للتسول رقصته الخاصة، عينٌ تلتقط ولسان يختار ويدٌ تعرف متى تمتد
الجزء الأول
في البصرة وخلال ثمانينيات القرن الماضي، إذا أراد أحدٌ أن يتسوّل وهو يسكن في خور الزبير أو سفوان وهما من النواحي البعيدة عن مركز المحافظة، فأين يمكنه أن يجد مورده؟ من المؤكد أنه لن يمارس فعل التسوّل في ناحيته الصغيرة، لذلك كان يتجه إلى مركز المدينة، إلى ساحة سعد. وكانت ساحة سعد آنذاك أشبه بمحطة كبرى لسيارات السفر المتجهة إلى بغداد وسائر المحافظات، ولهذا غدت مكانا مناسبا للتسول ولا سيما بين العسكريين العائدين من الجبهات أو المتجهين إليها خلال حرب الثماني أعوام. فالعسكري _أبو خليل_ زبونا دائما لموقف السيارات ويتقاضى راتبا شهريا وهذا ما يجعله هدفا مفضلا للمتسولين وكانت عبارات الاستعطاف تُصاغ بعناية لتناسب حال الجندي ومزاجه من قبيل"الله يرجعك سالم//الله يعطيك//الله يسرحك//الله يزوجك//الله يخليلك حبيبتك".
وكان بعض المتسولين يتكبرون على فكرة التسول في مناطقهم القريبة، خشية أن يراهم أحد معارفهم ويكتشف أمرهم. لذلك كانوا يفضلون الذهاب إلى مناطق أخرى أبعد من مركز المدينة مثل العمارة، ليمارس التسول فيها بعيدا عن أعين الناس الذين يعرفونه. لهذا ارتبط حضور المتسولين في تلك المرحلة بمحطات النقل، لأنها كانت تعج بتجمعات العسكريين، منهم من هو قادم لأجل الإجازة، ومنهم من هو ملتحق بوحدته. وبين هذا الذي يعطي مئة فلس وذاك الذي يمنح ربع دينار، كانت العبارة المناسبة قادرة أحيانا على مضاعفة العطاء. فإذا قال المتسول لشاب ما "الله يخليلك حبيبتك" وكان الشاب حديث الارتباط أو واقعا في هوى طري فقد يندفع إلى منحه دينارا كاملا. وبهذا كان المتسول يستطيع أن يجمع في يومه ما لا يقل عن خمسة وعشرين دينارا وهو مبلغ ليس هينا بمقاييس تلك المرحلة.
كان المتسول يطوف الحي كأنه واحد من خرائطه يعرف ساكنيه فردا فردا ويميز الغريب مِن مَن ولد فيهه، يقرأ الوجوه يلتقط اللهجات ويفهم ملامح الانتماء من طريقة الوقوف والشراء وله فراسة لا تخطئ فهو يعرف من يملك ومن يتظاهر بأنه لا يملك.
أما النساء، فكنّ يشكلن طبقة خاصة من هذا الاقتصاد الهامشي. فبعضهن يكتفين بالتسول نهارا ومَن لا تكتفي تدخل ليلا علاقات عابرة مع أبي خليل، ذلك العسكري الذي كان في زمن الحرب زبونا دائما ومصدر رزق متنقلا. أما النساء اللواتي يحرصن على البقاء داخل حدود الستر الاجتماعي فكن يبتكرن شكلا آخر من الكسب، كأن تأتي إحداهن بموقد كيروسين* چولة وإبريق شاي معدني وعدة كاسات الشاي وحاوية مياه Ro، ذلك الماء الذي كان له امتيازا بصريا في زمن ملوحة شط العرب حتى بدا وكأن البصرة هي أول من منح الماء العذب قيمة تجارية يومية في العراق. ثم تجلس على الأرض وتعرض ما تيسر من شاي وبيض وصمون أو صمونة بداخلها لوبية مسلوقة وشرائح طماطم مع رشة ملح وكاسة الشاي، وتضع كل ذلك إلى جوارها في صينية صغيرة، ليأكل منها الجندي على الأرض بجوارها.
ولم يكن ما يجري في البصرة تسولا استثنائيا، كان سيناريو قابلا للتكرار في مدينة العمارة أيضا. فمن أراد أن يتسول وهو من ساكني العمارة يذهب إلى البصرة ويتسول بها تماما كما قد يفعل البصري في الاتجاه المعاكس. وكان موقف السيارات/گراج العمارة مثل ساحة سعد في البصرة، مكانا مثاليا لهذا النوع من الاقتصاد، بسبب التجمّعات المستمرة للعسكريين بين الالتحاق والإجازة. وفي تلك الساحات كانت الغنيمة متعددة الأشكال تسوّل، بيع شاي، بيع طعام أو حتى استثمار الحضور الأنثوي نفسه. لذلك كانت بعض نساء العمارة يُجلسن إلى جانبهن فتياتهم الأكثر جمالا أو أكثر قدرة على الجذب؛ لأن العسكري الذي أمضى شهرا أو أكثر من دون أن يرى ملمحا مدنيا أو وجها أنثويا مألوفا داخل حرب دائرة مليئة بالرجال، كان يكفي أن تلوح له امرأة جميلة تبيع الشاي حتى يهرول باتجاها يأكل خبزة السياح مع كاسة شاي ويفترس معها وجه امرأة تبدو كأنها عروس لا ينقصها سوى الزفّة وغالبا ما يكون المعرّس هو المشتري نفسه.
الجزء الأول
في البصرة وخلال ثمانينيات القرن الماضي، إذا أراد أحدٌ أن يتسوّل وهو يسكن في خور الزبير أو سفوان وهما من النواحي البعيدة عن مركز المحافظة، فأين يمكنه أن يجد مورده؟ من المؤكد أنه لن يمارس فعل التسوّل في ناحيته الصغيرة، لذلك كان يتجه إلى مركز المدينة، إلى ساحة سعد. وكانت ساحة سعد آنذاك أشبه بمحطة كبرى لسيارات السفر المتجهة إلى بغداد وسائر المحافظات، ولهذا غدت مكانا مناسبا للتسول ولا سيما بين العسكريين العائدين من الجبهات أو المتجهين إليها خلال حرب الثماني أعوام. فالعسكري _أبو خليل_ زبونا دائما لموقف السيارات ويتقاضى راتبا شهريا وهذا ما يجعله هدفا مفضلا للمتسولين وكانت عبارات الاستعطاف تُصاغ بعناية لتناسب حال الجندي ومزاجه من قبيل"الله يرجعك سالم//الله يعطيك//الله يسرحك//الله يزوجك//الله يخليلك حبيبتك".
وكان بعض المتسولين يتكبرون على فكرة التسول في مناطقهم القريبة، خشية أن يراهم أحد معارفهم ويكتشف أمرهم. لذلك كانوا يفضلون الذهاب إلى مناطق أخرى أبعد من مركز المدينة مثل العمارة، ليمارس التسول فيها بعيدا عن أعين الناس الذين يعرفونه. لهذا ارتبط حضور المتسولين في تلك المرحلة بمحطات النقل، لأنها كانت تعج بتجمعات العسكريين، منهم من هو قادم لأجل الإجازة، ومنهم من هو ملتحق بوحدته. وبين هذا الذي يعطي مئة فلس وذاك الذي يمنح ربع دينار، كانت العبارة المناسبة قادرة أحيانا على مضاعفة العطاء. فإذا قال المتسول لشاب ما "الله يخليلك حبيبتك" وكان الشاب حديث الارتباط أو واقعا في هوى طري فقد يندفع إلى منحه دينارا كاملا. وبهذا كان المتسول يستطيع أن يجمع في يومه ما لا يقل عن خمسة وعشرين دينارا وهو مبلغ ليس هينا بمقاييس تلك المرحلة.
كان المتسول يطوف الحي كأنه واحد من خرائطه يعرف ساكنيه فردا فردا ويميز الغريب مِن مَن ولد فيهه، يقرأ الوجوه يلتقط اللهجات ويفهم ملامح الانتماء من طريقة الوقوف والشراء وله فراسة لا تخطئ فهو يعرف من يملك ومن يتظاهر بأنه لا يملك.
أما النساء، فكنّ يشكلن طبقة خاصة من هذا الاقتصاد الهامشي. فبعضهن يكتفين بالتسول نهارا ومَن لا تكتفي تدخل ليلا علاقات عابرة مع أبي خليل، ذلك العسكري الذي كان في زمن الحرب زبونا دائما ومصدر رزق متنقلا. أما النساء اللواتي يحرصن على البقاء داخل حدود الستر الاجتماعي فكن يبتكرن شكلا آخر من الكسب، كأن تأتي إحداهن بموقد كيروسين* چولة وإبريق شاي معدني وعدة كاسات الشاي وحاوية مياه Ro، ذلك الماء الذي كان له امتيازا بصريا في زمن ملوحة شط العرب حتى بدا وكأن البصرة هي أول من منح الماء العذب قيمة تجارية يومية في العراق. ثم تجلس على الأرض وتعرض ما تيسر من شاي وبيض وصمون أو صمونة بداخلها لوبية مسلوقة وشرائح طماطم مع رشة ملح وكاسة الشاي، وتضع كل ذلك إلى جوارها في صينية صغيرة، ليأكل منها الجندي على الأرض بجوارها.
ولم يكن ما يجري في البصرة تسولا استثنائيا، كان سيناريو قابلا للتكرار في مدينة العمارة أيضا. فمن أراد أن يتسول وهو من ساكني العمارة يذهب إلى البصرة ويتسول بها تماما كما قد يفعل البصري في الاتجاه المعاكس. وكان موقف السيارات/گراج العمارة مثل ساحة سعد في البصرة، مكانا مثاليا لهذا النوع من الاقتصاد، بسبب التجمّعات المستمرة للعسكريين بين الالتحاق والإجازة. وفي تلك الساحات كانت الغنيمة متعددة الأشكال تسوّل، بيع شاي، بيع طعام أو حتى استثمار الحضور الأنثوي نفسه. لذلك كانت بعض نساء العمارة يُجلسن إلى جانبهن فتياتهم الأكثر جمالا أو أكثر قدرة على الجذب؛ لأن العسكري الذي أمضى شهرا أو أكثر من دون أن يرى ملمحا مدنيا أو وجها أنثويا مألوفا داخل حرب دائرة مليئة بالرجال، كان يكفي أن تلوح له امرأة جميلة تبيع الشاي حتى يهرول باتجاها يأكل خبزة السياح مع كاسة شاي ويفترس معها وجه امرأة تبدو كأنها عروس لا ينقصها سوى الزفّة وغالبا ما يكون المعرّس هو المشتري نفسه.