"خراريف" على شاطيء قرية الدير

"خراريف" على شاطيء قرية الدير

المنامة – جعفر الديري:

هذه خرافات شعبية، سمعتها من ألسنة كبار السن في قرية الدير بمملكة البحرين، وأعدت كتابتها بأسلوبي الأدبي. خرافات ارتبطت في أذهان الناس منذ عقود طويلة، بالمخلوقات الخرافية، أو الأساطير. أتمنى أن تثير شهية الباحثين في علم الفلكلور، أو المأثورات الشعبية، فيخضعونها لدراساتهم. وقد استخدمت كلمة "خراريف" مع انها ليست صحيحة لغويا، لأني وجدتها الأقرب الى الروح الشعبي.

ضوءٌ من بعيد

قال الشيخ الهرم: "منذ نحو ستين عاماً كنت بحَّاراً شديد المراس، أخرج بعد منتصف الليل ليس معي سوى أدوات الصيد والقارب الذي يحملني على أمواج البحر. وذات يوم وعلى رغم نصيحة بعض البحَّارة الذين رفضوا الخروج إلى البحر، ذهبت وما ان توسّطت "حظرة السمك" حتى شاهدت ضوءًا من بعيد، ولم يمر وقت طويل حتى ملأ جوانب المكان، وشعرت به يقترب مني، لكنني لم أستطع تبينه، ولم أعلم ماذا حدث بعد ذلك، فقد انتبهت على أشعَّة الشمس وهي تلفح وجهي.
نقلت هذه القصة إلى شيخ آخر فقال: لقد كنت ممّن حذروا الرجل ليلتها من الخروج إلى البحر، لكن يبدو أن عمراً جديدا قد كتب له، فقد شاهدنا من قبل وبسبب من هذا الكائن المخفي، من يموت، ومن يصاب بالجنون.
وهل شاهدت هذا الكائن من قبل؟ سألت شيخاً ثالثاً فقال وقد دبَّ الخوف إلى قلبه: يا ولدي إن من يقول لك إن البحارة في ذلك الزمان لم يكونوا يرون تلك الأشياء يكذبك، فقد عشنا أياماً صعبة ولولا إيماننا بالله لما خرجنا إلى البحر الذي هو رزقنا ورزق أبنائنا، ولو كنا نعلم حقيقة ما كنا نشاهده لاستطعنا القضاء عليه، لكن لم نكن تتبين له شكلاً واضحاً.

جنيَّة العَين

كان الظلام مخيّماً على تلك الناحية، إلا بقايا نور ينعكس من القمر على مياه العين الباردة، وكان البحَّارة حين خروجهم من البحر، يستحمُّون في مياهها وهم في طريقهم إلى بيوتهم، وكان الرجل خارجاً للتو من البحر، تتراءى له العين فتنداح بسمة على وجهه المتعب.
اقترب الرجل من العين، فلمح طيف امرأة فيها. بدت الدهشة على وجهه، فوجود امرأة لوحدها في العين وفي هذا الوقت المتأخر من الليل، أمر عجيب. آثر السكون والإنزواء بعيداً، لكنه استغرب من قضائها وقتا طويلا في المياه، ولم يطق صبراً فناداها فلم تجب، وانتظر خمس دقائق أخرى ورفع صوته فلم تجب، عندها قال لها بغضب: "يا بنت الناس، هل أنتظر حتى شروق الصباح؟! أخرجي من الماء فقد طال بي الوقت".
عندها توقفت حركة المياه، فظنّ أنها خرجت من الماء، لكنه حين اقترب بحذر، لمح جسما كبيرا يملأ المكان وعينان مثل الجمر تنظران إليه، لكنه اختفى مثل لمح بالبصر.

قدمٌ في عرض البحر

مع هبَّات النسيم الندي، خرجت امرأة تنفّس عن نفسها برؤية شاطيء البحر. كان منظره بديعاً وقوافل الأمواج تبتعد عنه لتعود فرتمي عليه. وكان هواء البحر يتسرب إلى الأنفس فيشحنها سعادة، والأحجار الجاثمة أمام الشاطئ لها لون مختلف، والقوارب الصغيرة تتمايل مثل طفل أهداه أبواه لعبة جديدة.
كان كل شيء يوحي بالحياة، وكانت عين المرأة تنساب في كل ركن متأملة هذه الصورة البديعة، حين وقعت على شيء يتحرّك بالقرب من أحد القوارب، وكان الموج يدفعه إلى الأعلى ليعود فيغطيه بالماء.
توجست المرأة خيفة وتساءلت: هل تكون هذه قدم رجل غارق في البحر؟ اقتربت قليلاً فتبيّن لها ما خافت منه. كانت هناك قدم تطفو على سطح البحر، وباقي جسده تغطيه الأمواج. اندفعت المرأة الطيبة لتخبر الناس. هبّ الناس لنجدة الرجل، لكن قدم الرجل اختفت، وسمعوا بلا عن ذلك صوت ضحك يجلجل في السماء.

نشر في صحيفة الوطن البحرينية: العدد (806) الأحد 24 فبراير 2008.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى