سعيد حجي - في تلك اللحظة التي تنحني فيها روحك

في تلك اللحظة التي تنحني فيها روحك، وتخيل أنّك بلغت قاع القاع، لا شيء يُنقذك سوى ارتعاشة غير متوقعة في الداخل، كتنهيدة لا تعرف من أين جاءت، أو فكرة ضبابية تحاول أن تتشكّل في ذهنك المتصدّع. تلك اللحظة ليست نهاية، بل هي بداية بلا ضوء، ما تزال مغلّفة بالسواد، لكنّها تحمل نطفة تحوّل...
الإنسان لا ينكسر دفعة واحدة، بل يتشقق على مهل، وبين كل شق وشق، فرصة صغيرة للنفاذ نحو شيء يشبه النجاة. هذه اللحظة التي تظن فيها أنك انتهيت، ليست سوى خدعة بصرية في نفق الوعي، خدعة تجعلك ترى أن الطريق انقرض، بينما هو يتلوى خلف عتمة شكك، يختبئ منك، لا منك انت، بل من صورتك عنك...
الهدية لا تأتي دوما مغلفة، أحيانا تكون نغمة عابرة، وجه لا تعرفه لكنه يبتسم، رسالة قديمة تسقط صدفة من كتاب، ذاكرة تنبض في منتصف ضياعك. وربما تأتيك الهبة في شكل فراغ مفاجئ تشعر فيه أن صدرك اتسع رغم الضيق، أن الهواء مرّ بطريقة مختلفة، أن قدميك لا تزالان تلامسان أرضا صلبة...
تلك الفجوة وسط السواد، يسميها بعض الفلاسفة "شق الوجود"، لحظة الانقسام بين ما كنت عليه وما يمكنك أن تكونه، حين تدرك أن الهوية ليست قالبا بل احتمالا. وضمن هذا الاحتمال، يوجد نسختك الأخرى التي هربت منها طويلا، لأنها تشبهك أكثر مما ينبغي...


أن تتبع هذه الفجوة، يعني أن تتحول، أن تخلع عنك جلد التعب والاعتياد، وتلبس ارتباك النهوض الأول. أن تمضي رغم الارتجاف، رغم صراخك الداخلي "لن أقدر"، رغم أن لا شيء حولك يشير إلى طريق...
في رواية الساعة الخامسة والعشرون لكونستانتين جورجيو، تنفجر الذات حين يكتشف الإنسان أن كل ما عاشه لم يكن هو، بل صورة مزيفة رسمها المجتمع، السلطة، التاريخ. لكنه في اللحظة الأكثر ألما، يكتشف ذاته العارية، ويبدأ الترميم من الداخل، لا لأن العالم تغيّر، بل لأنه لم يعد يحتاجه كبرهان...
ما نسميه اليوم لحظة قاع، هو في العمق اللحظة التي يعيد فيها الإنسان تشكيل مفهومه عن الذات. يدخل مرحلة التحوّل الأنطولوجي، حيث لا يعود يبحث عن أجوبة بل عن معنى. يتصالح مع فكرة أن الخسارة ليست نهاية بل لغة أخرى للوجود، وأن الحياة لا تعتذر عن قسوتها، لكنها تمنح رموزا للناجين...
كلما شعرت أنّك انتهيت، تذكّر أن ما يحدث فيك ليس سقوطا، بل بداية الحركة نحو الداخل، نحو الشخص الآخر فيك الذي كان ينتظر إذنك ليولد...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى