لا يصدأ، كما لا يصدأ صوت الخفافيش. نغرق في عالم حيث ينبع الماء من الأرض الخضراء، ويملأ الطعام الموائد، وتضحك الأميرات دون أن تجف شفاههن من العطش.

يأتي الصباح. تتلاشى الحدائق المسحورة مع أول خيط شمس حارق. لا أرانب بيضاء هنا، فقط غبار أحمر يغطي كل شيء. لا تفاح، فقط أشجار شوكية تتحدى القحط. لا أمير بسيف لامع، فقط أطفال نحيلون يسيرون إلى المدرسة في أثواب بالية وأحذية مهترئة. صدورهم تنوء بثقل الجبال: المعلم الذي يحمل سوطاً لا يرحم. قلّما نجا منه طفل. لذلك هجر العديد من الأطفال المدرسة بلا رجعة، رغم كل ضغوط الأهل والأقارب.

الجدة نفسها، عندما تضع الأغطية جانباً، تكشف عن يديْن متشققتين تحملان وعاءً فيه “عصيدة” رقيقة، تكاد لا تشبع فرخ عصفور. نظراتها الحنونة التي كانت تحدثنا عن الأميرات، نراها الآن تتجه نحو صوت أنين طفل في منزل مجاور – أنين يعرفه الجميع: حمى الملاريا. .الشمس هنا لا “تستسلم” بجمال، بل تبطش بلهيبها القاتل. والغيوم إن مرّت، تكون سخية بالبرق والرعد، بخيلة بالمطر. نغفو ونحن جياع، ونستيقظ على نفس الجوع. أحياناً تحاول الجدة أن تخيط لنا حكاية جديدة من خيالها القديم، لكن صوت أحدنا يقاطعها: “جدتي، متى نأكل؟”. فتشيح ببصرها نحو أفق لا نهاية له، تتضارب فيه ألوان الخير والظلام… ثم تسير بنا الحياة بالإيقاع الرتيب نفسه. لا شيء يحرك السكون غير بضع مشاكل بين كبار القرية حول الأراضي والنفوذ، وبين الرجال في العمل. ومارد صامت يتهيأ للإطاحة بكل قديم: إنهم الشباب. والكثير من الخناقات الزوجية التي نسمع عن بعضها، ويموت آخر خلف الأبواب المغلقة.

في الليل، تعود الخفافيش إلى قبة الشريف. ونعود نحن تحت الأغطية. لكن العوالم السحرية صارت أشبه بنافذة نطل منها للحظة على جمال لا نملكه، قبل أن نغلقها على واقع نحيا فيه.

في ذلك المساء، استعمل “ود الجعلي” نبلة قوية ليرسل بها حصاة قوية نحو الخفافيش. انطلق إحداها نحوها فأصابته في مقتل تهاوى جسده إلى الأرض. اجتمعنا حوله نصرخ من هول المنظر: جسده المغطى بالدماء. زرعت تلك الحادثة في قلوبنا الصغيرة هلعاً لم نعرفه من قبل. أقفلت أبواب عوالم جدتي، وفتحت أبواب الخوف والدم. لكن الحياة سرعان ما عادت إلى طبيعتها وسكونها الرتيب. نجحت جدتي في إعادتنا إلى حدائق الأحلام والأمل.

ذلك المساء، بينما كنت أتأمل ألوان وأشكال فواكه حدائق جدتي السحرية، اعترض طريقي عملاق ضخم. طويل اللحية صرخت بأعلى صوتي، ثم استيقظت على صوت اهتزت له القرية: صوت يقوّض أركان الصمت المألوف. نهض الجميع من مهاجعهم، حتى الأطفال. تجمّع الكل عند منزل “حسن”. تعالت الهمسات: لقد ذبح زوجته وأطفاله، بل وحتى ابن عمه وأخاه. أصوات بكاء النساء وهلع لا مثيل له. استغرب رجال القرية: كانوا يضربون كفاً بكف. حسن… أليس أكثرنا علماً وتقوى؟ كيف؟

أُخرجت الجثث. الملابس المبللة بالدماء. وكل بشاعة الجريمة. وقتها، مع هلع النساء وعويلهن، كنت أركض بقوة خارج عالم جدتي. امتلأت قدماي بالأشواك، ونباتات الأرض القاحلة. حفرت الحادثة في الذاكرة أخاديد من الألم.

والآن، بعد كل هذه السنوات الطويلة، أدرك تماماً أنني أعرف لماذا فعل حسن ذلك. ولماذا قطع أحن الصلات حتى صارت جرحاً ينزف حتى الآن. وأعرف أن جدتي لم تخطئ: لقد وضعت أركان الحلم.

عادت الخفافيش تطير من جوف قبة الشريف إلى سماء القرية، كما تفعل منذ أمد بعيد. لكن هذه المرة، كانت القرية صامتة. وكان ما تبقى من أطفال يدسون رؤوسهم تحت أغطية الخوف، وخيالات الموت والدم. وجنود ملثمون يطلقون النار في السماء، فتسقط آلاف الخفافيش مضرّجة بدمائها. الآن، أصبح الأعداء أشد ضراوة. فقد انضمت إليهم حرب لا تُبقي ولا تذر.

أما أنا، فقد كنت أقول لجدتي، من وراء حجب الضعف والعجز، وعلى حافة الصراع بين القنوط والأمل: “الهوّة بين الحلم والحقيقة شاسعة جداً. ولكن، مع غدر وخيانة حسن الشاطر يا جدتي… ليست مستحيلة. ليست مستحيلة أبداً. وسلاحنا هو كل هذا الحب الذى يصارع الدم ليحول الحلم الى حقيقة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى