الترابُ يضطرب، ويزفر ببطءٍ تحت أقدامنا. غضضنا أبصارنا عن بعضنا، ووهبنا السمع كلّه للجهة التي نبتعد عنها؛
للأرض التي كانت على وشك النطق. رنّ صوتُ صبِّ الشاي في الأكواب غريبًا، مبتورًا، ومنفصلًا عن لحظتنا.
قال خليل أخيرًا:
— الغريب… رغم كل هذه السنين، ما زلنا نتحدّث عن الأشياء نفسها.
ردّ عماد، وعيناه غارقتان في الفراغ:
— بقيت الأشياء عالقة في حلوقنا، صمتت ولم ترحل.
تنهد سامر:
— ثمّة قصص تعيش فينا بغير رواية.
حينها، أحسستُ بالدور يطرق صدري. حدّقتُ في الأرض، حيث واريتُ يومًا سرًّا رفض الانطمار.
قلتُ ببطء:
— ثمّة أمرٌ من عام الواحد والتسعين، بقي ناقصًا في صدري.
سكن كل شيء، وفُتحت ثغرة في ذاكرتنا الجماعية لا تُوصَد.
— في طريق العودة من الكويت، كنّا نحمل أثقالنا صامتين. في يومٍ ما، هوت طائرة على مقربةٍ منّا. لم تكن نيرانَ عدو، بل خذلانًا ميكانيكيًا مفاجئًا. انطفأت في الجو، وهبطت جثةً من حديد.
توقفتُ ألتقط أنفاسي.
— جمعنا بقايا متناثرة، شظايا مبهمة، وأشياء لا ملامح لها. بعد ساعات، صدر الأمر: جهّزوا تابوت الشهيد، وأوصلوه إلى أهله في بغداد. كان التابوت موصدًا بمسامير السلطة، وممنوعًا من الفتح تحت طائلة الحساب.
سأل خليل:
— عبرتم به الحدود دون أن تلمحوا ما فيه؟
— حتى الضابط كان ينفّذ الأوامر بارتيابٍ مكتوم.
سأل عماد:
— وهل استقبلوه؟
— نعم… بيتٌ بسيط ببابٍ مشرّع للوجع. الأم وقفت هناك، جفّت دموعها، واستقرّت في عينيها تساؤلاتٌ تذبح.
سكتُّ قليلًا، أستعيد المشهد.
— سلّمنا التابوت. صرخ الأب بوجعٍ زلزل المكان: "أريد رؤيته!"، والضابط يحاول المنع بكلماتٍ باردة. أمّا الأم، فكانت تراقب الصندوق بنظرة تخترق الخشب.
قال سامر:
— فُتح في النهاية؟
— عند الغروب، في المقبرة. قبل أن يلامس الصندوق قاع القبر، قرّر الأب أن الوداع لا يكتمل بالخشب. نزع المسامير بقلبه قبل يديه.
رفع خليل رأسه مترقّبًا:
— وماذا وجدتم؟
نظرتُ إليهم، والحرقة ذاتها تعود:
— كان الفراغُ سيّد المكان. في وسط التابوت، تمدّد كيسُ إسمنتٍ وحيد، محكم الإغلاق بصورةٍ وحشية.
وضع عماد يده على جبينه بذهول، فأكملت بصوتٍ خفيض:
— همست الأم بمرارة: "هذا ليس ابني… رائحته ليست هنا". جلس الأب على الأرض، يلمس الخشونة الباردة للكيس، يفتّش فيه عن ملامح وجه، عن كفٍّ، عن أي أثر للحياة. شقّ طرف الكيس، فتصاعد غبارٌ أبيض غطّى الوجوه.
ساد الصمت، وسأل سامر بضياع:
— أين ذهب صاحب التابوت إذن؟
— الحقيقةُ تفحّمت هناك، في قمرة الطائرة التي صارت رمادًا قبل أن تصل إلى الأرض. سقط مع رفيقه الطيّار في لُجّة النار، وما وصل إلى الأهل كان مجرّد "ثقلٍ" يسدّ خانة الرحيل. أهلٌ استلموا كذبةً صلبة داخل تابوت.
قال خليل:
— وماذا فعلوا بالإسمنت؟
— دفنوه. كان هو الغياب الوحيد المتاح أمامهم. لكن الأم ظلّت تربط رجاءها بخيطٍ لا ينقطع. كلما زارت المقبرة، خاطبت التراب بيقين: "إن كنتَ بعيدًا، فليعدك الله إليّ".
مرّت السنون، وظلّ طرْقُ الباب يثير في البيت رجفةً قديمة.
نظرتُ إلى الأرض مجددًا، حيث رقد ذلك الرفيق محترقًا في سماءٍ بعيدة، بينما يحرص الإسمنت هنا على تثبيت الحكاية في مكانها، شاهدًا أخرس على حقيقةٍ صلبة، رُمِّمت بالكذب لتعيش إلى الأبد تحت التراب.
للأرض التي كانت على وشك النطق. رنّ صوتُ صبِّ الشاي في الأكواب غريبًا، مبتورًا، ومنفصلًا عن لحظتنا.
قال خليل أخيرًا:
— الغريب… رغم كل هذه السنين، ما زلنا نتحدّث عن الأشياء نفسها.
ردّ عماد، وعيناه غارقتان في الفراغ:
— بقيت الأشياء عالقة في حلوقنا، صمتت ولم ترحل.
تنهد سامر:
— ثمّة قصص تعيش فينا بغير رواية.
حينها، أحسستُ بالدور يطرق صدري. حدّقتُ في الأرض، حيث واريتُ يومًا سرًّا رفض الانطمار.
قلتُ ببطء:
— ثمّة أمرٌ من عام الواحد والتسعين، بقي ناقصًا في صدري.
سكن كل شيء، وفُتحت ثغرة في ذاكرتنا الجماعية لا تُوصَد.
— في طريق العودة من الكويت، كنّا نحمل أثقالنا صامتين. في يومٍ ما، هوت طائرة على مقربةٍ منّا. لم تكن نيرانَ عدو، بل خذلانًا ميكانيكيًا مفاجئًا. انطفأت في الجو، وهبطت جثةً من حديد.
توقفتُ ألتقط أنفاسي.
— جمعنا بقايا متناثرة، شظايا مبهمة، وأشياء لا ملامح لها. بعد ساعات، صدر الأمر: جهّزوا تابوت الشهيد، وأوصلوه إلى أهله في بغداد. كان التابوت موصدًا بمسامير السلطة، وممنوعًا من الفتح تحت طائلة الحساب.
سأل خليل:
— عبرتم به الحدود دون أن تلمحوا ما فيه؟
— حتى الضابط كان ينفّذ الأوامر بارتيابٍ مكتوم.
سأل عماد:
— وهل استقبلوه؟
— نعم… بيتٌ بسيط ببابٍ مشرّع للوجع. الأم وقفت هناك، جفّت دموعها، واستقرّت في عينيها تساؤلاتٌ تذبح.
سكتُّ قليلًا، أستعيد المشهد.
— سلّمنا التابوت. صرخ الأب بوجعٍ زلزل المكان: "أريد رؤيته!"، والضابط يحاول المنع بكلماتٍ باردة. أمّا الأم، فكانت تراقب الصندوق بنظرة تخترق الخشب.
قال سامر:
— فُتح في النهاية؟
— عند الغروب، في المقبرة. قبل أن يلامس الصندوق قاع القبر، قرّر الأب أن الوداع لا يكتمل بالخشب. نزع المسامير بقلبه قبل يديه.
رفع خليل رأسه مترقّبًا:
— وماذا وجدتم؟
نظرتُ إليهم، والحرقة ذاتها تعود:
— كان الفراغُ سيّد المكان. في وسط التابوت، تمدّد كيسُ إسمنتٍ وحيد، محكم الإغلاق بصورةٍ وحشية.
وضع عماد يده على جبينه بذهول، فأكملت بصوتٍ خفيض:
— همست الأم بمرارة: "هذا ليس ابني… رائحته ليست هنا". جلس الأب على الأرض، يلمس الخشونة الباردة للكيس، يفتّش فيه عن ملامح وجه، عن كفٍّ، عن أي أثر للحياة. شقّ طرف الكيس، فتصاعد غبارٌ أبيض غطّى الوجوه.
ساد الصمت، وسأل سامر بضياع:
— أين ذهب صاحب التابوت إذن؟
— الحقيقةُ تفحّمت هناك، في قمرة الطائرة التي صارت رمادًا قبل أن تصل إلى الأرض. سقط مع رفيقه الطيّار في لُجّة النار، وما وصل إلى الأهل كان مجرّد "ثقلٍ" يسدّ خانة الرحيل. أهلٌ استلموا كذبةً صلبة داخل تابوت.
قال خليل:
— وماذا فعلوا بالإسمنت؟
— دفنوه. كان هو الغياب الوحيد المتاح أمامهم. لكن الأم ظلّت تربط رجاءها بخيطٍ لا ينقطع. كلما زارت المقبرة، خاطبت التراب بيقين: "إن كنتَ بعيدًا، فليعدك الله إليّ".
مرّت السنون، وظلّ طرْقُ الباب يثير في البيت رجفةً قديمة.
نظرتُ إلى الأرض مجددًا، حيث رقد ذلك الرفيق محترقًا في سماءٍ بعيدة، بينما يحرص الإسمنت هنا على تثبيت الحكاية في مكانها، شاهدًا أخرس على حقيقةٍ صلبة، رُمِّمت بالكذب لتعيش إلى الأبد تحت التراب.