علي سيف الرعيني -| ذكرى مع رائحة النعناع !!

كان يأتي إلى المقهى كل يوم في الموعد نفسه تقريبًا ويختار الطاولة القريبة من النافذة.
لم يكن أحد يعرف سرّ تعلق الرجل المسن بذلك المكان، حتى في الأيام التي لا يكون فيها ما يغري بالبقاء. كان يطلب كأسًا من الشاي بالنعناع، وطبقًا صغيرًا من المرق، ثم يجلس صامتًا، كأنه جاء ليستمع إلى شيء لا يسمعه سواه.
مع مرور السنوات، أصبح المقهى جزءًا من يومه، ثم لم يعد يومه يكتمل من دونه.
كان صاحب المقهى يعرف طلبه دون أن يسأله، والنادل يضع الشاي أمامه قبل أن يخلع معطفه. أما هو، فكان يكتفي بابتسامة خفيفة، ثم يحدّق في البخار المتصاعد من الكأس، كأنما يرى في خيوطه المتلاشية عمرًا كاملًا يعود من بعيد
في رائحة النعناع كان يجد زوجته.
كانت الرائحة تعيده إلى مطبخ البيت القديم، إلى صوتها وهي تناديه من آخر الغرفة، وإلى يديها وهما تقلبان الطعام، وإلى ضحكتها القصيرة التي كانت تأتي فجأة ثم تختفي، كأنها تخشى أن تزعج صمت البيت.
أما طعم المرق، فكان يعيده إلى سنوات بعيدة؛ إلى بيت صغير، وامرأة شابة، ورجل لم يتعلم، طوال عمره، كيف يقول ببساطة: أحبك
لم يكن بخيلًا بالمشاعر، لكنه كان عاجزًا عن إخراجها من داخله.
كان يحبها، نعم، غير أنه قضى حياته يظن أن الحب مسؤولية تُؤدى، وبيت يُصان، وحاجات تُقضى، لا كلمات تُقال، ولا يدًا تُمسك، ولا قلبًا يحتاج بين حين وآخر إلى أن يسمع أنه محبوب
كانت تسأله حين يعود من عمله:
كيف كان يومك؟
فيجيبها:
عادي.
فتنظر إليه طويلًا، ثم تبتسم.
لم تكن تعرف أن وراء كلمة «عادي» رجلًا أنهكه العالم، لكنه كان يجد في وجودها سببًا آخر للاستمرار.
في شبابه، كان يحمل أفكارًا كثيرة عن الحرية والمعنى والاختيار. كان يؤمن بأن الإنسان ينبغي أن يعيش وفق ما يعتقد، لا وفق ما يريده الآخرون منه. وكان يرى الزواج، آنذاك، قيدًا قد ينتزع من الإنسان شيئًا من حريته.
ثم جاءت هي.
ولأول مرة، اكتشف أن المبادئ تبدو واضحة ما دامت الحياة لم تختبرها.
تراجع عن كثير مما كان يؤمن به، وتزوج.
لم يندم على زواجه، لكنه ظل يشعر، في زاوية عميقة من روحه، أنه ترك وراءه شابًا كانه ذات يوم؛ شابًا كان يظن أن الحرية تعني ألا يربط مصيره بأحد، ثم وجد نفسه، دون أن يدري، يختار حياة أخرى ويغلق خلفه بابًا لم يعد قادرًا على فتحه.
ومع مرور السنين، صار البيت عائلة، وصارت المسؤوليات عمرًا كاملًا، وصار هو الرجل الذي يذهب إلى عمله، ويدفع الفواتير، ويعود مساءً، ويجلس إلى جوار امرأة أحبها بطريقته الصامتة
لكن الزمن لا يمنح الإنسان فرصة ثانية ليقول ما لم يقله.
ماتت زوجته ذات صباح هادئ
ومنذ ذلك اليوم، أصبح البيت أوسع من اللازم.
بقيت الأشياء في أماكنها: فنجانها، وشالها، وبعض كتبها، وعلبة صغيرة كانت تضع فيها دبابيس شعرها. وحده صوتها اختفى، وكأن البيت فقد شيئًا لا يمكن للأثاث أن يعوضه.
حاول أن يعيش في المنزل بعد رحيلها، لكنه لم يستطع.
كان الصمت هناك كثيفًا إلى درجة تؤلمه.

وهكذا اكتشف المقهى
في البداية جاء إليه هربًا من الوحدة، ثم جاء بحثًا عن الناس، ثم اكتشف، بعد أشهر، أنه لم يكن يبحث عن الناس أصلًا.
كان يبحث عنها
كلما تصاعدت رائحة النعناع، عادت إليه.
وكلما تذوق المرق، تذكر يديها.
وكلما جلس أمام النافذة، تخيل أنها ستدخل من الباب بعد قليل، وتقول له بنبرة عتابها القديمة:
— تأخرت اليوم.
كان يعرف أنها لن تأتي
ومع ذلك، كان يأتي
ذات مساء، سأله النادل الشاب:
— عمي، لماذا تأتي إلى هنا كل يوم؟
رفع الرجل رأسه، وبقي صامتًا لحظات، ثم قال:

— لأنني تأخرت كثيرًا في فهم أشياء كان ينبغي أن أفهمها وأنا شاب.
لم يفهم النادل.

ابتسم الرجل وأضاف:

كنت أظن أن أمام الإنسان وقتًا طويلًا ليقول ما يريد. ثم اكتشفت متأخرًا أن بعض الكلمات، إذا تأخرت، تصبح بلا عنوان.
ثم نظر إلى كأس الشاي
— كنت أحبها كثيرًا، لكنني لم أقل لها ذلك بما يكفي.
سكت قليلًا، ثم أردف:
كنت أظن أن بقائي إلى جوارها هو الدليل. ولم أفهم أن القلب، أحيانًا، يحتاج إلى أن يسمع ما يعرفه
في تلك الليلة، بقي الرجل في المقهى حتى موعد إغلاقه.
وعندما نهض، ترك على الطاولة ورقة صغيرة
وجدها النادل في الصباح
كان مكتوبًا عليها:
يا من عشتِ معي العمر كله، سامحيني لأنني عرفت معنى الحب متأخرًا. كنت أظن أن الزواج تنازل عن حريتي، ثم اكتشفت أنني لم أخسر حريتي بقدر ما ربحت إنسانة واحدة جعلت للعمر معنى. وحين رحلتِ، أدركت أن الطريق الذي خفتُ منه ذات يوم لم يكن طريقًا بلا رجعة فحسب، بل كان الطريق الذي تمنيت، بعد فوات الأوان، لو استطعت العودة إلى بدايته
ومنذ ذلك اليوم، ظل الرجل يأتي إلى المقهى.
لم يعد ينتظر عودتها
كان يأتي فقط كي لا ينساها
فبعض الأماكن ليست مقاهي، وبعض الروائح ليست مجرد روائح، وبعض الأطعمة لا تكون طعامًا فحسب
إنها أبواب سرية في جدار الزمن، يفتحها الإنسان حين يعجز عن العودة إلى من أحب، وحين يدرك، متأخرًا، أن أكثر ما يؤلم في الفقد ليس رحيل الذين نحبهم، بل الأشياء التي ظللنا نؤجل قولها حتى أصبح الصمت هو إرثنا الوحيد !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى