كانت شفتاها، حين تُزمّان عقب كل مجّة من سيجارتها، أشبه بفم ريفولڤر قديم يتهيّأ لإطلاق الرصاصة الأخيرة في فيلم نُسي عنوانه وبقيت نهايته عالقة في ذاكرة الصالات المعتمة....
في مقهى الرعاع، حيث تتراكم الأيام مثل رماد كثيف على أطراف الطاولات، وحيث تقاس الرجولة بعدد السجائر الرخيصة الملتهمة في المساء، انحنت العيون كلها نحوها كما تنحني الإبر نحو مغناطيس غريب...
كان المكان مشبعا برائحة التبغ الرديء ، بعطن الرطوبة التي تتسلل من الجدران، وبسعال جماعيّ يشبه نشيدا غير مكتوب لطبقة أنهكها الانتظار...
بعض العيون، تلك التي تعوّدت التلصص على تفاصيل الآخرين كما لو كانت تبحث عن فُتات معنى، كانت مستعدة لأن تزحف على أطراف الأصابع، أن تنغمس في فنجان القهوى لتلتقط انعكاس وجهها على سطحه الداكن، أن تكتشف سرّ هذا الكائن الدخيل الذي اخترق الطقس الصباحي المقدّس وجلس بينهم يدخّن مالبورو ببرودة من يعرف أن العالم لا يملك عليه حقّ السؤال...
دقائق قليلة كانت كافية كي يعاد تشكيلها في أذهانهم.
تفحّص من أخمص القدم إلى الناصية، كأنهم يقرأون جريدة لا امرأة، كأنهم يقلبون صفحات كتاب محظور...
ممتعضٌ لأن أسنانه المسوسة تمنعه من ابتسامة كاملة أمام هذا الملاك الجديد.
متربّص يجرّ حدقتيه جرّا لعلّه يظفر بنظرة إعجاب خاطفة، بنصف ابتسامة، بإشارة صغيرة تكفيه أسبوعا من الوهم.
وآخرون يبتلعون ريقهم كأنهم يبتلعون شعورا بالهزيمة أمام حضور لا يشبههم....
كانت هي وسط هذا المعمعان، وسط هذا الطوق من الأنفاس الرديئة والفضول المتوحش، تحس نفسها بؤرة للكون، النقطة الوحيدة التي ستشرق الشمس عليها، والمركز الذي يفضح الأطراف...
تجلس في تنورة خفيفة في عز الشتاء ، ترتفع فوق الركبتين مثل استفزاز صامت، كأنها تضع جسدها في مواجهة تاريخ طويل من التقاليد الثقيلة، نهدان نافران كعلامتين على الحياة وسط هذا الخراب اليومي...
في الزاوية، كانت زمرة تلعب الورق بعصبية، أصابعهم مشققة من العمل ومن الفراغ معا، واثنان ينفضان سجائرهما في منفضة معدنية مطلية بالصدأ، كأنهما ينفضان أعمارا كاملة في حفرة صغيرة...
صوت الملاعق، طقطقة الكؤوس، همس النكات البذيئة، كل ذلك تراجع خطوة إلى الخلف، لأن حضورها كان يفرض صمتا شبيها بإغلاق الستار في نهاية فيلم صادم.
لحظتها، طلّ ربّ المقهى من خلف الكونتوار.
وجهه يحمل تعب السنوات، يد تحمل صينية براد شاي، يد أخرى تحمل شرائح الخبز ومقلاة بيض أُعدّت لزبون أدرد ينتظر أن يتلمّضها بشراهة وبلا أسنان.
وكمن تفاجأ فجأة بوجودها، أعلن بصوت حاول أن يجعله عاديا وهو يعلم أنه يعلن زلزالا:
— نعلن لزبائننا الكرام أن آسية… ضيفتكم الجديدة… هي من ستشرف على المقهى وعلى طلباتكم من الآن فصاعدا...
زال الغبش الذي كان يعصر أدمغة الرواد.
