اللسان الأخير

اليوم حدث شيء غريب!!
تلقّينا جميعًا رسالة جماعية بلا اسم: سنلتقي عند النقطة التي لا يسبقها تعريف.
لم نفهم الجملة.
تملكتنا الحيرة والدهشة، تساءلنا: ماذا يعني هذا؟

لم يجب أحد، لكننا ذهبنا.

كل واحد كان يظن أن الآخر سيأتي بنية مختلفة، وأن سوء الفهم تفصيل يمكن تجاوزه.

المكان لم يكن ساحة ولا شارعًا ولا مبنى معروفًا، بل منطقة نائية يكثر بها نباح الكلاب. مدينة مهجورة تقريبًا، طيور سوداء وكلاب ضالة بأحجام غير طبيعية.

شعرت بالخوف، كادت قدماي تتراجعان…

وقفنا. سبعة. لا تحية، لا كلام، لا مصافحة. كأننا نواجه شيئًا كنا نؤجله طوال العمر.

ثم ضحك أحدنا ضحكة قصيرة وأخرج لسانه، لم يكن سخرية بل كان إشارة، وفي لحظة واحدة فهمها الجميع.

تحول الوقوف إلى حركة جماعية، كل واحد أخرج لسانه للآخر، لا اتفاق ومع ذلك حدث الإجماع، كأن التحية نفسها كانت كذبة قديمة، وكأن الابتسامة مجرد قناع متآكل.

ثم جاء “الثامن”. لم يخرج لسانه، وقف يراقبنا فقط وقال بهدوء: من بدأ هذا؟
لم يجب أحد.
اقترب خطوة: ماذا تبغون؟

اثنان خفضا ألسنتهما فجأة، ثلاثة زادوا التحدي، والباقون لم يعودوا متأكدين لماذا بدأوا.
قال: حسنًا…
ثم أشار خلفنا.

ظهر جدار أبيض وعليه مرآة، لكنها لم تعكس الوجوه بل كانت تعكس الألسنة فقط.

رأينا أنفسنا بلا ملامح، مجرد ألسنة تتحرك في فراغ. تراجع أحدنا وقال: هل هذا لساني أم لسانك؟

لكن السؤال لم يجد إجابة.

ثم حدثت المفاجأة، لم نعد نحن من يخرج اللسان، اللسان صار هو الذي يخرج بنا.

تكلم الثامن لكن بلا صوت، قال: أخيرًا توقفتم عن التمثيل.

تجمدنا.

ثم بدأت الألسنة تتكلم واحدًا بعد الآخر:
أنا ما لم يُقل.
أنا الكذب الذي نجا.
أنا الحقيقة التي دُفنت.

لم نعد نملك الجمل، الجمل أصبحت تملكنا، لم نعد طرفًا، صرنا داخل أفواهنا.
الجسد لم يعد مركز القرار، اللسان صار الدولة.
وفي تلك اللحظة كنا مجرد أصوات تبحث عن صاحبها.
ثم سقط الصمت.
ومنذ ذلك اليوم، كلما اقترب اثنان من بعضهما لا يلتقيان، بل تلتقي ألسنتهما أولًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى