قصة قصيرة
حيدر عاشور
كان ناجحٌ يرمق العالم من خلف زجاج سيارته الفارهة؛ ذلك الزجاج الداكن الذي يحجب عنه حقائق الحياة كما هي. كان يخال نفسه متربعاً على عرش الوجود، ويظنّ أنه الأول في مضامير الحياة كافة، أو هكذا صوّر له وهمه. لم يكن ثمة باب يستعصي على سطوته، ولا رغبة تعجز عن الانصياع له، ما دامت بطاقته المصرفية كفيلةً بشراء كل ما يقع عليه بصرُه. لكن الحقيقة الراقدة خلف جدران صرحه العاجي كانت تلفظ أنفاساً مغايرة تماماً.
تطوّقُ الناجحَ أغلالُ جهلٍ مركّب، يرسفُ تحت وطأته بلا وعي؛ جهلٍ لم يقف عند حدود المعرفة الأكاديمية أو الوعي الثقافي، بل تغلغل ليقوّض بصيرته الاجتماعية والإنسانية من جذورها. فلم يكن يفقه أصول الحوار المثمر، ولا يهتدي إلى سبيلٍ لبناء علاقة إنسانية صادقة تتنزّه عن حسابات المنفعة المادية. كان يتوهّم أن الاحترام يُشترى ببريق ساعته وفخامة ثيابه، ويظنّ منصبه الشرفي في شركة والده صكّاً يثبت ذكاءه الفذ، في حين كان الجميع يدركون أن وجوده هناك ليس إلا ستاراً بروتوكولياً لحفظ ماء وجه العائلة.
في أحد الأيام، قرر والد ناجح وقد ضاق ذرعاً بطيش ابنه واستهتاره أن يرمي به في آتون الواقع. أصدر الأب قراراً حاسماً بنقله لإدارة فرع الشركة الصغير في محافظة نائية، واقتطاع الدعم المالي المفتوح عنه؛ مخصصاً له راتباً شهرياً محدوداً لا يتعدى أجر موظف مبتدئ. وصل ناجح إلى بلدته الجديدة يجر خلفه أذيال الخيلاء، ظاناً أن هيبته ستسبقه، وأن الموظفين سيهرعون إليه خاضعين. وفي أول اجتماع رسمي له مع رؤساء الأقسام، جلب معه أسلوبه المعتاد.. نبرة متعالية، وحديثاً ممجوجاً بلغة أرقام لا يفقه من أسرارها شيئاً، يوزع الأوامر اعتباطاً دون فقه بطبيعة العمل. كان بين الحاضرين مهندس شاب يُدعى أمين، يُعرف بكفاءته وهدوئه الرصين. وعندما طرح ناجح فكرة يستحيل تطبيقها هندسياً ومالياً لم يكن يبغى منها سوى فرض سطوته. تنحنح أمين، ثم قال بأدب جم:
تقدم أمين بخطوات واثقة، وأصدر توجيهاته السريعة للعمال، ثم اندفع بنفسه يغلق الصمامات الرئيسية بحرفية عالية وهدوء الواثق، ليحيد الخطر في دقائق معدودة. صفق الجميع لأمين، وترددت أصداء الشكر والثناء في أرجاء الممر. وفي تلك الأثناء، وقف ناجح في الزاوية يرقب المشهد وعيناه شاخصتان نحو الأرض، وقد داخله شعور بالضآلة لأول مرة في حياته. أدرك حينها أن ترتيبه الحقيقي في هذا العالم هو الأخير، وأن صدارة المشهد التي توهمها لم تكن سوى زيف صنعه ثراء والده؛ فالمال لم يقِه غوائل الجهل، ولم يمنحه الاحترام الأصيل، وعجز تماماً عن إنقاذ المنشأة من الكارثة. في تلك الليلة، جافى النوم عيني ناجح. عاد إلى غرفته البسيطة، ونظر في المرآة بصدق تجرد فيه من زيفه، فخلع رداء التعالي وقرر البدء من نقطة الصفر. وفي الصباح التالي، قصد مكتب أمين، وبنبرة خلت من كل كبرياء، قال له:
الجهل المركب
حيدر عاشور
كان ناجحٌ يرمق العالم من خلف زجاج سيارته الفارهة؛ ذلك الزجاج الداكن الذي يحجب عنه حقائق الحياة كما هي. كان يخال نفسه متربعاً على عرش الوجود، ويظنّ أنه الأول في مضامير الحياة كافة، أو هكذا صوّر له وهمه. لم يكن ثمة باب يستعصي على سطوته، ولا رغبة تعجز عن الانصياع له، ما دامت بطاقته المصرفية كفيلةً بشراء كل ما يقع عليه بصرُه. لكن الحقيقة الراقدة خلف جدران صرحه العاجي كانت تلفظ أنفاساً مغايرة تماماً.
تطوّقُ الناجحَ أغلالُ جهلٍ مركّب، يرسفُ تحت وطأته بلا وعي؛ جهلٍ لم يقف عند حدود المعرفة الأكاديمية أو الوعي الثقافي، بل تغلغل ليقوّض بصيرته الاجتماعية والإنسانية من جذورها. فلم يكن يفقه أصول الحوار المثمر، ولا يهتدي إلى سبيلٍ لبناء علاقة إنسانية صادقة تتنزّه عن حسابات المنفعة المادية. كان يتوهّم أن الاحترام يُشترى ببريق ساعته وفخامة ثيابه، ويظنّ منصبه الشرفي في شركة والده صكّاً يثبت ذكاءه الفذ، في حين كان الجميع يدركون أن وجوده هناك ليس إلا ستاراً بروتوكولياً لحفظ ماء وجه العائلة.
في أحد الأيام، قرر والد ناجح وقد ضاق ذرعاً بطيش ابنه واستهتاره أن يرمي به في آتون الواقع. أصدر الأب قراراً حاسماً بنقله لإدارة فرع الشركة الصغير في محافظة نائية، واقتطاع الدعم المالي المفتوح عنه؛ مخصصاً له راتباً شهرياً محدوداً لا يتعدى أجر موظف مبتدئ. وصل ناجح إلى بلدته الجديدة يجر خلفه أذيال الخيلاء، ظاناً أن هيبته ستسبقه، وأن الموظفين سيهرعون إليه خاضعين. وفي أول اجتماع رسمي له مع رؤساء الأقسام، جلب معه أسلوبه المعتاد.. نبرة متعالية، وحديثاً ممجوجاً بلغة أرقام لا يفقه من أسرارها شيئاً، يوزع الأوامر اعتباطاً دون فقه بطبيعة العمل. كان بين الحاضرين مهندس شاب يُدعى أمين، يُعرف بكفاءته وهدوئه الرصين. وعندما طرح ناجح فكرة يستحيل تطبيقها هندسياً ومالياً لم يكن يبغى منها سوى فرض سطوته. تنحنح أمين، ثم قال بأدب جم:
- عذراً يا أستاذ ناجح، لكن هذا المقترح يفتقر إلى دراسة جدوى واقعية، ويصطدم بمعايير السلامة والأمان التي نلتزم بها.
- أنا ميزان القرار هنا، وأنا أعلم بمصلحة العمل منكم جميعاً!.
تقدم أمين بخطوات واثقة، وأصدر توجيهاته السريعة للعمال، ثم اندفع بنفسه يغلق الصمامات الرئيسية بحرفية عالية وهدوء الواثق، ليحيد الخطر في دقائق معدودة. صفق الجميع لأمين، وترددت أصداء الشكر والثناء في أرجاء الممر. وفي تلك الأثناء، وقف ناجح في الزاوية يرقب المشهد وعيناه شاخصتان نحو الأرض، وقد داخله شعور بالضآلة لأول مرة في حياته. أدرك حينها أن ترتيبه الحقيقي في هذا العالم هو الأخير، وأن صدارة المشهد التي توهمها لم تكن سوى زيف صنعه ثراء والده؛ فالمال لم يقِه غوائل الجهل، ولم يمنحه الاحترام الأصيل، وعجز تماماً عن إنقاذ المنشأة من الكارثة. في تلك الليلة، جافى النوم عيني ناجح. عاد إلى غرفته البسيطة، ونظر في المرآة بصدق تجرد فيه من زيفه، فخلع رداء التعالي وقرر البدء من نقطة الصفر. وفي الصباح التالي، قصد مكتب أمين، وبنبرة خلت من كل كبرياء، قال له:
- أريد أن أتعلم منك.. كيف تدير الأمور، وكيف تسبر غور هذا العمل.