اتضحت العناوين العريضة لهذا الكتاب الغامض.
امرأة هنا، في هذا المكان الذي ظلّ لعشرين سنة أشبه بمعبد صغير للذكورة المتهالكة، ستشرف على الطاولات، على الطلبات، على تفاصيل يومهم...
صمتت الأفواه.
توقفت الأوراق في الهواء.
ارتجفت السيجارة بين إصبعين.
المشهد بدا كأن الزمن نفسه تعثر للحظة.
ثم عادت الوشوشة ببطء، مثل دماء تستعيد مجراها في شرايين مقهى الرعاع.
كلمات تتطاير، اندهاش قريب من الاستنكار، خوف من التغيير، ارتباك من فكرة أن القداسة التي صنعوها من العادة يمكن أن تُخترق بسهولة امرأة.
لم يتقبل أحد هذا الانتهاك الطارئ في نواميس المكان.
هذا المقهى لم يكن مجرد مقهى في وعيهم، كان ذاكرة جماعية، كان أرشيفا غير مكتوب لوجوههم، كان المسرح الذي يمارسون فيه طقوسهم اليومية: الشاي، الورق، الحشيش، الشتائم، الضحك الثقيل...
ودخول امرأة إليه كنادلة كان كدخول سؤال فلسفيّ إلى غرفة اعتادت الإجابات السهلة.
في اليوم التالي، كانت أغلب الكراسي شاغرة.
الطاولات باردة كأنها فقدت حرارة الأجساد التي اعتادت أن تراكم فوقها ثرثرة الصباح والمساء .
لم يبقَ سوى أعقاب سجائر مطفأة، وبقع قهوة يابسة، وأثرُ أصابع كانت تمسك الزمن من طرفه الأخير ثم تتركه يسقط بلا اكتراث...
كان الفراغ نفسه نوعا من البيان، احتجاجا لا يُكتب، انسحابا جماعيا من مشهد لم يعد يضمن لهم الطمأنينة القديمة.
فالمكان، حين يتجاوز وظيفته البسيطة، يتحول إلى نظام رمزيّ، إلى طقس يوميّ يحمي أصحابه من مواجهة هشاشتهم...
هنا، في مقهى الرعاع، كانت الكراسي ،
امتدادا لسلطة العادة، وكانت الطاولات خرائط صغيرة لسيادة الذكور المتعبين، أولئك الذين لا يملكون من العالم سوى مساحة ضيقة يضعون عليها كأس شايهم وشتائمهم....
وظهور آسية ، كان شرخا في البنية الخفية لهذا الفضاء.
امرأة واحدة، بجسد واضح، بصمت متماسك، استطاعت أن تكشف كم أن هذا المكان كان قائما على توافق غير معلن: أن يبقى كل شيء كما هو، أن تستمر الحياة في شكلها المتكرر، أن يظلّ الرعاع رعاعا بلا مرآة....
لقد خافوا من المرأة لأن حضورها لم يكن حضورا جسديا فقط، كان حضور معنى.
والمعنى حين يدخل فضاء اعتاد الفراغ، يصبح عبئا ثقيلا.
إنه يوقظ الأسئلة التي نامت طويلا تحت الرماد: من نحن؟ ماذا نفعل هنا؟ ولماذا نحتاج كل هذا الدخان كي نتحمل مساءً آخر؟
آسية لم تغيّر المقهى…
هي فقط جعلت ما كان مستترا يظهر.
جعلت الرطوبة أكثر وضوحا، والسعال أكثر فجاجة، والعيون أكثر انكشافا...
فالأمكنة لا تنهار حين يدخلها الغريب، تنهار حين تكتشف أنها كانت قائمة على هشاشة مصطنعة.
وهكذا ظلّ مقهى الرعاع بعد ذلك أقل امتلاء بالزبائن، وأكثر امتلاء بما لا يقال.
كأن الصمت الذي تركوه خلفهم كان فائضا من وعي مؤلم.
وعي بأن العالم يتغير دائما، وأن أكثر ما يرعب الإنسان ليس الجوع ولا الفقر… إنما اختلال الطقس الذي كان يمنحه وهما صغيرا بالاستقرار...
في مقهى الرعاع، حيث تتراكم الأيام مثل رماد كثيف على أطراف الطاولات، وحيث تقاس الرجولة بعدد السجائر الرخيصة الملتهمة في المساء، انحنت العيون كلها نحوها كما تنحني الإبر نحو مغناطيس غريب...
كان المكان مشبعا برائحة التبغ الرديء ، بعطن الرطوبة التي تتسلل من الجدران، وبسعال جماعيّ يشبه نشيدا غير مكتوب لطبقة أنهكها الانتظار...
بعض العيون، تلك التي تعوّدت التلصص على تفاصيل الآخرين كما لو كانت تبحث عن فُتات معنى، كانت مستعدة لأن تزحف على أطراف الأصابع، أن تنغمس في فنجان القهوى لتلتقط انعكاس وجهها على سطحه الداكن، أن تكتشف سرّ هذا الكائن الدخيل الذي اخترق الطقس الصباحي المقدّس وجلس بينهم يدخّن مالبورو ببرودة من يعرف أن العالم لا يملك عليه حقّ السؤال...
دقائق قليلة كانت كافية كي يعاد تشكيلها في أذهانهم.
تفحّص من أخمص القدم إلى الناصية، كأنهم يقرأون جريدة لا امرأة، كأنهم يقلبون صفحات كتاب محظور...
ممتعضٌ لأن أسنانه المسوسة تمنعه من ابتسامة كاملة أمام هذا الملاك الجديد.
متربّص يجرّ حدقتيه جرّا لعلّه يظفر بنظرة إعجاب خاطفة، بنصف ابتسامة، بإشارة صغيرة تكفيه أسبوعا من الوهم.
وآخرون يبتلعون ريقهم كأنهم يبتلعون شعورا بالهزيمة أمام حضور لا يشبههم....
كانت هي وسط هذا المعمعان، وسط هذا الطوق من الأنفاس الرديئة والفضول المتوحش، تحس نفسها بؤرة للكون، النقطة الوحيدة التي ستشرق الشمس عليها، والمركز الذي يفضح الأطراف...
تجلس في تنورة خفيفة في عز الشتاء ، ترتفع فوق الركبتين مثل استفزاز صامت، كأنها تضع جسدها في مواجهة تاريخ طويل من التقاليد الثقيلة، نهدان نافران كعلامتين على الحياة وسط هذا الخراب اليومي...
في الزاوية، كانت زمرة تلعب الورق بعصبية، أصابعهم مشققة من العمل ومن الفراغ معا، واثنان ينفضان سجائرهما في منفضة معدنية مطلية بالصدأ، كأنهما ينفضان أعمارا كاملة في حفرة صغيرة...
صوت الملاعق، طقطقة الكؤوس، همس النكات البذيئة، كل ذلك تراجع خطوة إلى الخلف، لأن حضورها كان يفرض صمتا شبيها بإغلاق الستار في نهاية فيلم صادم.
لحظتها، طلّ ربّ المقهى من خلف الكونتوار.
وجهه يحمل تعب السنوات، يد تحمل صينية براد شاي، يد أخرى تحمل شرائح الخبز ومقلاة بيض أُعدّت لزبون أدرد ينتظر أن يتلمّضها بشراهة وبلا أسنان.
وكمن تفاجأ فجأة بوجودها، أعلن بصوت حاول أن يجعله عاديا وهو يعلم أنه يعلن زلزالا:
— نعلن لزبائننا الكرام أن آسية… ضيفتكم الجديدة… هي من ستشرف على المقهى وعلى طلباتكم من الآن فصاعدا...
زال الغبش الذي كان يعصر أدمغة الرواد.
اتضحت العناوين العريضة لهذا الكتاب الغامض.
