حيدر عاشور

طريق الجِريّة حيدر عاشور يغفو طريق (الجِريّة)* ويستيقظ على ضفاف الفرات؛ كما يروي أهالي كربلاء، حيث تتلألأ بيوته الطينية الدافئة وكأنها ولدت من رحم النهر. وتحت ظلال بساتين النخيل المعمرة، التي تناقلت الأجيال خضرتها أمانةً عبر الزمن، كان يقطن الشيخ (أبو عدنان) الكظماوي. لم يكن الكظماوي مجرد رجلٍ...
وشاية من طفل حيدرعاشور جلس الجدُّ أمام مكتبته العامرة، تلك التي تضم بين رفوفها أمهات الكتب؛ من رواياتٍ عالمية، وفلسفاتٍ عميقة، ومجلداتٍ في الدين، والحرية، والاشتراكية، والشيوعية. كانت هذه الجدران المحشوة بالورق عاصمته الخاصة، ومصدر أمنه الثقافي والفكري. ومن نافذته القريبة، راح يراقب غروب الشمس...
جائزة العلماء.. ليلة في السرداب حيدر عاشور ستون عاماً لم يعرف الفجرُ بالنسبة إليه طقساً سوى أن يفتح عينيه على ضوء كربلاء، ويشدّ حزام العمر على مئزره، ليحطّ رحاله كل صباح عند باب القبلة لمرقد الإمام الحسين عليه السلام. ستون سنة والشمس ترتفع وتتدلى، وهو ثابت في مكانه كأنه نخلة عريقة راسخة في...
قصة قصيرة سعادة متأخرة حيدر عاشور لم تكن طفلةً شقية، ولم تشبه الأطفال في هوس التخريب، واصطناع المشاغبات، والحيل على كبار السن. بل علّمها الفقد المبكر لوالدها الانكفاء على ذاتها؛ فلم ترَ من الدنيا سوى وجهها القبيح الممتلئ بالحرمان، ولم تعرف في الحياة غير الوحدة والدموع. كانت تشعر بأنها منبوذة...
قصة قصيرة الجهل المركب حيدر عاشور كان ناجحٌ يرمق العالم من خلف زجاج سيارته الفارهة؛ ذلك الزجاج الداكن الذي يحجب عنه حقائق الحياة كما هي. كان يخال نفسه متربعاً على عرش الوجود، ويظنّ أنه الأول في مضامير الحياة كافة، أو هكذا صوّر له وهمه. لم يكن ثمة باب يستعصي على سطوته، ولا رغبة تعجز عن...
قصة قصيرة وجرحٌ يرفض أن يندمل حيدر عاشور في أزقةِ الذاكرة المنسية، وخلف واجهات البيوت التي شوّهت الحرب ملامحها، تعيش سميرة حياةً تشبه الوقوف الأبدي على حدّ خنجر. امرأةٌ يلتهمها الحريق من الداخل، ويسكن دمها شعورٌ بالخيانة لا ينطفئ، وعطشٌ جارف لشيءٍ لا تجده إلا في دوامة عقلها المنهك. خالجتها...
حيدر عاشور لم يكن صادقٌ مجردَ قصابٍ عاديٍّ في الحي، بل كان فنانًا في الخداع. كان يملك لسانًا ينطق بالقسم الغليظ أسرع من حركة ساطوره: «والله العظيم، لحمُ بقرٍ بلديٍّ يذوب في الفم!». هكذا كان يصرخ بزبائنه وهو يبيعهم لحمَ الحميرِ المفرومَ بعناية، بعد أن يخلطه بنسبة ذكية من ليَّةِ الخروف الدسمة...
حيدر عاشور اعتاد عَليٌّ أن يزن صِلاته بالبشر بميزان صائغٍ حذر. يغزل للجميع أدباً جماً، ويقف من العالم على مسافة أمانٍ دقيقة؛ مسافةً تصون سلامته الداخلية وتفرض مهابته على الآخرين. تلك كانت نبتة تربيته الأولى، وعقيدته التي رعتها الأيام، فترسخت في نفسه فضيلة التسامي عن هفوات الأقربين وعابري...
العمة الحنونة حيدرعاشور لم تكن عمتي مجرد عابرة في شجرة العائلة، بل كانت شمس طفولتنا ونورها المتدفق. كنا نرقب خطوها بلهفة الطيور، ونلتف حولها وهي تنثر من كفها الطاهرة دراهم معدودة، كانت في عيوننا الصغيرة ثروة تشتري العالم بأسره. نركض بها في الأزقة وكأننا نملك الأرض، لنقايضها بسكاكر غزلناها من...
حيدر عاشور صوتُ أمِّها أجملُ أرثٍ بقي لها يُحيط بها كالهواء. بقيت وحدها تصارع الحياة، بلا جرأة ولا خبرة، بعد أنْ غادرت أمُّها إلى مليكها المقتدر. البطولةُ الجميلةُ التي قدّمتها، قد تكون ساذجةً، لكنّها تشعر أنّها حققت رسالةً ستفتخر بها عند من لا يضيع عنده عمل عامل. فكيف إذا كانت خدمتها لمن كانت...
ها أنا مرةً ثانية أعود للحياة أدور في نزيفي، ومهما طالت فيّ الروح لن انسى وجهك ما حييت؟!.. فلا فضيلة للأثر ولا مجد للموت الذي هو صورتك التي ستبقى آفة لا مرئية في ذاكرتي. للحائرة يا الله اختر مشيئتها في ليلة موتها الأخير بيد شيخ التكفير المحارب الهزيل وهو يمضي بجسدي في رحلة جماعية، اصرخ من هذا...
لم أكن متأكداً أن روحي مملوءة بالحبّ، والقلب يمكن أن يعشقَ في هذا العمر. لم يتغيّر شيء في واقعي، لا خلقي، ولا الناس، ولا السماء، ولا السياسات. أشعر أني طائر بعض الشيء، وأستطيع قول ما لا يقال، كل ما كتمته وأخفيته في ذاكرتي الممتلئة بالصمت والنظرات قد استغرقت عمراً للوصول الى الشجاعة. فالمكان كان...
النبأ قد انتشر واستعدّت المدينة، وفرشت الطرقات بأنواع الزهور، ورُفعت الرايات على السطوح، وخُضَّب وجه الأصيل بلون الفرح، وتضاءل المكان الفسيح بالبشر.. وبلمعان العيون المنتظرة بانبهار، تساقطت رشقات المطر بانْهمار رشيق مُتموّج ثم تحول الى رذاذ خفيف، لتتحول كل المدينة الى زجاجة عطر تفوح بعَبق...
رأيته يقيناً بابا خشبيا مهيباً، وصحراء شاسعة فيما وراءه، وبوابة استقبال على نمط غرف التفتيش في دوائر الدولة. وكان كل من حولي يبكون، ويتساءلون عما اذا كنت اسمع وهم ينظرون الى وجهي المحروق؟. وكل من يضع يده عليّ ويهز كتفي كنت أحس به وعقلي يذهب اليه، وأرى كشريط سيمائي ايامي معه. والغريب رجعتُ طفلا...
حيدر عاشور لم يغادر كفاح وتوت في جُلِّ نصوصه على رسالة الحب بلغة الشعر السردي، حيث تتمتع الرموز والدلائل في حد ذاتها بشفافية خاصة وتكتسب عمقا يرسمها من خصوصياته مع وضع مفرداته بوضع التميز الذاتي وهنا لا تعود رمزية نصوصه مجرد شعر وإنما تنتقل لتصبح شيئا من السرد. فيكتسب الشعر سمة المسماة (السردية...

هذا الملف

نصوص
97
آخر تحديث
أعلى