العمة الحنونة
حيدرعاشور
لم تكن عمتي مجرد عابرة في شجرة العائلة، بل كانت شمس طفولتنا ونورها المتدفق. كنا نرقب خطوها بلهفة الطيور، ونلتف حولها وهي تنثر من كفها الطاهرة دراهم معدودة، كانت في عيوننا الصغيرة ثروة تشتري العالم بأسره. نركض بها في الأزقة وكأننا نملك الأرض، لنقايضها بسكاكر غزلناها من أحلامنا. لكن قطار العمر غيّر وجهته، وجرفتنا دروب الحياة بعيداً عنها، لتفصلنا سبع ولايات كاملة بمسافاتها وجبالها. ورغم هذا النزوح الجغرافي، ظل الحنين إليها دافئاً لا يبرد. كنا نطوي المسافات الطويلة صعوداً نحو بيتها، فنجدها كما تركناها؛ منارة ثابتة لا تغيرها السنون، تفيض حناناً وتغمرنا بعطائها البسيط، لتهبنا مع تلك الدراهم تذكرة عودة مجانية إلى طفولتنا البعيدة.
كان للعمة ثلاثة إخوة من وجهاء القوم وسادتهم؛ رجال تهاب العامة جانبهم لثقل مكانتهم ورفعة اسمهم. لم تنجب العمة من صلبها سوى ابن واحد كان بمثابة القطعة من قلبها، لكن بيتها الرحب لم يضق يوماً؛ إذ ضمت تحت جناحها أولاد أختها الخمسة، ترعاهم بحنان الأم وحبها الصادق بعد أن غاب عنهم السند.ومع تعاقب السنين، نبتت بين الإخوة الخمسة وأخوالهم خلافات عائلية أورثت جفاءً في النفوس. ورغم أن الود القديم كان يعود ليطفئ الأزمات في العلن، إلا أن الجمر ظل متقداً تحت الرماد. لم يمهل القدر العائلة طويلاً، إذ ألمّ بالعمة مرض شديد غيّب جسدها سريعاً، وأسلمت روحها الطاهرة إلى بارئها.لم يكن الحزن على رحيلها الوجع الوحيد في ذلك اليوم؛ فما إن فارقت الحياة حتى تفجرت ضغائن النفوس المستترة.
في مقام الموت الذي تذعن له النفوس، اختار أبناء الأخت الخمسة أن يخطّوا فصلاً جديداً من ضغائنهم القديمة. على القماش الأسود للافتة العزاء، جردوا خالتهم الراحلة من اسم عشيرتها الأصيل، وأسقطوا عمداً أسماء إخوتها الثلاثة؛ سندها وعزوتها في الحياة. صاغوا الرثاء بضمير الاستئثار: بقلوب مؤمنة ننعي عقيلة فلان، وابنها فلان، وأولاد أختها. متناسين أن الموت لا يُصفي الحسابات. وحين وفد المعزون من كل حدب وصوب، لم تقع أبصارهم على فجيعة الفقد، بل على الفراغ المتعمد في السطور. ساد المكان وجوم ثقيل؛ إذ أدرك الحاضرون أن لافتة الموت تحولت إلى ساحة مغلوبة للثأر الصغير. تهامس الناس بأسف عن حقد أعمى بصائر الفاعلين، فخسروا وقار الموقف واحترام الحي والميت معاً. أما الراحلة الحنونة، فقد بقيت في ذاكرة العارفين أكبر من السطور المبتورة، وأرفع من قماشهم الأسود الذي فضحهم قبل أن ينعاها.