د. زياد العوف - زكي مبارك أو انطفاء شُعلة العبقرية*

الدكتور زكي عبد السلام مبارك(١٨٩٢-١٩٥٢م) أديب مرموق وشاعر مطبوع، وباحث مدقِّق وصحفيّ محلِّق. وهو، قبل ذلك وبعده، ناقدٌ مريرٌ حادُّ اللسان شديدُ الخِصام؛ لم يسلمْ من سطوة قلمه ولسانه إلّا القليل من أعلام الأدب والفكر على عهده.
وُلِدَ أديبنا الكبير في إحدى قرى محافظة المنوفية، تُدعى (سنتريس)، وهي قرية آمنة وادعة تُشرف على نهر النيل العظيم،
ونشأ في كنف أسرة ريفية ميسورة الحال لأب محبّ عطوف على صلة وثيقة ببعض الطرق الصوفيّة، فأخذ عنه نزعته الصوفية ومكارم الأخلاق، مع أَنَفَة وإباء شديدَين لم يفلح العلم والثقافة والأسفار في تلطيف ماخالطهما من حِدّة وشدّة وفَرْط اعتداد بالنفس استحال مع الارتقاء في مدارج العلم والمعرفة إلى غرور موصوف يعلن عن نفسه في أكثر من مؤلَّف أو مقال.على أنّ سِحر الريف الآسِر في(سنتريس) قد ألقى بظلاله الرخيّة على أسلوبه الأدبيّ فأضفى عليه سلاسة وعذوبة وطلاوة طبعتْ معظم كتاباته.
تلقّى زكي مبارك علومه الأولية في كتّاب القرية ومدارسها،ثمّ مالبث أنّ شدّ الرحال إلى الأزهر عام(١٩٠٨م)، على عادة معظم طلّاب الريف المصريّ آنذاك، لمتابعة تعليمه الدينيّ هناك، فوجد في نفسه ميلاً إلى اللغة والأدب، فكان أنْ عثر على ضالّته المنشودة في عَلَمَين كبيرين من أساتذة الأزهر في هذا المجال، هما الشيخ سيِّد المرصفيّ والشيخ محمّد المهدي، فلازمهما وأخذ عنهما الأدب واللغة، حيث ترك كلاهما أثراً واضحاً فيما عُرِفَ عنه من قوّة وطلاوة في الأسلوب، وتمكّن من اللغة والتجويد فيها. حصل أديبنا على شهادة الأهلية الأزهرية عام(١٩١٦م). لقد تجلّى نبوغه في الشعر والخطابة والصحافة في وقت مبكِّر؛ إذ شرع ينظم الشعر الوجدانيّ الرقيق، مع ميل واضح إلى موضوعات الغزل والتصوّف. وبدأ بنشر كتاباته في بعض الصحف المصرية بتوقيع( الفتى الأزهري) بلْ لقد عُهِدَ إليه عام(١٩٢١م) برئاسة تحرير صحيفة" الأفكار" الناطقة باسم الحزب الوطنيّ.كما وفَّرتْ الأحداث والوقائع السياسية المضطربة والمتلاحقة في حينه أرضاً خِصبة ساعدتْ على تفتّح وبلورة موهبة الخطابة لديه، حتى غدا واحداً من مشاهير الخطباء إبّان ثورة(١٩١٩م).
لكنّ طموح زكي مبارك دفعه إلى ترسّم خُطا أستاذه، وزميله في التعليم الجامعيّ فيما بعد، الدكتور طه حسين، فجهِد في تعلّم اللغة الفرنسية،في دروس مسائية، حتّى أتقنها بعد عناء شديد أفصح عنه،ثمّ التحق بالجامعة المصرية القديمة فنال منها( شهادة الليسانس) في الآداب والفلسفة عام(١٩٢١م)، ثمّ حاز من الجامعة ذاتها على شهادة الدكتوراه عام(١٩٢٤م) عن رسالته التي حملتْ عنوان" الأخلاق عند الغزاليّ". هذا، وقد شهِدتْ فترة دراسته في الجامعة عدداً من المناوشات الأدبية والفكرية والعلمية مع بعض أساتذتها، وبخاصّة الدكتور طه حسين الذي أضحى بمثابة غريمه الأول، فدخل معه في سجالات مشهودة من طرف واحد تكاد لا تنتهي، لترسم ملامح شخصية زكي مبارك الأدبية والفكرية التي لازمته طوال حياته.
واستمرّت مسيرة الطموح العلميّ عند أديبنا الكبير فقادته إلى جامعة( السوربون) في باريس فعكف على إعداد رسالته الثانية للدكتوراه على نفقته الخاصّة خلال سنواتٍ سبعٍ طِوال أمضاها ما بين مصر وفرنسا، حيث كان يزوّد صحيفة" البلاغ" بمقالاته المتتابعة بما يكفل له الوفاء بمتطلّبات العيش والدّراسة، وهو الزوج والأب المعيل وطالب العلم على السواء.
فكانت اطروحته العلمية" النثر الفنيّ في القرن الرابع الهجريّ" التي فرغ من إعدادها عام(١٩٣١م) شهادة الدكتوراه الثانية ومَبعَث فخره وزهوه على الدّوام.
ثمّ مالبث أنْ حصل على إجازة الدكتوراه الثالثة من جامعة القاهرة الجديدة عام(١٩٣٧م) عن رسالته التي حملت عنوان" التصوّف الإسلامي" وهكذا أصبح يُعرَف بالدكاترة زكي مبارك، على أنّه كان البادئ بإطلاق هذا اللقب على نفسه!
بَيْدَ أنّ كلّ هذه المؤهّلات العلمية الكبرى وما يعزّزها من مؤلّفات وكتابات مهمّة وغزيرة، فضلاً عن الجهود الكبيرة في ميادين التعليم والصحافة والنشاط الثقافي والاجتماعي العام، لم تُتِح للدكتور زكي مبارك، في نظره على الأقلّ، أنْ يتبوّأ المكانة اللائقة به بوصفه أحد كبار العلماء والباحثين والأدباء والأساتذة في عصره.
تُرى ماهو السرّ الكامن وراء هذا الاضطهاد العلميّ والاجتماعيّ والمهنيّ، إذا صحّ التعبير، الذي حاقَ بكاتبنا الكبير؟
أغلبُ الظنّ أنّ غلَبة الحدّة والشدّة والاعتداد بالنفس، وما صاحب ذلك كلّه من عنف وتطرّف وافتقار إلى المداراة والكياسة في النقد الموجّه إلى أعلام الأدب والثقافة في عصره، من أمثال طه حسين وأحمد أمين والزيّات والعقّاد وسلامة موسى وغيرهم من أرباب الفكر والقلم، هو أحد الأسباب الرئيسة الموجبة لذلك.
أمّا السبب المهمّ الآخر وراء حرمان زكي مبارك من الحُظوة والمكانة بين نُظرائه فتعود إلى افتقاره إلى السند والتأييد الحزبيّ والسياسي لأقطاب الحياة العامة في عصره؛ إذ كان أبيّ النّفس، حادّ الطّبع، صريحاً جريئاً كارهاً للتزلّف والمصانعة والرّياء.وهي صفات لا تجد لها سوقاً رائجة عند السّاسة والزعماء وصنّاع القرار.
هذا، وقد سعى الأديب الكبير أحمد حسن الزيّات لإصلاح ذات البَين بين زكي مبارك وخصومه أو منافسيه فاعترض الكاتب الكبير توفيق الحكيم على مارآه من انحراف من صاحب مجلّة" الرسالة" عن جادة الصواب، وقد أورد الكاتب أنور الجندي هذا الواقعة في كتابه:" زكي مبارك، دراسة تحليليّة لحياته وأدبه"** .جاء في الكتاب:
"ولكنّ زكي مبارك ترك "الرسالة" بعد أنْ وقعت بينه وبين الزيّات خلافات
متعدّدة، من بينها خلافه بشأن دعوته للصفاء بين الأدباء وبين توفيق الحكيم الذي هاجم الزيّات بحجّة أنّه حاد عن رسالته في الرسالة، وفي ذلك يقول الزيّات موجّهاً خطابه إلى توفيق الحكيم:
"يقول إنّي حِدتُ قليلاً عن رسالتي في الرسالة. وقليلاً، هنا، معناها زكي مبارك. وزكي مبارك يا توفيق لونٌ من ألوان الأدب المعاصر لا بدّ منه، ولا حيلة فيه. هو الملاكم الأدبيّ في ثقافتنا الحديثة. أمّا عنفه وشِماسه فهو الصّبغ المميّز للونه. ولو شئتَ أنْ تميّز هذا الملاكم المبارك من عنف الهجوم وخشونة المِراس لما بقي منه غير توفيق الحكيم وأسلوب الحكيم وحمار الحكيم." (ص.١٦٤)
عاش أديبنا الكبير حياة غنية حافلة بالكفاح العلميّ والعمليّ؛ إذ كانت الصِحافة منبره الأثير لإعلان رأيه، وبثّ فكره، وانتقاد خصومه ومنافسيه، فكانت مهنته الملازمة لحياته. كما عمل في سلك التعليم مفتّشاً في وزارة المعارف، ورئيساً للقسم العربيّ في الجامعة الأمريكية، وأستاذاً في دار المعلمين العليا في بغداد، ومحاضراً في الجامعة المصرية لسنوات قليلة؛ حيث كان لطه حسين دورّ سلبي في عدم تجديد عقد عمله فيها، فضلاً عن أحاديثه الإذاعية ومحاضراته الثقافية والأدبية في المنتديات الاجتماعية المعنية بالفكر والأدب والثقافة.
أمّا عن الإرث العلميّ والفكري والأدبيّ الذي خلّفه الدكتور زكي مبارك فإنّه يتمثّل في عدد كبير من المؤلّفات الأدبية والعلمية والثقافية ناهزت الأربعين كتاباً، نذكر منها.
-الأخلاق عند الغزاليّ.
-النثر الفنّيّ في القرن الرابع الهحريّ
-التصوّف الإسلاميّ.
-الموازنة بين الشعراء.
- عبقريّة الشريف الرضيّ.
- حبُّ ابن أبي ربيعة وشعره.
-وحي بغداد.
- مدامع العشّاق.
-الأسمار والأحاديث.
-البدائع.
- ديوان" ألحان الخلود" وقد جمع فيه شعره كلّه.
هذا..وقد فَعَل الإجهاد الفكريّ والنفسيّ والجسمانيّ فِعلَهُ عند أديبنا الكبير فخمدَ نشاطه المعرفيّ، وضَعُفَ نتاجه الأدبيّ والفكريّ، واهتزّ توازنه النفسيّ إلى أن وافاه الأجل المحتوم، رحمه الله، عن ستّين عاماً، سنة(١٩٥٢م) كان فيها بحقّ مِلْءَ سمع وبصر معاصريه من الأدباء والمفكّرين والمثقّفين.
أقتطف فيما يلي جزءاً من المقال الذي كتبه الأستاذ محمّد حمدي في مجلّة" النداء" تحت عنوان " ثمن العلم"بتاريخ ٢٩-١-١٩٥٢م، أي قبل أسبوعين من وفاة صديقه زكي مبارك، وقد ذكره الأستاذ أنور الجنديّ في كتابه المذكور آنفاً؛ إذ إنّه يلقي ضوءاً كاشفاً على بعض أسباب انطفاء هذه العبقرية الفذّة.
جاء في المقال:
"..........قال لي وهو يدفع بالكأس في فمه دفعاً، وكان الوقت ظهراً، واليوم من رمضان، والأديب الكبير جالس على قارعة الطريق، في أحد بارات ميدان ابراهيم باشا، والناس علينا متجمّعون، يشهدون المنظر العجيب:
-لماذا تقاوم رغبة صديق وزميل لك في الصحافة والأدب؟
ثِقْ يا أخا الصحافة أنّي لست مجنوناً ولا ملتاث العقل، ولم أفقد ذرّة واحدة من إيماني بالله. وكلّ ما هنالك أنّي ضحيّة لحقيقة علميّة كان من سوء حظّي أنّها بقيت مجهولة حتّى كشفتها أنا.
وصبَّ الكأس التي كانت في يده، في فمه، دفعة واحدة........................
-هل تعرِف يا صديقي أنّ للمخّ وزناً وثقلاً وكثافةً، هل تعرف يا صديقي أنّ نوع التفكير الذي يباشره الفكرُ له علاقة بطول عمر المخّ وبقائه في حالة جيّدة، أو نقصان أهليّته وفساده؟ وهل تعلم يا صديقي أنّ ما يسمّونه القدرة الابتدائية هي أشدّ أنواع التفكير استهلاكاً للمخّ؟
............. ..............................
إنّني الآن أدفع ثمن العلم الذي حصّلته. لقد استهلكتْ انشاءاتي الكميّةَ الوزنيّة للعقل الذي ساعدني على أنْ أجعل من نفسي مجموعة دكاترة، في مختلف الفنون الأدبية.
أجل لقد استهلكتْ دراساتي ومؤلّفاتي ماكان لديّ من ذلك قبل الأوان. وأنا الآن بَرِمٌ ضيّق الصدر لأنّي أريد مواصلة البحث والدّرس، ولكنّي لا أجد عندي قدرة على ذلك.
وماذا يكون الكاتب والمفكّر إذا كفَّ عن الانتاج؟ هل يكون شيئاً أكثر من
(ذُبالة إنسان)، و( عقِب أديب)،و( كعب مفكّر)؟ وهل أرضى تخيّلَ هذه المكانة؟..إذن ليكن لي في الخمر مخبأ وملاذ أقضي فيه ما بقي من ثُمالة العمر دافعاً ثمن العلم الذي حصّلته."( ص.ص٥٨-٥٩)


*-الدكتور زياد العوف، أعلام الأدب العربيّ الحديث-قراءة جديدة- مؤسسة يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ٢٠٢٠م، ص.ص ١٣٥-١٤٢ .
**-أنور الجنديّ، زكي مبارك، دراسة تحليليّة لحياته وأدبه، د.ن، د.ت






تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى