في قريتي كل شيءٍ ينبض بالحياة؛ الأشجار الخضراء، مياه النيل الشفافة التي تعكس لون السماء، وتتلون معه بالزرقة الملائكية المبهجة. الزهور الزاهية التي تزين مداخل البيوت، الناس أصحاب بشرة حِنطية هادئة أو سمراء تشبه سمرة الأرض الطيبة.
أما عن النساء فيرتدين الجلاليب شديدة البهجة، ويتبارين في ألوان...
لم تكن تلك الليلة مثل الليالي السابقة؛ الجميع نيام كعادتهم بعد صلاة العشاء، أنا فقط التي تمتلك عيونا ساهرة متطلعة لشروق يوم الأربعاء، ذلك اليوم الفارق في حياتي للأبد؛ فهو بالنسبه لى حياة أو موت.
قبل هذه الليلة بسنوات طوال، كنت تلك الفتاة الصغيرة صاحبة الإحدى عشرة عاما، سمعت أبى وهو يصرخ في أمي...
ممر حديدي صدئ، الأقدام تغوص في الماء اللزج الذي تفوح منه رائحة تقبض الأنفاس، أسير في الصف المرتب الذي لا ينكسر .
لا أتذكر شيئا مختلفا، فنحن دائما هنا، دائما ننظر لأسفل، يطلق علينا أصحاب الرقاب المنحنية، أيدينا تنعقد على الصدور ولا تتحرك إلا عندما يظهر ذلك الصندوق الأحمر، الذي نحمله إلى السير...
#السور
دفعني للخلف بقوة؛ ليمنح نفسه مساحة أكبر أمام الطاولة. تملكني الغضب، و عزمت على الحرب، قبل أن أقترب، استدار ونظر لي محذرا.
انزويت الي أحد الأركان، و عفت نفسي الطعام، مر الوقت وبدأت أرى خيالات مزعجة تأتي وتذهب من جديد.. ثم تقترب وتصبح أكثر وضوحًا.. فركت عيني بقوة فكانت الفاجعة.
ما هذا؟...
يجلس القرفصاء على عتبة داره المتهدمة في معظمها، يرفع جلبابه الممزق إلى ركبتيه ليظهر ذلك الكلسون القطني المتهدل، والذي غادرة اللون الأبيض من شدة الإتساخ. دائما ما يمرر يده ويزيح تلك الطاقية الحمراء الطويلة؛ ليحك رأسه الصلعاء بقوة مفرطة، يلف ورق البفرة ويبصق بين الحين والآخر.
بحكم جلسته على العتب،...
في تلك الليلة الكالحة.. لم يكن بيدي أو بيد غيري أن يصلح الأضواء.. الظلام سيد والآلام ترعى بكل جد.. لوعة الفراق وذلك الأمل القاتل في اللقاء. وتلك الزهرة العنيدة التي مالت وانزوت على نفسها بعد كل هذه السنوات لتتخلى عن أوراقها طواعية وتسقطها على تلك الرسالة الصفراء المهترئة التي لم تُقرأ بعد...
تجلس على الأرض بالجلباب الأسود المفروش بالزهور الباهتة.. تمد قدمها المتورمة من آن لآخر مع ترديد صوت الآه بتقطيع بطيء.. تُملس عليها بيدها مع الضغط الخفيف تارة والضغط الطويل تارة أخرى ربما غادرتها آلام الروماتيزم العنيدة.
أمامها قفص مصنوع من الجِريد تضع عليه بضاعتها الخضراء المبهجة.. ترش عليه...
أسير في الطريق المعتاد للمنزل.. كل شيء مختلف.. الطريق الواسع أصبح صغيرا ضيقا.. أشعر بالغربة.. أين ذهبت الأشجار و العصافير التي كانت تغرد لي وتستقر على كتفي وتنقر الشريط الأحمر في نهاية ضفيرتي الطويلة؟
و هذه البحيرة.. متى ظهرت ومن أين؟! الماء لزج وله رائحة ثقيلة.. كيف أعبر؟ سأسير على الحافة...
لا أذكر كيف وصلت لهذا المكان، الأشياء تلمع برفقٍ، الناس يبتسمون بودٍ محببٍ للنفس، يتحدثون بأصواتٍ أقرب للهمس، يرتدون ثيابًا بسيطةً ملونةً، تتعدد الروائح العطرية وتختلط برقةٍ حتي أنفي المدبب الطويل لم يعد يستطيع أن يميز أي منها، لكنه التقط تلك الرائحة وإصطفاها، لأجدني أتقدم مدفوعًا بهذا السحر الي...