رانية المهدي - لمبة جاز...

لم يكن مجرد منزل ريفي بسيط، لكنه كان المكان السحري الذي يجعل الوقت ينقضي في هذه القرية التي تفتقر لأبسط وسائل الترفيه.

أتذكر ذلك جيدًا، كأني عُدت لذلك الجسد الطفولي الذي يسعى في الجلباب الأزرق القصير المرقع، وهذه الأقدام الرفيعة الحافية المتشققة التي تتحرك دائما ولا تستكين، عُدت لصوت أمي الذي ينطلق بأجمل الكلمات فأطير من السعادة:

_خد يا ولا، ودي الصحن ده لخالتك صابرة، اوعى يقع من إيدك المفلوتة دي خلي بالك يا واد.

وقبل أن تكمل جملتها أكون قد خرجت من الدار، أسابق الرياح وأنا أحلم بهذه الضحكة الشهية التي تنطلق من خالتي صابرة، وأنتظر لمسة يدها عندما تمسك وجهي وتضغط عليه بقوة:


_والنبي خدودك دي أحلى من بسيسة المولد يا واد يا مصطفی سلم لي على أمك يا ولا.

صابرة الفتاة الصغيرة الجميلة، حلم كل شباب القرية، الكل يقدم فروض الولاء ويطلب الرضا، لكنها اختارته هو؛ عم فتحي المصري، شاب رقيق الحال ضعيف البنية توفى والده وترك له خمس بنات وأما ، لم يكن يحتكم على شيء إلا فدان أرض بور، وبعض حزم من الخوص يصنع منها الحصير الملون الذي يُفرش في الجامع وفي دوار العمدة فقط.

فتحي المصري، ابن خالتها تربى معها وأحبته رغم أنه فقير وفي رقبت كوم لحم هكذا كانت تقول أمي، وتحكي أيضًا أنها قالت لوالدها الحاج علي الدسوقي الرجل الثري المقتدر عندما احتدم بينهما النقاش:

_فتحي المصري ده لحمي ودمي، يعني أخصه حتى لو أنا في رقبة راجل تاني، إن مكنتش أضلل عليه.. مين هيعمل كده ؟ والنبي واللي نبى النبي نبي.. لو موافقتوش.. لأرمي روحي في الرياح، وذنبي يبقى في رجبتكم كلكم.

تزوجته وعاشت معه في دار صغيرة من الطوب اللبن المتهدم؛ هذه الدار التي اختارها العم فتحي لتجاور دار أمه وأخواته حتى يكُن تحت عينه ورعايته.


كل هذه الذكريات التي تندفع وتتزاحم في عقلي.. لا أعلم لما تتجسد أمامي هذا المساء ؟! ربما لأن هذه الطالبة الإنجليزية المشاغبة لها نفس ضحكتها، نفس النظرة المتلاعبة بالأقدار، كيف خطفتني هذه الصغيرة وأنا الأستاذ الجامعي المرموق الذي لا تؤرقه النساء؟!

كيف جعلتني أتعرق أمامها وهي تتحدث وتتمايل بكل هذا الدلع والثقة في أنوثتها؟ كيف جعلتني أتمناها وأسرح معها إلى أبعد مما كنت أتخيل؟ كيف جعلتني أعدها بمقابلة أخرى وحديث آخر؟ ما السحر الذي يميزها عنهن جميعًا؟

كل هذه التساؤلات أعادتني إلى هناك إلى وجه خالتي صابرة، إلى وجه المرأة كما يجب أن تكون.. أعادتني إلى تلك الليلة، إلى ثقب الجدار الذي كان بينها وبين أمي لتبادل احتياجات المنزل، هذا الثقب السحري الذي كان يغلق ليلا فتغلق كل أبواب السعادة أمام عيني.

أتذكر جيدًا يوم أغلق نهائيًا عندما غادرت خالتي صابرة وزوجها العزبة، أتذكر جلستها على العربة الكارو وهي تخفي دموعها بطرف طرحتها السوداء التي تحيط وجهها الجميل، وبجانبها بناتها الصغار وبعض الحاجيات المنزلية البسيطة، وأهل القرية يطلقون الشتائم والسباب ليرحل عم فتحي النصاب كما كانوا يقولون، وتلك الدعوات من النساء لخالتي صابرة أن تتركه يرحل بمفرده، وتعود بيناتها لدار أبيها الغنى، وتنجو من هذا النصاب المديون لطوب الأرض ولكنها لم تستمع لهم أو تعطي أي إشارةٍ أنها تهتم حتى بما يقولون.

عندما انطلقت العربة أخذت أجري خلفها بكل قوتي، وأتمنى أن تحدث معجزة تمنعها من الرحيل، أخذت أجري وأجري حتى انقطعت نفاسي فسقطت على الأرض وشُجت رأسي وسالت الدماء على وجهي لتختلط بدموعي التي لم تتوقف حتى اختفت العربة عن الأعين.

كبرت وغادرت القرية لأكمل تعليمي الجامعي، ولم ألتفت لكل هذه دعوات التي تطلقها أمي عن بنت الحلال والبيت والزواج، كنت أتساءل بيني وبين نفسي.. هل هناك مثلها؟ الإجابة القاطعة دائمًا لا. فقد ذهبت وذهبت معها أنوثة وجمال كل النساء.

كنت الأول دائما في كل شيء إلا الحب، تفوقت في دراستي وتخرجت من الجامعة، غادرت مصر في منحة دراسية لخمس سنوات وعند إتمام المنحة قبلت بالعرض المقدم لي بالتدريس في هذه الجامعة العريقة، لتمر سنوات وسنوات لم أعد أحصيها ، انغمست في حياة مختلفة عملية جامدة صلبة، لأنسى الكثير من ذكرياتي وحياتي القديمة إلا هي؛ لم تغب عني ولـم تغب صورتها أبدًا.

في بعض الأحيان، أسمع رنة ضحكتها فأبتسم لها وأزيد، أتمنى أن أراها وأتساءل كيف سارت؟ وإلى أين؟ وهل ما زالت جميلة كما أتذكرها ؟

اشتقت لفنجانٍ من القهوة، وفي طريقي لإعداده وقعت عيني على المرآة المعلقة على الحائط، لأرى هذه الشعرات البيضاء المتناثرة والتي تعلن عن نفسها بوضوحٍ وبلا خجل؛ وقفت أتأملها ودار هذا السؤال في رأسي : لماذا لم أتزوج حتى الآن؟

انتبهت على صوت حبات المطر التي تنهمر بقوة خارج نافذتي، لتأخذني لتلك الليلة الشتوية المظلمة التي غاب عنها القمر ، كنت خائفًا من صوت المطر والرعد والبرق؛ فتحركت وأنا أرتجف من البرد لأشرب بعض الماء من القُلة وقدمي الصغير يتحاشى أن يغوص في ذلك الطابور الطويل للأجساد المتلاحمة التي تفترش الأرض، كتلة اللحم البشري الممتزج التي تٌسمى إخوة.

أخذت أتحسس موضع قدمي حتى لا أصطدم بهم أو أصيبهم بالأذى، ونجح المسعى ووصلت للقُلة وقبل أن أشرب سمعت صوتها وهي تغني كأنه يأتي من عالم الأحلام، اقتربت من الثقب الأستمع أكثر فأنساني صوتها الرقيق كل مشاعر الخوف والعطش، لأجدني أقترب أكثر من ذلك الثقب السحري وأخفف من سدته ولا أبالي بكل المحاذير التي تطلقها أمي دائمًا عن أبو مكحلة الذي يدب أصابعه في عين مَن يتلصص على الناس؛ فأنا أريد أن أنظر كيف أكتفى بالسمع ومن الممكن أن أراها؟ رفعت السدة وبدأ كل شيءٍ؛ ها هي هذه الساحرة التى تجلس وتضع الإوزة الضخمة تحت فخذها الأبيض الممثلئ، ونقوم بتزغيطه وهي تغني:

_ع الزراعية يا رب أقابل حبيبي.. ع الزراعية الواد ده من نصيبي.

كانت تغني وتتمايل وأنا أغوص في بياضها الناصع الذي ينير الظلمة أكثر من ضوء شمعتها الخافت، ويدور في رأسي سؤال عن سر كل هذا الجمال، وهل ما يقوله الأولاد الصغار عن أن جِنية الرياح الكبير سحرتها وهي صغيرة على شاكلتهم؛ حتى تزوجها لابنها عندما تكبر ؟! كل هذا الجمال الذي يعلن عن نفسه بلا تردد أو خوف من خلال هذا الجلباب القديم، وهذا المنديل الأحمر الذي يلتف حول ضفائرها الذهبية لتضيء جبهتها بنور يملأ عيني، فلا أرى شيئًا بعده لتتوقف الحياة ولا يبقى إلا صوتها الرقيق الناعم.

_يا تجيب لي شكلاتة يا بلاش يا ولا.. روح رجع البطاطة يا بلاش يا ولا.. عايزة فستان بكلفة .. وجزمة حمرا تحفة.


أكتم أنفاسي المتسارعة عندما أرى عم فتحي يدخل وهو يلقي حمل القش عن ظهره، ويخرج طرف جلبابه من الكلسون الصوفي ويحك قدمه العارية المملوءة بالطين في جانب الحائط.

_الدنيا عمالة تشتي، اطينت على الآخر، مش مولعة اللنضة ليه يا بت ؟ کتر شمع يعني.

لترد عليه بدلال:

_الجاز خُلص.

_خُلص، مجراش.. ذكر الوز ده مسيره يفطس، هتفضلي تنفخيه كده لحد ما يطق من جنابه.

ترفع رجلها لينتفض ذكر الإوز وينفض أجنحته ويهرب من أمامها بتثاقل.

_هو أنا يعني بزغطه لمين؟ مش عشانك تاكل وتتهنى.

_صحيح يا بت؟ بتحبيني كده؟

_حب إيه وبتاع إيه؟

_يعني مش بتحبيني؟

صابرة تقترب منه وهي تبتسم.

_ أيوه مش بحبك وعمري ما هحبك، وهفضل طول عمري أقول.......

لم يتركها عم فتحى تكمل جملتها، كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها رجلًا يقبل امرأة بكل هذه الشهوة، لتقتحم جسدي هذه المشاعر التي جعلننى أرتفع عن الأرض، وأمد وجهي وأفتح عيني على اتساعها، ويسيل لعابى وكأني لا أتحكم فى جسدي! لأنتبه مرغمًا على صوت طرقات الباب لتى لم أكن أعرف هل هي لنا ؟ أم لهما ؟ عندما انطلق الصوت عرفت أنه صوت أبويا الحاج علِيّ أبي خالتي صابرة، الذي كان يطرق طرقاتٍ سريعة غاضبة وصوته يكاد يصل إلى الصراخ

- يا فتحي يا مصري افتح الباب يا ابني، يا فتحي.

فتقول خالتي صابرة بهمسٍ:

ده صوت أبويا .

أبوك! إيه اللي جابه؟ هو ده وقته ؟ حد يروح لحد في الجوده، الله حك يا حاج هروح أفتح الباب.

لكن خالتي صابرة في حركةٍ مباغتةٍ تمسك يده وتضع الأخرى على فمه ت، وتتحدث بهمس أكثر :
_لا، متردش عليه.
فتزداد الطرقات والغضب:

_يا فتحي، يا وله يا فتحي، ما تفتح انفتحت في رأسك فتحة ميلحقوش يلموها، الشتا سبَّحني إلهي تتسبَّح بمية نار.

عم فتحي يحاول أن يتقدم ويفتح الباب، لكن خالتي صابرة تمنعه ونتجه للباب وتنظر من خرم صغير؛ لترى أباها وتسمع صوته وهو يبتعد

_حد يسبب داره في الشتا كده! عيال هاملة صحيح، وحياة راس أبويا لطين عيشة أمك يا صابرة، قال إيه روح شوف البنت البنت زمان الشتا مغرق دارها، أهو الشتا خرم دماغي ودماغ اللي جابوني، إلهي تغرق هي والدار واللي خلفتها ، أدي آخر اللي يسمع كلام النسوان.

أسرعت إلى شباكي لأشاهد الحاج علِيّ وهو يركب حماره ويغادر في منتهى الغضب، لأعود مسرعًا إلى الثقب وأشاهد ما يحدث، وأستمع لعم فتحي وهو يقول:

_ليه مفتحتيش لأبوك الباب ؟! كده تخليه يجي لحد دارك ويرجع والشتا مغرق الدنيا ؟!

_لو أبويا كان دخل كان هيعرف إن معندناش جاز حتى ينور اللنضة، ومكنتش هعرف أضايفه وساعتها كان هيفتح في التقطيم، وأنت عارف الموشح، وأنا شبعت خلاص، وأنت كمان مش حمل كلامه وتقطيمه.
_مش ندمانة يا صابرة؟
_ لو كان في ندم يبقى على كل يوم كنت فيه بعيد عنك يا فتحي.

ثم اندست في أحضانه ليطوقها بذراعيه، وأنا أندس معهما في غفلةٍ وكأننا شخصُ واحدُ لا ينفصل.


رانية المهدي
من مجموعتي القصصية تُمن شاي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى