ليال الحربي - مشنقة في يدّ مرسال...

في إجازته القصيرة، وعلى الشارع العام، وقفت امرأة من ذلك النوع الذي إذا مرّ به جندي شدّ شواربه وفكّر بعضوه قبل عقله، خصوصا إذا رآها ترتدي عباءة سوداء ونعال "أبو الإصبع".كانت تطالعه كأنها خلاص مؤقت من رائحة العرق والغبار
هو نائب ضابط طبابة، يخدم في وحدة عسكرية قرب إحدى قرى الخالص. يرتدي بدلة رومانية وبيرية فرنسية، ويؤمن أن الباراسيتامول علاج لكل داء. يشتكي من غدر أبناء جنسه، ويعلن على الملأ قبل نفسه أنه بغدادي، رغم أنه لم يولد فيها. لكن لهجته وعبارته المكرّرة في نهاية أي حديث: "ها يابا؟" كانت تمنحه صبغة بغدادية خالصة.
هي معلمة روضة، عشرينية، إعرابية الملامح، غير متزوجة، تسكن القرية. كل صباح، وهي تعبر الشارع نحو المدرسة، تلمح جنديا مغبرا بتراب الميدان، يثير فيها مزيجا من الشفقة والحاجة. ففي زمنها، كان الجندي خلاصا مؤقّتًا لفتاة تبحث عن ذكرى تُطفئ وحدتها، وهو بدوره رجل حياته المدنية مرهونة بالإجازة
تقرّبا. وحين نامت بين ذراعيه ثلاث أو أربع مرّات، ظنّت أن الجسدَ إذا تكرّر صار عهدا، وأن النوم إلى جوار رجل يُقاس بعدد الليالي لا بنوعها، فمدّت أمامه سيناريو الزواج كما لو كان امتدادا طبيعيا للفراش. لكنه، بابتسامة تزن أكثر من سكين، قال:
"أنا أتزوج عاهرة؟!"
وليردّها إلى حجمها في مخيّلته، بحث عن من يوصل رسالته. سأل عن جندي من أبناء القرية يخدم في نفس الوحدة العسكرية، فوجد واحدًا، وأرسله كمرسال:
"اجعل فلانة تكفّ عني."
وقف المرسال عند بابها. كانت سلوى أحلى من الندى، وأرقّ من جناح عصفور، وأشهى من بقلاوة خارجة لتوّها من الفرن؛ من تلك النساء اللواتي يسكنّ ذاكرة الرجل ولو مضت أربعون سنة على اللقاء. قال:
"إنتِ سلوى؟"
أجابته بشيء من الريبة، كخسوفٍ يزور القمر في ذروة اكتماله، لا ليحجبه تماما، بل ليذكّره أن كماله لحظة عابرة. صار البدر أكثر غموضا لا أكثر ضياء. ثم قالت بهمسٍ قصير، وكأنها تخشى أن يفضحها صوتها:
«نعم.»
نقل إليها المرسال نصّ الرسالة، وأخبرها أنه من أبناء القرية.
تقلّب إحساسها بين خفة العالم من حولها وثقل ما حملته. صارت حياتها بيد رجل من أبناء قريتها، رجل بيده سلطة نشر الخبر أو دفنه، شد الحبل أو إرخائه، حامل حبل مشنقتها
قال وهو يضع سبابته على فمه:
"شِش… موضوعك يبقى بيني وبينك. من هذه اللحظة، يموت الخبر. اطمئني."
مرت أيام، سأل نائب الضابط الطبابة جنديّه المرسال:
"ها يابا… هل استغليتَ الموضوع وضاجعتها؟"
كشر الجندي شفتيه في تكشيرة يابسة، ثم قال بصوت حاد:
"لا."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى