ليال الحربي - نوستالجيا: صمون الجيش

يقال إن الجندي الفرنسي يتذكر خبز الخنادق والجندي الروسي يتذكر خبز الجبهة أما الجندي العراقي وهو أكثر تواضعا في مطالبه من الفلاسفة والقادة معا فلا يتذكر إلا صمون الجيش؛ فالصمون هو اليقين الوحيد في حياة الجندي، قد يتغير القائد وتتبدل الجبهات وتطول الحروب أو تقصر لكن الصمون بحكمته الدائرية يبقى ثابتا في ذاكرة الجندي ولهذا، إذا أراد المؤرخون إنصاف بطون أبطال الحروب الماضية فعليهم أن يقللوا قليلا من تماثيل البرونز وأن يخصصوا في المقابل لحظة صمت جليلة لصمون الجيش.

لم يكن الجندي عبر التاريخ يطلب الكثير سوى قطعة خبز تُسكت عواء معدته وقليلا من الوقت ليأكلها قبل أن تبدأ المدافع عملها المعتاد. ومع أن الحكمة تقول "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، فإن الجندي على خلاف ما يظنه الجنرالات والعوام الذين لم يخدموا يوما في الجيش، هو لا يعيش على الخبز وحده، إنه يعيش أيضا على الذكريات.
ولهذا تبدو ذاكرة الجندي الغذائية أقوى من ذاكرة المعركة فقد ينسى اسم التلة التي قاتل فوقها أو القاطع الذي تمركز فيه أو الذي انسحب منه بعد رحلة استنزاف لكنه نادرا ما ينسى طعم الخبز الذي أكله هناك. ولو ألقينا نظرة خاطفة على طعام جيوش العالم لبدت الحروب وكأنها تُخاض من أجل قطعة خبز لا من أجل المجد. الجندي الروسي يعيش على حساء رقيق تسبح فيه البطاطس والألماني على خبز داكن قاس يكفي لأن يكون ذخيرة إضافية والبريطاني على بسكويت عسكري، أما الأمريكي فله معلبات لا يعرف المرء إن كانت طعاما أم تجربة في حفظ الأطعمة التي لا تؤكل، ومع ذلك يأكل الجميع الشيء نفسه تقريبا خبزا قاسيا، حساء متعبا وقليلا من اللحم يبدو في التقارير العسكرية أكثر مما يظهر في القدر.

قد تختلف الرايات واللغات والطبول العسكرية لكن قائمة الطعام في الحرب متشابهة إلى حد يثير الشفقة فالطعام قليل والخبز حجارة والحساء بارد وله طعم البول أما الشهية فواسعة بقدر الجوع فقط، وإذا كانت جيوش العالم قد وصلت إلى هذه الخلاصة المتواضعة في فلسفة إطعام الجندي فإن جيوشنا الحديثة لم تشأ أن تبقى متأخرة عن الحضارة العسكرية. فقد طورت بدورها فلسفة خاصة للخبز العسكري وهي: صمون الجيش.

في الأزمنة القديمة كانت العدالة تقضي بأن يُبعث إلى الجندي بعير كامل غير أن كرم القادة جميعا جعل الجندي يتلقى ذيله فقط. وهكذا صار الذيل بمرور الزمن شعارا مختصرا للإنصاف الوطني.ثم جاءت ثمانينيات القرن الحادي والعشرين فإذا بالعسكري ينعم بثلاث صمونات يوميا، إنجاز حضاري عظيم. ومع الحصار ازداد هذا الرخاء، فصارت الحصة صمونتين ثم صمونة ونصف، أما سجناء الوحدة العسكرية فكان نصيبهم صمونة ونصف أيضا. وأما فئة الضباط الكرماء فلكل ضابط عشر صمونات مأخوذة من تعيين الجنود؛ لأن قيادة الجيش تحتاج إلى وقود أوفر من الوقوف في الطوابير. وهكذا كلما أخذ من تعيين الجندي صمونة كلما قلّت حصته.

الصمونة نفسها كانت معجزة، عبارة عن عجينة تتخمر صباحا، تُخبز عصرا، تبيت في المذخر ليلا ثم يأتي ضابط التموين والنقل يستلمها صباحا من الأفران المخصصة للجيش وينقلها مكشوفة دون وضعها في صناديق والهواء يعبث بها يمينا ويسارا، حتى تصل إلى الجندي مع الفجر بنكهة العجين البايت. يابسة من الخارج، طرية من الداخل، تؤكل على الفور قبل أن تتحول إلى طابوقة.
الصمونة لا تزيد ولا تترك لليوم التالي، ببساطة لأنها غير مسموح لها أن تبقى ليوم آخر وهذا هي الشهية العسكرية وإن حدث أن بقيت صمونة إلى اليوم التالي فإنها تكسب طعم الحموضة غير أن هذه الزيادة لا تظهر إلا في بهو الضباط، ولهذا كان سجناء الوحدة يخرجون بوساطة وكثير من اللواكة لآمر الحرس لتنظيف البهو على أمل العثور على صمونة بايتة بطعم حامضٍ.

وإن حدث واشتكى الجنود إلى آمر الوحدة فثلاثة أرباع شكواهم إن لم تكن كلُّها تتعلق بأرزاقهم مثلا الرز معجن واللحمُ قليل والصمون شحيح والمرقة خفيفة. حينها يجتمع الآمر بالجنود بحضور القلَم وأبي الإعاشة فتسمع الشكوى الأزلية "أن صمونة ونصف لا تكفي لقوت اليوم كامل"، وهذا حقهم ؛العراقي لا يعد الوجبة وجبة ما لم تتضمن الغلوتين. من دونه يشعر أنه لم يأكل وأن معدته ما زالت تنتظر الحدث الحقيقي. الصمونة والنصف، في اعتقادهم، عقوبة شخصية أكثر منها حصة غذائية. ولحسن الحظ كان آمر الوحدة بدوره من عشاق الغلوتين وهي فضيلة إنسانية نادرة في زمن التقشف، رضخ لشكوى الجنود وأصدر قرارا إداريا حكيما وهو منع الضباط من أخذ صمون الجنود وعيّن للضباط في بهوهم خبازا خاصا بهم؛ كي لا يضطروا إلى منافسة الجنود على صمونهم. وهذا الفعل حدث مرة واحدة في عمر الجيش العراقي
ولم يتكرر بعدها

أما المجيّش فقد وصف الصمونة وصفا علميا دقيقا
صمون الجيش مصنوع من الذرة والشعير والحمص بإشراف التغذية العالمية ولذلك فهو كامل العناصر الغذائية
وبهذه العبقرية الغذائية تفوقت الدولة على الأمم المتحدة في اختراع حجر غذائي يجمع البروتين والألياف والآفات معا. غير أن الحقيقة كما يعرفها كل من عاش التجربة، لا تحتاج إلى أكثر من ساعتين لتنكشف، في الساعتين الأوليين يمكن أكل الصمونة أما بعد ذلك فتتحول تدريجيا إلى ما يشبه الخرسانة المسلحة. في الثمانينيات كانت حجارة سوداء وفي التسعينيات مع سنوات الحصار تطورت التكنولوجيا قليلا وصارت حجارة مع القمل، ومن يقول غير ذلك فالأمر لا يخرج عن ثلاثة احتمالات إما أنه كان فراريا
أو حزبيا أو ضابطا أكل الدهر عليه وشرب.

المتغزلون بها بعد عشرين عاما ممن لا حياة له خارج الاسوار العسكرية، يقسمون أن طعمها لم يتغير قط وأنها كانت لذيذة مع العدس صباحا ومع القصعة ظهرا أو مع رأس بصل ليلا. فارد عليهم شخصيا : هي صمونة! ما علاقتها بالبصل؟ كم يجب أن يكون الإنسان بائسا حتى يخلصها بصلا وصمونا ثم يروي ذلك كذكرى سعيدة!

ويبلغ الحنين درجة التمني، مثلا لو كانت هناك أفران خاصة تعيد خبز تلك الصمونات كما كانت، لعلها تعيد إلى أفواههم نكهة الحموضة القديمة ونكهة الجوع أيضا.

صمون الأبطال الشرفاء في نظر المجيّش لا يُؤكل على حاله لكن يمكن تقطيعه حلقات وقليه في الزيت ثم غمره بالسكر فيغدو على نحو يدعو إلى الدهشة ألذَّ من الكعك ومع الشاي وهو يقطر دهنا على الملابس ويُحتسى على عجل في ظهيرة آب اللاهبة، يصبح في نظر آكليه أشهى من الحلوى الشرقية.

أما الذين يحلمون اليوم باستبدال الصمون العادي بصمون الجيش، فليتفضلوا أولا بالإجابة عن سؤال بسيط،
أين كنتم تداومون آنذاك؟ في جهاز الأمن الخاص مثلا؟ نعم، هناك كان يوجد صمون آخر، صمونٌ من الطحين الأصفر يُخبز في أفران خاصة ويخرج لذيذا كالخبز الإفرنجي أما بقية الجيش فكان نصيبهم نوع مختلف تماما من الحضارة الغذائية، عبارة عن حجارة سوداء، ثلاثة أرباعها شعير والربع الباقي خليط كريم من الذرة والقمح وربما بعض الكائنات الصغيرة التي لم تُذكر في دفاتر التموين وأهمها القمل.
ولو نقعت تلك الصمونة في الماء وقدمتها علفا لحيوان، فالأرجح أنه سيقف متأملا إياها طويلا قبل أن يقرر إن كان الجوع يستحق هذه المغامرة.أما إذا تناولتها مع شاي بالحليب، فهناك نتيجة شبه مضمونة 'يصعد الجالي مباشرة'.


التوزيع عادل جدا، الأمن الخاص طحين صفر، الحرس الجمهوري طحين عادي، الجيش النظامي طحين أسمر مع نخالة وجص ونشارة خشب وقمل دقيق وهذه هي العدالة العسكرية

في زمن الحصار، صارت الصمونة كنزا في جيب أبي خليل
ترافقه إلى الأشغال العامة وإلى الجبهة وحتى إلى الإجازة
كانت النظرات تترصد الصمون أكثر مما يفعل النمل. أما ضابط التموين والنقل فخياله أرحب من بطون الجنود، يمد يده إلى حصص السرايا كلها. ثم يبدأ التقاسم،
جزء يذهب إلى ضابط آخر وفتات إلى أبو الإعاشة ثم إلى رئيس عرفاء سرية ثم إلى عريف الرعيل وما أن تنتهي سلسلة الاستحقاقات حتى لا يبقى للجندي غير ما وعدته الدولة منذ زمن الدولة القديمة (ذيل البعير).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى