في أحد القرى كان هناك دكان صغير لا يلفت الأنظار من حيث شكله، لكنه كان أكثر الأماكن ازدحاما بالوجوه المبتسمة. لم يكن الناس يقصدونه لرخص بضاعته ولا لكثرة ما يعرضه من السلع، بل كانوا يأتون من أجل صاحبه العم ناصر
كان رجلا بسيطًا تجاوز الستين من عمره، يستقبل كل داخل بابتسامة صادقة ويسأل عن أحوال الجميع كأنهم أفراد أسرته. إذا دخل طفلٌ من دون مال، ناوله قطعة حلوى وهو يقول: حين تكبر ادفعها بابتسامتك. وإذا رأى شيخا أثقله التعب، أسرع يحمل عنه حاجاته حتى باب منزله. أما الفقراء، فكان يكتب ديونهم في دفتر قديم، ثم يمزق بعض صفحاته آخر كل شهر دون أن يعلم أحد
كبر الدكان، لا بالبضائع، بل بالمحبة التي ملأت أركانه حتى إن المارة كانوا يبطئون خطواتهم أمامه ليلقوا السلام على الرجل الذي جعل من المكان بيتا للجميع
وفي صباح شتوي هادئ، بقي باب الدكان مغلقًا على غير عادته
انتظر الناس ساعة وساعتين ثم انتشر الخبر الذي لم يكن أحد مستعدا لسماعه لقد رحل العم ناصر في ليلته الأخيرة بهدوء كما عاش
شيعت القرية جنازته، ولم يكن المشهد عاديا. رجال ونساء، شيوخ وأطفال، جميعهم كانوا يبكون، لا لأن رجلا مات فحسب، بل لأن جزءا من حياتهم غاب معه.
وبعد أيام، فتح أبناؤه الدكان من جديد. جددوا الواجهة وأدخلوا أجهزة حديثة وامتلأت الرفوف بأجود البضائع. صار المكان أجمل مما كان، لكنه أصبح أكثر برودة
لم يعد أحد يتوقف ليتحدث طويلًا، ولم يعد الأطفال يركضون نحوه، ولم يعد كبار السن يجلسون أمامه ليستريحوا. صار الناس يشترون ما يحتاجون ثم يغادرون بسرعة، وكأن شيئًا خفيا قد انطفأ
وقف أحد الجيران يوما أمام الدكان، وتنهد قائلا:
لم يتغير المكان الذي تغير هو القلب الذي كان يسكنه
حينها فهم الجميع أن الجمال الحقيقي لم يكن في الدكان ولا في رفوفه، ولا في ألوانه بل في الإنسان الذي منح المكان روحه. فلما غاب صاحبه، اندثر ذلك الجمال وبقي البناء قائما بلا حياة
وهكذا هي الحياة
قد نعتقد أن الأشخاص مجرد عابرين في أيامنا، لكننا لا ندرك أنهم كانوا الضوء الذي يجعل كل شيء يبدو أجمل حتى إذا غابوا، اكتشفنا أن الوحدة ليست أن نبقى وحدنا بل أن تبقى الأماكن من حولنا كما هي، بينما تغيب عنها الأرواح التي كانت تمنحها الحياة!!
من المؤلف :
هذه القصة تذكرنا بأن بعض الناس لا يتركون خلفهم فراغا في البيوت فقط بل يتركون فراغا في القلوب وأن أجمل ما في الأماكن ليس جدرانها بل أولئك الذين كانوا يملؤونها دفئا ومحبة !!
كان رجلا بسيطًا تجاوز الستين من عمره، يستقبل كل داخل بابتسامة صادقة ويسأل عن أحوال الجميع كأنهم أفراد أسرته. إذا دخل طفلٌ من دون مال، ناوله قطعة حلوى وهو يقول: حين تكبر ادفعها بابتسامتك. وإذا رأى شيخا أثقله التعب، أسرع يحمل عنه حاجاته حتى باب منزله. أما الفقراء، فكان يكتب ديونهم في دفتر قديم، ثم يمزق بعض صفحاته آخر كل شهر دون أن يعلم أحد
كبر الدكان، لا بالبضائع، بل بالمحبة التي ملأت أركانه حتى إن المارة كانوا يبطئون خطواتهم أمامه ليلقوا السلام على الرجل الذي جعل من المكان بيتا للجميع
وفي صباح شتوي هادئ، بقي باب الدكان مغلقًا على غير عادته
انتظر الناس ساعة وساعتين ثم انتشر الخبر الذي لم يكن أحد مستعدا لسماعه لقد رحل العم ناصر في ليلته الأخيرة بهدوء كما عاش
شيعت القرية جنازته، ولم يكن المشهد عاديا. رجال ونساء، شيوخ وأطفال، جميعهم كانوا يبكون، لا لأن رجلا مات فحسب، بل لأن جزءا من حياتهم غاب معه.
وبعد أيام، فتح أبناؤه الدكان من جديد. جددوا الواجهة وأدخلوا أجهزة حديثة وامتلأت الرفوف بأجود البضائع. صار المكان أجمل مما كان، لكنه أصبح أكثر برودة
لم يعد أحد يتوقف ليتحدث طويلًا، ولم يعد الأطفال يركضون نحوه، ولم يعد كبار السن يجلسون أمامه ليستريحوا. صار الناس يشترون ما يحتاجون ثم يغادرون بسرعة، وكأن شيئًا خفيا قد انطفأ
وقف أحد الجيران يوما أمام الدكان، وتنهد قائلا:
لم يتغير المكان الذي تغير هو القلب الذي كان يسكنه
حينها فهم الجميع أن الجمال الحقيقي لم يكن في الدكان ولا في رفوفه، ولا في ألوانه بل في الإنسان الذي منح المكان روحه. فلما غاب صاحبه، اندثر ذلك الجمال وبقي البناء قائما بلا حياة
وهكذا هي الحياة
قد نعتقد أن الأشخاص مجرد عابرين في أيامنا، لكننا لا ندرك أنهم كانوا الضوء الذي يجعل كل شيء يبدو أجمل حتى إذا غابوا، اكتشفنا أن الوحدة ليست أن نبقى وحدنا بل أن تبقى الأماكن من حولنا كما هي، بينما تغيب عنها الأرواح التي كانت تمنحها الحياة!!
من المؤلف :
هذه القصة تذكرنا بأن بعض الناس لا يتركون خلفهم فراغا في البيوت فقط بل يتركون فراغا في القلوب وأن أجمل ما في الأماكن ليس جدرانها بل أولئك الذين كانوا يملؤونها دفئا ومحبة !!