ستمر العاصفة...
وستجف الأوحال في شمال المغرب، سيعود الطين إلى صلابته الأولى، ستنكمش البرك التي كانت تشبه مرايا مكسورة، ستستعيد الأزقة رائحتها القديمة بعد أن غمرتها رائحة الماء الثقيل، وسيقف الناس مندهشين، كأنهم خرجوا للتو من حلم داكن، كأنهم يلمسون الأرض بأقدام مرتجفة ليتأكدوا أن الكارثة كانت حقيقة لا خيالا...
سيقف الكل بعد أن يلملم الجميع جراحه، جراح الجسد وجراح الروح، سيقف من كان هنا، من حمل الحجارة بيدين مرتعشتين، من فتح طريقا وسط الركام، من مسح الدموع عن وجوه لم تكن تملك وقتا للبكاء، من ابتلت ثيابه لأجلنا، ثياب بسيطة صارت رايات شرف، من ربت على الكتف حين اشتد الوضع، حين ضاقت الأنفاس، حين صار الخوف كثيفا كالدخان، من سهر إلى وقت متأخر من الليل، عيونهم مشتعلة باليقظة، قلوبهم متحفزة كأنها حراس للإنسانية....
سيقف من حمل العجوز على ظهره وسط الماء، الماء الذي كان باردا كفكرة الموت، من سار بخطوات ثقيلة وهو يرفع جسدا هزيلا عن الغرق، من عانق طفلا مرتجفا، طفلا بارد الأطراف، لملمه في بطانية، جعل صدره ملجأ مؤقتا، من أشعل ناراصغيرة كي لا تنطفئ الحياة في العيون، من احترقت أصابعه لأجل أن يطعم الجوعى، من قسّم رغيفا واحدا على أكثر من فم، من سهر لأجل أن يضمد جراح المرضى، ضمادات مرتجلة، قلوب مرتجلة، رحمة مرتجلة...
سيقف من نزل إلى الشوارع دون كاميرا، دون خطابة، دون رغبة في التصفيق، فقط لأن الإنسان حين يرى إنسانا يغرق لا يسأل عن اسمه ولا عن انتمائه. سيقف من حمل دلوا، من جرّ حبلا، من أضاء مصباحا صغيرا في عتمة كاملة، من قال كلمة طمأنة وسط الضجيج، من صنع من حضوره معنى.
ثم سيذهب الكل…
ستعود الحياة إلى إيقاعها العادي، ستُفتح المتاجر، ستُصلح الجدران، ستعاد الطلاءات فوق الشقوق، سيضحك الأطفال من جديد في ساحات المدرسة، ستنشغل المدينة بأخبارها اليومية، وستبقى هذه الصور ذكرى، ذكرى محفورة في الوعي الجمعي، في ذاكرة القصر الكبير، في ذاكرة الشمال حين اشتدت المحن....
ستتذكرها الأجيال القادمة، سيقال إن هنا، في لحظة كانت السماء فيها ثقيلة والماء فيها سيد المكان، كان هنا أناس لا يعرفهم أحد، أسماء بلا شهرة، وجوه بلا أضواء، رجال ونساء خرجوا من عمق الشعب، من معدن التضامن، من تلك الأخلاق التي تظهر حين يسقط القناع الاجتماعي، حين يصبح الإنسان عاريا أمام مصير الآخر....
ستبقى هذه الصور خالدة في الأذهان…
صورة اليد الممدودة وسط السيل، صورة البطانية التي صارت وطنا صغيرا، صورة الخبز الذي صار عدالة مؤقتة، صورة الأكتاف التي حملت ما لا يُحمل، صورة الليل الذي سهر فيه الناس كي لا ينام أحد في العراء...
وسيأتي زمن، بعد سنوات، حين يعيد الفيس بوك هذه اللقطات سنة بعد أخرى، حين تظهر على الشاشة وجوه متعبة لكنها مضيئة، حين نقرأ التعليقات القديمة، حين نبتسم بحزن، حين نشعر بالفخر، فخر لا يقوم على الاستعراض، بل على ذلك العمق الإنساني الذي يتجلى في الكارثة...
وفي مكان ما من هذا المعنى، يمر صوت روائي بعيد، كأن عبد الرحمن منيف يهمس من بين صفحات "مدن الملح": الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يمنحه حين تضيق الأرض.
وهكذا، تصبح العاصفة امتحانا أنطولوجيا، تصبح المأساة مختبرا للأخلاق، تصبح الكارثة لحظة تكشف جوهر المجتمع، لحظة يتراجع فيها الفرد إلى الخلف ويتقدم الكل، لحظة يتعرى فيها الزيف وتظهر الأصالة.
سنترك هنا سلسلة من الصور…
صورا لا تخص الألم وحده، تخص القدرة العجيبة لشعب يعرف كيف يجمع أطرافه من عمق المأساة، كيف يصنع من التضامن معنى، كيف يحول الطين إلى ذاكرة، وكيف يثبت أن الإنسانية، وسط أقسى الظروف، ما زالت ممكنة...
وستجف الأوحال في شمال المغرب، سيعود الطين إلى صلابته الأولى، ستنكمش البرك التي كانت تشبه مرايا مكسورة، ستستعيد الأزقة رائحتها القديمة بعد أن غمرتها رائحة الماء الثقيل، وسيقف الناس مندهشين، كأنهم خرجوا للتو من حلم داكن، كأنهم يلمسون الأرض بأقدام مرتجفة ليتأكدوا أن الكارثة كانت حقيقة لا خيالا...
سيقف الكل بعد أن يلملم الجميع جراحه، جراح الجسد وجراح الروح، سيقف من كان هنا، من حمل الحجارة بيدين مرتعشتين، من فتح طريقا وسط الركام، من مسح الدموع عن وجوه لم تكن تملك وقتا للبكاء، من ابتلت ثيابه لأجلنا، ثياب بسيطة صارت رايات شرف، من ربت على الكتف حين اشتد الوضع، حين ضاقت الأنفاس، حين صار الخوف كثيفا كالدخان، من سهر إلى وقت متأخر من الليل، عيونهم مشتعلة باليقظة، قلوبهم متحفزة كأنها حراس للإنسانية....
سيقف من حمل العجوز على ظهره وسط الماء، الماء الذي كان باردا كفكرة الموت، من سار بخطوات ثقيلة وهو يرفع جسدا هزيلا عن الغرق، من عانق طفلا مرتجفا، طفلا بارد الأطراف، لملمه في بطانية، جعل صدره ملجأ مؤقتا، من أشعل ناراصغيرة كي لا تنطفئ الحياة في العيون، من احترقت أصابعه لأجل أن يطعم الجوعى، من قسّم رغيفا واحدا على أكثر من فم، من سهر لأجل أن يضمد جراح المرضى، ضمادات مرتجلة، قلوب مرتجلة، رحمة مرتجلة...
سيقف من نزل إلى الشوارع دون كاميرا، دون خطابة، دون رغبة في التصفيق، فقط لأن الإنسان حين يرى إنسانا يغرق لا يسأل عن اسمه ولا عن انتمائه. سيقف من حمل دلوا، من جرّ حبلا، من أضاء مصباحا صغيرا في عتمة كاملة، من قال كلمة طمأنة وسط الضجيج، من صنع من حضوره معنى.
ثم سيذهب الكل…
ستعود الحياة إلى إيقاعها العادي، ستُفتح المتاجر، ستُصلح الجدران، ستعاد الطلاءات فوق الشقوق، سيضحك الأطفال من جديد في ساحات المدرسة، ستنشغل المدينة بأخبارها اليومية، وستبقى هذه الصور ذكرى، ذكرى محفورة في الوعي الجمعي، في ذاكرة القصر الكبير، في ذاكرة الشمال حين اشتدت المحن....
ستتذكرها الأجيال القادمة، سيقال إن هنا، في لحظة كانت السماء فيها ثقيلة والماء فيها سيد المكان، كان هنا أناس لا يعرفهم أحد، أسماء بلا شهرة، وجوه بلا أضواء، رجال ونساء خرجوا من عمق الشعب، من معدن التضامن، من تلك الأخلاق التي تظهر حين يسقط القناع الاجتماعي، حين يصبح الإنسان عاريا أمام مصير الآخر....
ستبقى هذه الصور خالدة في الأذهان…
صورة اليد الممدودة وسط السيل، صورة البطانية التي صارت وطنا صغيرا، صورة الخبز الذي صار عدالة مؤقتة، صورة الأكتاف التي حملت ما لا يُحمل، صورة الليل الذي سهر فيه الناس كي لا ينام أحد في العراء...
وسيأتي زمن، بعد سنوات، حين يعيد الفيس بوك هذه اللقطات سنة بعد أخرى، حين تظهر على الشاشة وجوه متعبة لكنها مضيئة، حين نقرأ التعليقات القديمة، حين نبتسم بحزن، حين نشعر بالفخر، فخر لا يقوم على الاستعراض، بل على ذلك العمق الإنساني الذي يتجلى في الكارثة...
وفي مكان ما من هذا المعنى، يمر صوت روائي بعيد، كأن عبد الرحمن منيف يهمس من بين صفحات "مدن الملح": الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يمنحه حين تضيق الأرض.
وهكذا، تصبح العاصفة امتحانا أنطولوجيا، تصبح المأساة مختبرا للأخلاق، تصبح الكارثة لحظة تكشف جوهر المجتمع، لحظة يتراجع فيها الفرد إلى الخلف ويتقدم الكل، لحظة يتعرى فيها الزيف وتظهر الأصالة.
سنترك هنا سلسلة من الصور…
صورا لا تخص الألم وحده، تخص القدرة العجيبة لشعب يعرف كيف يجمع أطرافه من عمق المأساة، كيف يصنع من التضامن معنى، كيف يحول الطين إلى ذاكرة، وكيف يثبت أن الإنسانية، وسط أقسى الظروف، ما زالت ممكنة...