رانية المهدي

أبي.. الرَّجُل الذي يُضرب به المثل في الطَّيِّبة والحنان.. مات. أكتب كلماتي لتنشر في الجريدة وتقرأ مع شمس صباح الغد؛ الصَّباح الذي سيأتي دون وجوده على الأرض، لكنه سيظل حيًا في قلبي، أكتب عنه بيد مرتعشة، رُبَّما يتعلم أحد شيئًا مِن سيرته التي تستحق أن تُكتب بحروف مِن ذهب. أغمض عينيه للمرة...
قرون تمر، والأسطورة حيَّة تتناقلها الألسُن وترويها الجَدَّات؛ فيزيد الخوف في قلوب الكِبار ويتسلَّل الشَّغف لقلوب الصِّغار، وتنفتح طاقات الرَّغبة في تحقيق المستحيل، فالجميع يعلم أنَّ مَن يهبط البئر لا يعود، الكثيرون جربوا.. بعضهم اختفى وبعضهم ادعى البطولة دون دليل أو ثبوت.. ‹عُد مجنونًا أو...
أبي، شخص غريب، اختير لدور الأب فلعبه بحماقة ليس لها مثيل. تحمّلته، وتحمّلت حماقاته كثيرًا. عزائي الوحيد هو شهرته؛ فهو من أصحاب الكلمة المشهورين، له كتب ودواوين وأتباع ومحبّون. مات. جلست مع ذاتي أبحث عنه في داخلي. ربما وجدت دمعة تحفظ أبوّته أمام الجميع، لكن بحر محبتنا لم يُشقّ يومًا. جلست أفكر...
لم يكن مجرد منزل ريفي بسيط، لكنه كان المكان السحري الذي يجعل الوقت ينقضي في هذه القرية التي تفتقر لأبسط وسائل الترفيه. أتذكر ذلك جيدًا، كأني عُدت لذلك الجسد الطفولي الذي يسعى في الجلباب الأزرق القصير المرقع، وهذه الأقدام الرفيعة الحافية المتشققة التي تتحرك دائما ولا تستكين، عُدت لصوت أمي الذي...
أسمعم وأراهم.. الجميع يجري ويلهث ويحاول. التقط بعض الكلمات.. النبض.. القلب.. توقف.. صدمات كهربائية. السؤال الوحيد الذي سيطر على عقلي: كيف أنجو من هذا الجنون؟ العاصفة تقترب، الرؤية مشوشة، والاهتزازات لا تنتهي. وسط الفوضى لمحتها… خيمة حمراء وحيدة في صحراء صامتة. لا وقت للدهشة، صارت هي الغاية...
لا أستطيع أن أبعد نظري عن هذا القابع فوق المانيكان الخشبية المقيتة، تلك المانيكان التي أسمعها في بعض الليالي تسخر مني وتمدح نفسها بكبرياءٍ وغرورٍ؛ لأنها تستمتع بتلك اللمعة وهذا الكم من الأصداف والكسرات التي تحدد الوسط وتبرز دورانه بدقة شديدة، لا أعرف كيف تتحمل حياتها وهي مجرد قطعة من الخشب...
مازال الحُلم يعاودني وكأنه يريد أن يقفز من عالمه الخيالي في راسي إلى عالم الحقيقة والواقع. أحلم بدارٍ واسعةٍ لها حوش كبير؛ ليلعب فيه أطفالي على راحتهم بلا قيود أو خوف عليهم من الغرق في الروزافة الكبيرة التي يغرق فيها الكبير والصغير. أحلم بجزء منفصل للفرن والمحاصيل، أحلم بحظيرة كبيرة لأربي فيها...
لم تكن الرسالة التي وصلت لي من أمي وأنا في بلاد الغربة رسالة عادية؛ فهي تعرف كم أحب هذا الرجل الذي رحل عن العالم دون أن أودعه. جدي العجوز صاحب الابتسامة المشرقة والقلب الطيب، يستيقظ قبل الفجر، يتوضأ ويخرج من الدار ليصلي في الأرض، ويدعو الله دائمًا أن يُدفن في أحضانها. كان متيمًا بها حتى أنني لم...
يوم بعد يوم تزيد الرائحة النتنة، لم يعد أحد قادر على النكران أو التحمل، بات الجميع يعلم أنها رائحة الأجساد التي يتحركون بها، وكأنها جثث متعفنة لم تجد ما يواريها من تراب. صرخ أحدهم: _نبيُّ في المدينة يدعو أن الإله قادم لينتقم. صرخ الجميع: _ومَن أغضبه؟ تقدم كبيرهم صاحب الندبة، وقال: _ إنها العمياء...
وأنا واقف في بستانك أغزل خيوط الشمس فستانك مع الطرحه ورود طارحه وزغرودة تشق الأرض عن مايه وخير يفيض بأحلامك. عروسة الأرض يا فرحة على حدود قلبك أنا فارس أنا حارس لأيامك. حصان أبيض يطير بيك وخط وريدي يرويك ونور ناره تدفيك ويهديك حزام أخضر وبركة بكرة في ولادك. ضحكتك تروي قلوب الصخر تطرح لك وقلب...
أعزف، أغني، أرقص.. كلها أفعال لا قيمة لها في حضور جمهور من السكارة المغيبين، كادت طاقتي تنفد، وكنت على حافة النهاية. أتمنى أن أتخلص من كل شيء حتى حياتي التي لا قيمة لها، حتى جاء ذلك اليوم، دخلت من الباب وكأنها ملاك من ملكوت السماء، لم تسكر أو تكترث لأحد، جلست فقط وركزت عيناها على وجهي، وأخذت...
في قريتي كل شيءٍ ينبض بالحياة؛ الأشجار الخضراء، مياه النيل الشفافة التي تعكس لون السماء، وتتلون معه بالزرقة الملائكية المبهجة. الزهور الزاهية التي تزين مداخل البيوت، الناس أصحاب بشرة حِنطية هادئة أو سمراء تشبه سمرة الأرض الطيبة. أما عن النساء فيرتدين الجلاليب شديدة البهجة، ويتبارين في ألوان...
لم تكن تلك الليلة مثل الليالي السابقة؛ الجميع نيام كعادتهم بعد صلاة العشاء، أنا فقط التي تمتلك عيونا ساهرة متطلعة لشروق يوم الأربعاء، ذلك اليوم الفارق في حياتي للأبد؛ فهو بالنسبه لى حياة أو موت. قبل هذه الليلة بسنوات طوال، كنت تلك الفتاة الصغيرة صاحبة الإحدى عشرة عاما، سمعت أبى وهو يصرخ في أمي...
ممر حديدي صدئ، الأقدام تغوص في الماء اللزج الذي تفوح منه رائحة تقبض الأنفاس، أسير في الصف المرتب الذي لا ينكسر . لا أتذكر شيئا مختلفا، فنحن دائما هنا، دائما ننظر لأسفل، يطلق علينا أصحاب الرقاب المنحنية، أيدينا تنعقد على الصدور ولا تتحرك إلا عندما يظهر ذلك الصندوق الأحمر، الذي نحمله إلى السير...
#السور دفعني للخلف بقوة؛ ليمنح نفسه مساحة أكبر أمام الطاولة. تملكني الغضب، و عزمت على الحرب، قبل أن أقترب، استدار ونظر لي محذرا. انزويت الي أحد الأركان، و عفت نفسي الطعام، مر الوقت وبدأت أرى خيالات مزعجة تأتي وتذهب من جديد.. ثم تقترب وتصبح أكثر وضوحًا.. فركت عيني بقوة فكانت الفاجعة. ما هذا؟...

هذا الملف

نصوص
20
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى