منذ عامين وهو يكاد يتعفن في غرفة رديئة في فندق من الدرجة الثالثة وربما اكثر ولم ينتق هذا المكان الا بسبب قلة ما يملك من المال، وانقطاعه عن العالم وعن زوجته وابنه عادل الذي تركه وهو في سن الخامسة وها هي سنتان ونصف السنة قد مضت على وجوده في هذه العلبة شبه المهجورة، لا يخرج منها الا للتسوق السريع...
كانت يتيمة الابوين وتعيش في كنف عمها وزوجته، صغيرة تقترب من ربيعها الخامس عشر، قرر ان يتقدم اليها وفي اعماقه تموج مشاعر احسان ورأفة ازاء هذه الفتاة الصغيرة في عالم لم يعد يتحمل احدا اذا ما غاب الاب والام، ومما شجعه على اتخاذ هذا القرار بعد عزوبية اقتربت من الاربعين، معرفته بابيها رشيد الموظف في...
منذ ان قذفته السيارة الكبيرة القادمة من مدينته النائية بدأ يخطط للطريقة التي تجعله يتعايش مع هذه المدينة المدججة بقطع الكونكريت والتي تحيط بالشوارع من كل حدب وصوب ، اخرج سيكارة المفرد ووضعها في فمه وهو يتطلع في منطقة النهضة الى الناس وهم يسيرون بسرعة والحقائب تتراكض معهم ، الجميع يعدو الى هدفه...
لم يعد ثمة متسع في دنياها سوى صورته وقد تحولت الى جزء من حدقتي عينيها السوداوين وحين تتجاوز الباب الرئيسي للكلية لم يعد لها شاغل سوى البحث عنه على الرغم من انه ليس احد طلاب كلية الفنون الجميلة لكنه يتردد على احد اصدقائه وقد اقترب منها في احد احتفالات الكلية ومنذ تلك اللحظة اصبح امره يشغلها وما...
ها قد عبرت فوق عشرات المدن والأنهار ، وكل أنواع التضاريس ووشمت بخطواتي كل الحدود ، ودفنت روحي في صالات الانتظار في مختلف مطارات العالم، فمنذ خمسة وعشرين عاما وأنا اصلب في الأجواء والترحال الدائم حتى أصبح جسدي حقيبة عتيقة احملها رغما عني بحثا عن المجهول.
عالم مصنوع من السلوفان.. مدن باذخة وجسور...
شعرت بأن السيد العقيد عفا الله عنه قد تغير كثيرا بل تحوّل الى انسان اخر وشخصية غريبة ومتوترة حين تسلّم عنوة قرار احالته الى التقاعد وقد اخبرني احد زملائه بانه ظل طوال اكثر من شهر وهو يراجع وحدته والجهات المختصة لاعادته الى الخدمة العسكرية باي وسيلة ويقال والعهدة على القائل بانه تبرع للحكومة بنصف...
وجد نفسه مشدودا الى خلية (سعيد متروك) للعمل والفكر اللذين نذر عمره لهما منذ تحسساته الاولى بان الفكر لا يمكن ان يقف على قدميه ويؤثر ويقاتل الموتورين واعداء الهمجية الا بالإقدام دون هوادة.. والمثقف لا يمكن ان تثمر ثقافته واقعا متغيرا ما لم يغادر لعنة الجبن والتردد طالما ان هناك بعض الاقوام لا...
ها قد مضت ثلاثة أعوام دون أن يأتي كما وعدها واقسم لها... ثلاثة أعوام كأنها دهور ثقيلة من الأوجاع والهموم والذل اليومي ، وهي تنوء بعبء الأبناء الأربعة ... ولدان وبنتان كبراهما في الدراسة الإعدادية والثلاثة الباقون في المتوسطة والابتدائية ... من أين لها أن تلقم هذه الأفواه الأربعة وتشتري لهم...
فجأة وجد نفسه إزاء موقف لا يحسد عليه، ولم يفكر يوما بأنه يفكر في شخص أخر أو يعره أي اهتمام بعد أن عانى كثيرا من رتابة وملل الحياة التي يغوص في بقاياها...وجد نفسه مرة واحدة عاشقا، ومد لها حد النخاع.. حلما بتلك المرأة الارستقراطية المزهوة بجمالها وكأنما يتسلم شفرة سرية ،فلقد ايقظت في أعماقه أحاسيس...
منذ زمن سحيق وانت تردد مع نفسك بان لا احد في هذه الحياة الكالحة يفهمك فالزوجة عبارة عن حاسبة مالية تتعامل معك بالدفع العاجل فقط ولا تفكر اطلاقا من اين تأتي انت بالمال، اما طلبات الاولاد فلها بداية وليست لها نهاية وغالبا ما تقف الزوجة خلف الستار لتدفعهم لكي يمثلوا عليك ادوار العوز والحاجة، ودائما...
أدمن كتابة الرسائل ومراجعة دائرة البريد والتزاحم مع المراجعين والمتقاعدين من اجل ان يرى عينيها السوداوين الجميلتين وشعرها المتمرد تحت غطاء رأسها المزركش وادرك ان يوم الخميس الخالد قبل عامين كان يوم ميلاده الحقيقي وقد اخبرها بشوق وعشق بأن ساعة التعرف عليها وبتلك المصادفة العفوية هي عيده الروحي،...
خرجت من كل شيء خاسرا، العمل المبكر ابتلع طفولتي ، وحاصر مراهقتي، الحروب انتزعت مني أجمل الأيام وحرمتني من أي طعم للفرح، فغدوت جسدا بلا روح ، كائنا مهشما يرثي نفسه ويحصي خيباته ومازالت الأيام تعبث بسكينته... في تلك الظهيرة نهضت من فراشي وقررت دون تخطيط مسبق أن أضع لحياتي في هذا اليوم حدا وأسدل...
ليس غريبا أن استرجع ذاكرتي الى الوراء وان ارتب أشيائي نحو الأفضل والأسمى ، وان أفكر بنفسي وانسيها من أساء لها وأقلقها ، هي قدرتي في محو صفحات من حياتي مشبعة بألم وحزن حد البكاء وان ابدأ بصفحة جديدة انقش فيها أحرفا من نور . لذا قررت أن أعيش حياتي بدون حبيب وان اعشق كل جميل ولطيف وان أتسامى...
كل امرئ يقذف الى هذا العالم الغرائبي يحمل في أعماقه هوسا خاصا فهناك من يولع بالنساء وأخر يتعلق ويتعبد في محراب المال وغيره يهيم في التجارة أو الصناعة أو السفر وهناك من يحمل شخصية اشراقية يفيض على الآخرين بينما يتوغل غيره في شخصية سوداوية يبحث عن ضحايا يصنع لهم الفخاخ والأذى بكل أشكاله . الكل...
لم يبق له من شاغل سواها منذ ان تعرف عليها.. قبل ثلاثة أشهر، وظل يتردد على الدائرة التي تعمل، وفي كل مرة كان يبحث عن حجة وتبرير الى ان استعصى عليه ان يذهب مرة اخرى، وبدأ يتصل بها بالنقال وينفق الكثير من المال مقابل سماع صوتها وطريقتها المميزة بالكلام، وشعر وهو يسير بجانبها في حديقة ابي نؤاس انه...