طريق الجِريّة
حيدر عاشور
يغفو طريق (الجِريّة)* ويستيقظ على ضفاف الفرات؛ كما يروي أهالي كربلاء، حيث تتلألأ بيوته الطينية الدافئة وكأنها ولدت من رحم النهر. وتحت ظلال بساتين النخيل المعمرة، التي تناقلت الأجيال خضرتها أمانةً عبر الزمن، كان يقطن الشيخ (أبو عدنان) الكظماوي. لم يكن الكظماوي مجرد رجلٍ طاعنٍ في السن، بل كان الذاكرةَ النابضة لبساتين الجِريّة وحكمتَها المأثورة. ففي سنوات خلت، كان ديوانه مشرع الأبواب، لا تخبو له نار ولا ينطفئ له موقد؛ يستقبل فيه القاصي والداني من زوار مدينة الحسين بحفاوةٍ حاتمية وكرمٍ عراقيٍّ أصيل. غير أن عاديات الزمن بدلت الحال؛ فمع رحيل شريكة دربه ورفيقة عمره، انطفأت بهجة الدار القديمة، ليجد نفسه حاملاً ما تبقى من رماد ذكرياته، منتقلاً للعيش في كنف ابنه الأكبر عدنان.
استحالت حياة عدنان إلى أرقام؛ رجلٌ استهلكته الأسواق فصارت تروس عقله لا تدور إلا لتحصي ربحاً أو ترصد خسارة، حتى قست نبرته وجفت في صدره ينابيع المودة. وعلى المقلب الآخر من المنزل، لم تكن سعاد ترى في وجود والده، الحاج الكظماوي، سوى عبءٍ باهظ يهدد رغد عيشها، ويفسد بتفاصيل شيخوخته هندسة حياتها المترفة. ولم يقف هذا الجفاء عند حدود الزوجين؛ بل تسلل كسمٍّ بطيء إلى وجدان الأبناء، ليشكل ملامح طفولتهم الجافة. نشأ الصغار وهم لا يرون في جدهم سوى شبحٍ هرمٍ يلتهم المساحة ويبدد الوقت، حتى تلاشت من صدورهم مهابته. صاروا يمرون بجواره كأنه طيف منسي أو قطعة أثاث عتيقة، يشحّون عليه بتحية الإسلام، بل ويتذمرون جهارًا من بطء خطواته المرتجفة وكثرة نسيانه؛ ذاك النسيان الذي أحالوه في مجالسهم إلى مادةٍ للتندر والشكوى.
وفي أصيلِ أحد الأيام، ولجَ عتبةَ البستان رجلٌ وقور، خطّت التجاعيدُ على وجهه حكايا الحكمة؛ إنه أبو القاسم، أحد أصدقاءِ الحاج القدامى ورفيقُ دربه. كان يحملُ بين جوانحهِ مهمةً ثقيلة لرأبِ الصدعِ والتوفيقِ بين عائلتين كادت الفتنةُ تعصفُ بقرابتهما. ولم تكن وجهتهُ إلى بيتِ الحاج طلباً لمعونةٍ مادية، بل ليقينه بأن رجاحة عقلِ هذا الشيخ هي المفتاحُ الوحيد لحلّ هذه المعضلةِ المستعصية. خطا أبو القاسم داخل المجلس، فاندفع عدنان (ابن الحاج) للقائه بترحابٍ مبالغ فيه تفوح منه رائحة التصنّع، لكن نظرة واحدة من عيني الحكيم كانت كافية لتبيّنَ البرود الكامن في زوايا الغرفة. التفت الجميع نحو المائدة فور وضع الطعام وتهافتوا عليها، مخلّفين وراءهم الشيخ المسن في عزلته بآخر المجلس، بلا يدٍ تسند وهنه أو تحفظ مقامه. وتضاعف المشهد قتامةً حين شرع الحاج يتحدث بصوته المتهدج محاولاً الترحيب بضيفه، فتعالت في المقابل صيحات الصغار وضحكاتهم المستفزة لتبتلع كلماته، وسط صمتٍ متواطئٍ من الأبوين. ولم يكن عدنان بأقل جفاءً؛ إذ هبّ يقاطع أباه بحدةٍ غليظة تكررت مرارًا، مستهينًا بحديثه أمام الضيف بلا وجلٍ أو مراعاة، في عقوقٍ علني يدمي الفؤاد. ظل أبو القاسم صامتاً يبتلع غصته ويراقب المشهد بأسف، متأملًا كيف يُهدم حصن التربية في بيت صديقه.
انفض المجلس، وغادر الصغار ووالدتهم، وانفرد عدنان بأبي القاسم. اقترب عدنان بخيلاء، وبادره قائلاً:
- يا أبا القاسم، أود مشورتك في مسألة تجارية عائلية... أريد أن أجمع شمل الأقارب في مشروع مشترك، فما رأيك كيف أصل رحمي بما يضمن لي الولاء والربح؟.
- يا عدنان... جئت إلى بستانكم أطلب العون من والدك في إصلاح ذات البين بين الغرباء، ولكني وجدت في بيتك علة لا تُداوى.
- وما هي هذه العلة يا عم؟.
- تبحث عن صلة الرحم في أموالك وتجارتك، وقد قطعت أعظم رحم وأقرب باب للجنان تحت سقف بيتك! البيوت التي لا يُحترم فيها الكبير، لا تُرجى منها صلة. إن الذي لا يوقر والده الذي هو أصل وجوده، ولا يعطيه حقه من الإجلال، كيف يُرتجى منه أن يصل رحماً بعيدة؟.
- إن بر الكبير هو المدرسة الأولى، فإذا هُدمت، هُدمت كل الروابط الباقية. ومن لم يوقر شيب والده، ولم يزرع في أبنائه هيبة جدهم، هو كمن يسقي شجرة ميتة الجذور ويرجو منها ثمراً. أصلح بيتك أولاً يا بني، فإن الخسارة الحقيقية ليست في دفاتر تجارتك، بل في عيون أبنائك الذين يتعلمون منك اليوم كيف يلقون بك في زاوية النسيان غداً.
منذ ذلك اليوم المشهود، انقلب حال البيت رأساً على عقب. لم تعد الجدران باردة، بل دبت فيها الحياة؛ حيث تصدّر ابو عدنان صدر المجلس مكرماً مهاباً، وغدا رأيه هو القول الفصل والأول والأخير في كل شأن. واعتاد الأبناء، مدفوعين بقدوة أبيهم، أن يقبلوا يد جدهم تبجيلاً كل صباح ومساء. ومع عودة الوقار لوالدهم، عادت البركة والسكينة لتطرقا أبواب ذلك البيت، وتنثرا الدفء في أرجائه بعد أن أوشكت أنوار الصلة والرحمة على الانطفاء.
*طريق الجِريّة (أو شارع الجِريّة) هو الشارع الرئيسي الذي يمر عبر ناحية الطَف (المعروفة شعبياً باسم منطقة الجِريّة) التابعة إدارياً لقضاء الحسينية في شمال محافظة كربلاء المقدسة، العراق.