الجزء الثالث والأخير
من قرى المتسولين إلى العاصمة: بورصة "الله ينطيك"
أما بغداد، في الثمانينيات فقد عرفت نمطا آخر أكثر تخصصا ووضوحا. فقد كانت مهنة التسول فيها في كثير من أحيائها ومفاصلها الحيوية مرتبطة على نحو لافت بجماعات تركمانية الأصل، جاءت بنسائها وأطفالها إلى العاصمة لتعمل في هذه...
الجزء الثاني
قرى منشأ التسول
وهذا النمط لم يكن حكرا على البصرة والعمارة فالناصرية، والديوانية والسماوة، عرفت هي الأخرى هذا التبادل المتقاطع للمتسوّلين في الثمانينيات والتسعينيات، إذ كان أبناء هذه المدن الثلاث "يتسولون فيما بينهم"، كما لو أن الفقر نفسه قد أنشأ خريطة تنقّل موازية لخريطة الدولة...
للتسول رقصته الخاصة، عينٌ تلتقط ولسان يختار ويدٌ تعرف متى تمتد
الجزء الأول
في البصرة وخلال ثمانينيات القرن الماضي، إذا أراد أحدٌ أن يتسوّل وهو يسكن في خور الزبير أو سفوان وهما من النواحي البعيدة عن مركز المحافظة، فأين يمكنه أن يجد مورده؟ من المؤكد أنه لن يمارس فعل التسوّل في ناحيته الصغيرة،...
يقال إن الجندي الفرنسي يتذكر خبز الخنادق والجندي الروسي يتذكر خبز الجبهة أما الجندي العراقي وهو أكثر تواضعا في مطالبه من الفلاسفة والقادة معا فلا يتذكر إلا صمون الجيش؛ فالصمون هو اليقين الوحيد في حياة الجندي، قد يتغير القائد وتتبدل الجبهات وتطول الحروب أو تقصر لكن الصمون بحكمته الدائرية يبقى...
وصلنا، نحن الدفعة الجديدة من الخريجين إلى لواء الرابع ح ج عند السادسة صباحا. الشاحنات العسكرية مصطفة على جانب الساحة الترابية. نزلنا واحدا تلو الآخر نحمل حقائب صغيرة وأوراق تبليغ مطوية في الجيب. في صباح مغبر لا يختلف عن وجوه الجنود الواقفين عند بوابة النظام كنا نحمل شهادات تخرجنا لكننا اكتشفنا...
_ الأجرة؟
_صلواتي
_ما صلواتك! أريد أجرة السيارة
كان الآخر يتحدث بلغة غير عربية والسائق لا يعرف سواها، فنشأ قتال كلامي بينهما. ينشغل السائق بالجدال على أخذ الأجرة بينما يأخذ مَن في السيارة حقيبته ويهرب كلص.
يعود السائق مجددا إلى الأرض التي نقل منها الركاب والدماء تغلي من رأسه. يرى ركابا جدد...
تمضي سيارة الأوبل الحمراء المحطمة فوق الرصيف فترتعد مع كل مطب ويعلو ارتجاف هيكلها، في مؤخرة السيارة، تتكدس صناديق العطور ثقيلة الرائحة والوزن حتى انخفضت المؤخرة وارتفعت المقدمة في توازن مختل كأنها قررت أن تستنجد إلى السماء هربا من الطريق.
الطلاء متقشر عند الأبواب والزجاج متكسر والعجلات تشق...
في بغداد، لا تتغير الفصول في السماء وإنما في العربات. صيفٌ يُباع فيه التفكير مع العرق وشتاءٌ يُباع فيه الدفء بكأس لبلبي.
الحمّال في الصيف لا يحتاج سوى قطعة بقلاوة صغيرة، أما حين يبرد الطقس فإنه يعمل دفاعا عن أطرافه. وفي هذا الفصل، تكتسب البقلاوة نكهة جديدة وهي نكهة الذباب الذي يصل إليها قبل...
كان شابا في العشرينيات من عمره، بوجه لا يزال يحمل شيئا من ملامح الطفولة وبرئة أنهكتها سجائر سومر وظهر محدودب من الانحناء الطويل فوق الأرض الزراعية. يخرج فجرا من منزله ويعود إليه ليلا، كان النهار مساحة لا يجوز أن يشهد وجوده. هناك، قرب دجلة، كان يجد شيئا يشبه حياته، ساكنا، غامضا وغير مبال بأحد...
في الأنظمة التوتاليتارية، يصبح السؤال عن معنى الوطن سؤالا محرجا، كأنك تسأل عن حقيقة إعلان دعائي صدقناه لفرط تكراره. ما الوطن هناك؟ ليس أرضا ولا ذاكرة، بل فكرة مصممة بعناية في مكاتب السلطة، تُباع كمنتج سياسي مزوق بورق الشعار. تُدجّن الوطنية كما تُدجن الأغنام، وتُعلّب في خطب وأناشيد، وطن يُذاع في...
في زمن كانت فيه الشوارع مغبّرة حتى في فصل الشتاء، والسماء لا تمطر على ساكنيها سوى تراب، كان هناك معلمٌ للغة العربية في مدرسة اسمها الأبطال.
يصل إلى المدرسة كلَّ صباح بسيارته الخضراء من نوع lada ،المعروفة باسم فيات العراقية لأنها نسخة من fiat الإيطالية. الشكل المربع الكلاسيكي مع الأضواء الدائرية...
طفلان يتناولان فطورهما من الخبز والشاي، والماما تحثّ الولد الأصغر على تناول طعامه سريعا بدل التلكؤ الصباحي المعتاد للنهار المدرسي.
الأب غائب عن المنزل بشكل شبه دائم، فهو رجلٌ عسكري، وواجب الحدود الشرقية الحربية يناديه كل ثمانية وعشرين يوما.
تأخذ أطفالها الصغار إلى المدرسة الصباحية، توصلهما دون...
الإخراج الموسيقي: القائد الضرورة نفسه، صدام حسين، بطل الحفرة الذي خرج من تحتها كما تخرج الفطريات السامة بعد المطر
الفرقة الموسيقية الرسمية:
العود في يد علي كيمياوي، يعزف أوتاره كما كان يختبر غازاته، نفس الأصابع التي خلطت بين الموسيقى والموت
الدنابك فمع داوود القيسي، يقرعها كما يقرع رؤوس...
في إجازته القصيرة، وعلى الشارع العام، وقفت امرأة من ذلك النوع الذي إذا مرّ به جندي شدّ شواربه وفكّر بعضوه قبل عقله، خصوصا إذا رآها ترتدي عباءة سوداء ونعال "أبو الإصبع".كانت تطالعه كأنها خلاص مؤقت من رائحة العرق والغبار
هو نائب ضابط طبابة، يخدم في وحدة عسكرية قرب إحدى قرى الخالص. يرتدي بدلة...
عجوز أرملة، تعيش في بيت أختها الساكنة في حيّ العامل. جدة كهلة من ذلك الطراز الذي إن أراد شيئًا تحقق فورًا لا لشيء سوى أن الناس بحكم الفطرة، لا يعرفون كيف يرفضون لها طلبا. تقف على رأس ابن الأخت الكبير وليس على فمها غير "خذني إلى الكاظم، خذني إلى الإمام" يجيبها ابن الأخت الكبير "يابا، أم كلثوم...