امرأة هنا، في هذا المكان الذي ظلّ لعشرين سنة أشبه بمعبد صغير للذكورة المتهالكة، ستشرف على الطاولات، على الطلبات، على تفاصيل يومهم...
صمتت الأفواه.
توقفت الأوراق في الهواء.
ارتجفت السيجارة بين إصبعين.
المشهد بدا كأن الزمن نفسه تعثر للحظة.
ثم عادت الوشوشة ببطء، مثل دماء تستعيد مجراها في شرايين مقهى الرعاع.
كلمات تتطاير، اندهاش قريب من الاستنكار، خوف من التغيير، ارتباك من فكرة أن القداسة التي صنعوها من العادة يمكن أن تُخترق بسهولة امرأة.
لم يتقبل أحد هذا الانتهاك الطارئ في نواميس المكان.
هذا المقهى لم يكن مجرد مقهى في وعيهم، كان ذاكرة جماعية، كان أرشيفا غير مكتوب لوجوههم، كان المسرح الذي يمارسون فيه طقوسهم اليومية: الشاي، الورق، الحشيش، الشتائم، الضحك الثقيل...
ودخول امرأة إليه كنادلة كان كدخول سؤال فلسفيّ إلى غرفة اعتادت الإجابات السهلة.
في اليوم التالي، كانت أغلب الكراسي شاغرة.
الطاولات باردة كأنها فقدت حرارة الأجساد التي اعتادت أن تراكم فوقها ثرثرة الصباح والمساء .
لم يبقَ سوى أعقاب سجائر مطفأة، وبقع قهوة يابسة، وأثرُ أصابع كانت تمسك الزمن من طرفه الأخير ثم تتركه يسقط بلا اكتراث...
كان الفراغ نفسه نوعا من البيان، احتجاجا لا يُكتب، انسحابا جماعيا من مشهد لم يعد يضمن لهم الطمأنينة القديمة.
فالمكان، حين يتجاوز وظيفته البسيطة، يتحول إلى نظام رمزيّ، إلى طقس يوميّ يحمي أصحابه من مواجهة هشاشتهم...
هنا، في مقهى الرعاع، كانت الكراسي ،
امتدادا لسلطة العادة، وكانت الطاولات خرائط صغيرة لسيادة الذكور المتعبين، أولئك الذين لا يملكون من العالم سوى مساحة ضيقة يضعون عليها كأس شايهم وشتائمهم....
وظهور آسية ، كان شرخا في البنية الخفية لهذا الفضاء.
امرأة واحدة، بجسد واضح، بصمت متماسك، استطاعت أن تكشف كم أن هذا المكان كان قائما على توافق غير معلن: أن يبقى كل شيء كما هو، أن تستمر الحياة في شكلها المتكرر، أن يظلّ الرعاع رعاعا بلا مرآة....
لقد خافوا من المرأة لأن حضورها لم يكن حضورا جسديا فقط، كان حضور معنى.
والمعنى حين يدخل فضاء اعتاد الفراغ، يصبح عبئا ثقيلا.
إنه يوقظ الأسئلة التي نامت طويلا تحت الرماد: من نحن؟ ماذا نفعل هنا؟ ولماذا نحتاج كل هذا الدخان كي نتحمل مساءً آخر؟
آسية لم تغيّر المقهى…
هي فقط جعلت ما كان مستترا يظهر.
جعلت الرطوبة أكثر وضوحا، والسعال أكثر فجاجة، والعيون أكثر انكشافا...
فالأمكنة لا تنهار حين يدخلها الغريب، تنهار حين تكتشف أنها كانت قائمة على هشاشة مصطنعة.
وهكذا ظلّ مقهى الرعاع بعد ذلك أقل امتلاء بالزبائن، وأكثر امتلاء بما لا يقال.
كأن الصمت الذي تركوه خلفهم كان فائضا من وعي مؤلم.
وعي بأن العالم يتغير دائما، وأن أكثر ما يرعب الإنسان ليس الجوع ولا الفقر… إنما اختلال الطقس الذي كان يمنحه وهما صغيرا بالاستقرار...